" اريد ان اكرر مجددا ، كل الناس تصاب بحوادث و كوارث يا انسة مريم و لكن يختلف رد الفعل من شخص لاخر ، هناك من ينهار تحت الضغط و من يبكي و من يفقد الاحساس او الحركة بجزء معين من الجسد ، هذا رد فعل من العقل لحماية نفسه تحت وطاة الضغط ، و في حالتك للاسف ، قرر العقل ان يحمي نفسه عن طريق صرف نظرك عن الحادث الي الهلاوس ، مما يضعه في مزيد من الضغط ، سنعمل سويا و بمساعدة العلاج علي التحسن و العودة كما كنا باذن الله"
كنت في جلسة الاعادة عند الدكتور عصام ، هذه المرة الرابعة التي يشرح حالتي مع نبرة شديدة قليلا علي الجزء الاخير، كانما كان يقنع نفسه قبل ان يقنعني ان عقلي يخدعني .
و لما اتي العلاج بنتائجه الاعجازية..قرر ان يكمل بجانب الادوية علاج لا دوائي ،او كما قال هو العلاج السلوكي . لم اكن استمع له حقا ، تماما مثل اول مرة ... لا كان الامر مختلف قليلا ، حينما كانت الكرة السوداء هي السبب في عدم استماعي تلك المرة ، الان كان السبب شئ غامض لم اعرفه ، شعرت ان وعيي غارق في مستنقع لزج عميق .. او ضباب كثيف يغطي علي عيني ، لم اكن اراه لكني شعرت به .
" ... كما قلنا سابقا يعمل الدواء علي النواقل العص... انسة مريم؟" افزعني صوت الطبيب الذي علا فجاة ، و ازعج نومي العميق " اه .. اه ، لم انم !.." حتي اني مسحت خيطا من اللعاب ، لم اعلم متي تسرب من زاوية فمي .. كم هذا محرج .. هل رآه؟!
" اري.. بما انك تستجيبين للعلاج بصورة جيدة ، مارايك ان تحضري جلسة علاج بالدعم يا انسة ، فان قصة نجاح العلاج معك ، ستدعمهم نفسيا و تعطيهم املا في المستقبل "
لم يكن لدي اية مشكلة ، كنت ادرك جيدا مقادر المعاناه التي يعانيها الإنسان عندما يري مالا يراه احد ، اضف الي ذلك نظرات المحيطين ، بالطبع سترغب في اي يد تمتد اليك و تطمئنك ' انك لست وحدك ' لقد احتجت هذا اليد في يوم من الايام ، فما بالك بالتحسن ! .. لذا وافقت.. "شكرا لك يا انسة مريم ، بالطبع سيكون حضورك مؤثرا ، لدينا جلسة غدا في الثانية عشرة "
.......
في غرفة لاتقل بياضا عن عيادة الدكتور عصام ،استقرت سبعة كراسي مرتبة علي شكل دائرة ،كان ستة منها علي ابعاد متساوية بالضبط ، اما السابع فكان متباعدا عن السته بضعف المسافة تقريبا ، كانما اختار صاحبه ان يعزل نفسه عمدا ، كعرش لعاقل علي مجموعة المجانين.
عندما ادركت بالطبع ان الكرسي السابع من المستحيل ان يكون عرشي انا ، جلست علي احد الكراسي الستة الاخري التي تنتمي للعامة ، و كنت اول الواصلين .
ما ان مرت خمس دقائق حتي وصل اول الحاضرين.. امراة في منتصف العمر ، نحيفة البنية ، لا وجود لما يميزها ، غير انها كانت تلتفت يمينا و يسارا بشكل غريب . بعدها مباشرة جاء رجل عجوز قرابة الستين مستندا علي عصاه ، اما الثالث و الرابع فقد دخلا سويا و يبدو انهما تقابلا في الطريق . كان احدهم بعينين جاحظتين ، و الاخر.. إن رايته في اي مكان اخر غير هذا المكان ستقسم انه لا يعني من اي شئ . ظننت في البداية انه سيجلس علي عرش القائد لكنه توجه ناحية احد الكراسي السته ، بجوار المرأة ذات راس البندول.
رجل اربعيني ببدلة محترمة و شعر تم تسريحه بدقة و كل شعرة كانت تلتزم بمكانها و لم تفكر بالخروج عن القطيع .
اما الخامس.. كان شابا في نهاية العشرينات او بداية الثلاثينات ، يحمل علي وجهه ابتسامة بلهاء ، و عيون غير مركزة .
جاء مدعوما بممرض من المركز ، و اجلسه الاخير بجواري مباشرة و غادر .. لم تمر دقيقة حتي جاء رجل بوجه مربعي و نظارة مطابقة لشكل الوجه ، و جلس علي عرش القائد..
لم يكن اي من الحاضرين يبدو طبيعيا عدا انا و الشخص المحترم ذو البدلة و ذو وجه المربع الذي تربع علي عرش المجانين ..
