شعرت بالارض الثابتة تحتي كانها تهتز تحت قدمي ؛ لقد كان المطارد الذي كاد يقطع انفاسي امس ،و الذي جعلني مرعوبة من خيال المارة امام بيتنا ، يقف امام بابنا مباشرة و يطلب اخي بالاسم.
'كيف يعرفه ، و ماذا يريد؟ '
لم استطع ان اقرر ، هل اصرخ و افضح امره امام الجميع: ان المطارد يقف امامي مباشرة؟ ، ام ابتلع الصمت؟ ..
" مريم ، من الطارق؟" قطع اخي افكاري ،وسحب الباب من يدي و فتحه اكثر ليري من الطارق
"اوف .. الجو بارد بالخارج " نفث المطارد نفسا ابيض بين يديه بينما يفركهما .
" من ..؟ .. آه ،أنس! ، مرحبا بك تفضل ،تفضل " رحب به اخي بنبرة مرحبة لم تبدو علي ملامحه ، و قاده الي الصالون .
" من هو؟" همست اليه " إنه صديق قديم ، مضي زمن طويل لم اره .. اذهبي و احضري الشاي "
لم يكن غريبا ان يزورنا صديق قديم فجاة ، لكن ما كان غريبا عي تعابير وجه اخي ، كانت مشدودة و متهجمة ، تعبير لا يليق بصديق يرحب بضيفه ..اتجهت الي المطبخ لاحضر كوبا من الشاي ، حينما لمست البراد وجدته ساخن بالفعل و مستعد لصنع اي كوب شاي فورا ، لكني كنت اتعمد التاخير ؛ كنت اريد ان التقط جزئا من حديثهما ، من هذا ؟ و لماذا كانت تعابير أخي هكذا ؟
اقتربت من باب الصالون بحذر ، لعلي التقط كلمة او اثنتين .. لم اسمع شيئا ، اقتربت اكثر و حاولت ان اصطاد اي شئ ، لكني لازلت لم اسمع .. هل يهمسون ؟ هل كان الامر خطيرا لدرجة ان ياتي لاخي في اللحظة الضائعه ، و يتهامسون ؟
حملت طبق الشاي ، كان الكوب فاترا ، كانه يطرد هذا الضيف غير المرغوب به . لم اذهب مباشرة و لكني تسللت بهدوء حتي انظر نظرة متهربة علي الأشخاص الجالسين ، للحظة كاد الطبق ان يسقط من يدي ، ' ما هذا ' امامي كان مشهد غير طبيعي .. كان هو و اخي يجلسان متقابلين .. فقط ، كان هذا هو كل شئ .
حينها ادركت اني لم اكن اسمع شيئا ، ليس لانهم يتهامسون ، بل لانهم لم يتحدثوا اساسا .
اخي بملامحه المشدودة كما هو ، و الاخر بابتسامته اللزجة تلك .. ، كان هناك حوار يدور بينهم بالنظرات ، حوار لم اعلم عنه شيئاً.
هذا المشهد اكثر اخافة من اختفاء الشعر اسفل مكتبي ..
قررت ان اخرج و اقطع هذا الحوار الصامت المريب ، لكن بمجرد وصولي" الان اعذرني " نهض الضيف الغريب و استاذن بالرحيل.
" انت راحل بهذه السرعة ! علي الاقل ابق حتي تشرب كوب شايك " الح اخي عليه بالبقاء .. ، عجبا لهذا الالحاح المفاجئ ! لم يكن يبدو علي تعابيره انه يرغب بالجلوس معه اكثر اساسا .
نظر الضيف غير المرغوب في ساعة يده و قال بالحاح " الوقت متاخر الان ، ربما في مرة اخري"
اندفع الي الباب بسرعة ، و اصطدم بي انا التي كنت احمل كوب شاي ليس ساخنا ابدا و اسقطها .
"انتبه !" التقط الكوب في منتصف المسافة ، لكن بعد فوات الاوان فقد سقطت محتواها الفاتر بالكامل عليه .. ، الكوب كان مقدر له بكل حال .. حتي و ان لم يشربه.
" اسفة لم انتبه ..منديل ، ثانية!" هرعت لاحضر منديلا لمسح الفوضي التي سببتها ، لكنه اعترض طريقي "لا باس " قال الجملة التالية بهمسة جمدت الدم في عروقي
" انت تحتاجينه اكثر مني.. هناك شئ اسود مقرف عالق بك"
تركني تعليقه مذهولة ، اذ لم اتحرك لفترة . ماذا قصد بالشئ الاسود المقرف؟ ، تفحصت جسدي في كل مكان ، لم ار اي شئ اسود عالق بي . ربما .. هل كان يقصد الكرة الزغبية!؟ هل يستطيع رؤيتها؟!!
عندما استعدت وعيي اخيرا كان الاوان قد فات لقد اغلق الباب و رحل الضيف المريب !!
" انتظر!.." صرخت داخلي و هرعت الي الباب اردت ان اساله :" هل تري الكرة السوداء حقا؟"
لكن اينما نظرت لم اجد امامي الا ظلام الليل و بقايا الاشجار العارية المرحبة بقدوم الشتاء..
عندما رجعت الي الصالون ، كان اخي لايزال واقفا جامد الوجه ، لم يخرج من شروده الا بعدما وخزت يده " زين.." تحررت تعابيره و ارتخت بهدوء
"انا ذاهب للنوم .. غدا لدي يوم طويل "
مددت يدي بسرعه محاولة التشبث بقميصه لاستجوبه عن ذلك الشخص ،لكنه رحل تاركا يدي تمسك الهواء.
ما ان دلفت الي الغرفة بخطي متثاقلة ، و استقر جسدي المنهك علي السرير ، حتي بدا المشهد يعيد نفسه حتي توقف عند الكلمات المسمومة التي همس بها :' شئ اسود عالق بك ' .. لتثور بهدها الافكار كالزوابع ، دفعت عيني للندر في كل مكان ، بحثا عن ذلك السواد الذي يراه و لم اعد اراه.
حينما يصيبني خوف او توتر ، اعتدت ان ادير السبينر ، كان شكل اجنحته الدوارة يختزل افكاري و يعيد ترتيبها ..، لكن الان ، السبينر المسكين لم يعد يحتمل وطاة الاحداث المتتالية، اذ لم يعد يعرف كيف يرتب او ما الذي يرتب!
و اخرجتني صوت محركات السيارة معلنة الرحيل ، بينما كنت غارقة في افكاري . و عندما اصبح اخي علي بعد خطوة من السيارة التفت و نظر الي زجاج الطابق الثاني ، لم ير وجهي الذي كان مختبئا خلف الستائر ،لكنه توقع وجودي ، و لوح بيده مودعا . و ما ان تلاشي صوت هدير السيارة في الافق ،حتي اسدِلت الستائر عن زمن من الطمأنينة ، و بداية فصل
جديد من الرعب و شتاء طويل...