" نريد ان نرحب بالانسة مريم ،لانها شرفتنا بحضورها اليوم .. انسة مريم سمعت من الدكتور عصام عنك .. هل يمكنك التعريف عن نفسك من فضلك؟"
" اسمي مريم ، انا في الحادية و الع... اقصد في الرابعة و العشرين، لقد تعرضت لحادث منذ ثلاث سنوات ،منذ حينها و انا اري هلاوس .." قدمت نفسي باختصار
" سمعت ان حالتك تحسنت؟"
" اجل ، اجل .. مضي اربعة اسابيع منذ ان بدات العلاج ، و لم اري اي شئ بعدها "
" رائع ، شكرا لك علي حضورك مرة اخري انسة مريم " كان الرجل قائد المجانين متحمسا للتقديم ، لدرجة انه صفق بيديه ، ما ان صفق حتي صفق الجميع من بعده مثل قطع الدومينو المتساقطة ، حتي صاحب الابتسامة البلهاء الجالس بجواري، ' اغغه .. توقف ،هذا محرج '
اردت ان اخفي وجهي في اي مكان ، اظن ان وجهي اصبح مثل الطماطم..
" اعلم ان بعضنا يعرف الاخر ،لكن اريد ان نعرف انفسنا علي الحاضرين الجدد ، تفضلي مدام راندا "
اشار للمراة الجالسه علي يمينه لتقدم نفسها.
القت المراة نظرة عليه ثم استانفت تحريك راسها في حركة تشبه البندول ..
" اسمي راندا.. "
"و ؟"
" انا بخير لا اعاني من اي شئ "
" اجل شكرا لك ،التالي ؟" ، انتقل الي التالي سريعا ،كانه لا يريد ان يدخل في التفاصيل
" ادعي سليم ، لقد شخصت بالوسواس القهري المصاحب بالهلاوس " قال الرجل الاربعيني المحترم ..
لقد عرفت اي نوع من الوسواس القهري هو .. 'حتي حذاءه لم يكن عليه ذرة غبار واحدة'
" ما نوع الهلاوس التي تعاني منها" ساله قائد المجانين مربع الوجه كانه لا يعلم ..
" كنت اسمع اصواتا "
" ماذا كانت تخبرك هذه الاصوات؟" ابتسم الرجل المحترم المسمي محمود ابتسامته جمدت الدم في عروقي و قال : ".. يستحسن الا تعرف "
" احم.. التالي؟" حتي قائد المجانين خاف
" لقد احضرني ابني العاق رغما عني ، و انا لا اعاني من اي شئ "
صرخ الرجل العجوز و هم قائما علي عكازه مهددا بالرحيل
" بالطبع سيد حسين ، انت جيد ولا تعاني من شئ ، لكن هؤلاء الشباب جاءوا ليكتسبوا من حضرتك خبرة هل يمكنك ان تفيدهم ؟" اسرع قائد المجموعة بتهدئة الشيخ العجوز الذي سرعان ما جلس كان شيئا لم يكن
" احم.. بالطبع!" نظر الشيخ العجوز الينا واحدا واحدا ، ثم انحني بجسده الي الامام ، حركته هذه جعلتنا جميعا ننحني معه الي الامام مستمعين باهتماما الي كلماته التالية التي قالها بهمس " ان الفضائيين يتواصلون معي.." امسكت صدغي و احسست بشعور من الصداع قادما..
ابتسم الجميع لم يريدوا احراج الشيخ الكبير بضحكة ساخرة .. " شششش ، انهم يستمعون الينا "
" احم.. التالي ؟"
" اشعر انني في المكان الخطأ، لا اعاني من هلاوس من اي نوع ، و لكن من اضطراب ثنائي القطب.."
' لست الوحيد الذي شعر بهذا الشعور يا عم!'
"حسنا " القي القائد نظرة الي ، ثم انتقلت نظرته ووقفت عند الشاب الجالس بجواري لفترة حملت عينيه شيئا ما لكني لم استطع لمسه ،"حسنا الان.." كان سيكمل لكن سرعان ما قطعه صوت انثوي " هذا الفتي سيموت قريبا"
عم الصمت مع الصوت الحاد الذي حمل رائحة الموت.
" ههه ، احدهم اكثر جنونا مني " سخر الشيخ العجوز .
نظرت المراة الي العجوز بغضب " ماذا قلت الان؟" صرخت المراة التي ادعت انها بخير تماما من قبل
" ماذا ؟ قلت انك مجنونة !" تبجح الشيخ العجوز كانه معافي تماما ،"لست انا التي تتواصل مع الفضائيين ايها العجوز الخرف !"
"يكفي ، يكفي " كاد الامر ان ينتهي بشجار بالايدي لولا المربع و المحترم الذين انقذا الوضع و فضا الشجار ..
عاد القائد المربع الي عرشه و رفع نظارته و قال" لماذا تظنين مثل هذا الظن المشئوم مدام راندا؟"
".." توقفت حركة الراس البندولية و ثبتت نظرها علي الشاب ذو الضحكة البلهاء بجواري و خدشت ذراعيها حتي نزفتا " الا تري؟ هالة الموت تحلق فوق راسه.."
ثم ادارت راسها البندولي الي
و قالت بنبرة تشبه فحيح الثعابين " انت التالية!"