امام مدخل المركز ، عصفت الرياح الباردة تلفح الوجه ، لم تحمَّل ببرودة الشتاء فقط.. حملت برائحة الدم المعدنية التي بقيت في المكان ..
القيب نظرة الي يساري ، حيث تحركت بركة الدم الصغيرة مع اندفاع الرياح ..
رفضت ان ابقي في المكان اكثر من ذلك ، و جررت قدمي التي تشبه الهلام الي الطريق لاستقل تاكسي يعيدني الي البيت بأسرع ما يمكن .. بالرغم من الحالة الجسدية التي كنت عليها الا ان عقلي الضبابي لم يستوعب كل ما حدث ، عندما استقر جسدي علي مقعد التاكسي ، ارتخي كان بطاريتي قد نفذت مني .. 'ماذا حدث للتو؟!!'
بدا عقلي المنغمس في اعماق المستنقع يطفو علي السطح و يستعيد ذكريات الدقائق القليلة الماضية ..
في حين اني دخلت الي المجموعة محملة بالأمل ، و مشاعر القدوة الصالحة ،التي تحمل المعونة الي المحتاجين ، خرجنا محملين بالمزيد من الجنون ، يمكنك ان تري اثر الاجتماع علي ملامح المرشد المربع المشوهة و المرهقة .. لقد كان اجتماعا فاشلا بكل المقاييس ، من فضائيين لامرأة تبشر الجالسين بالموت يمنة و يسري .
في اللحظة التي اسرعت فيها من هذا المكان المجنون و عندما وضعت يدي علي مقبض الباب البارد " انسة مريم هلا منحتني لحظة من فضلك؟" تمسك مقبض الباب بيدي و رفض تركها .. ' قولي لا !' اردت الرفض لقد اردت ذلك حقا ..
"..حسنا " رافقني المشرف خارج الممر الذي يشبه معدة الثعبان متلوي و ابيض يمتص افكاري ،التي خرجت بصعوبة اصلا.. ' لماذا لا يقول شيئا؟!' كان هو من سارع بإيقافي و الان سار صامتا تماما لا ينطق باي شئ " يا انسة ، اردت ان احدثك عن الشاب من قبل ، حالته كانت مستقرة و كان يتحسن تدريجيا و ببطئ... اردنا ان نعرض له قصتك ليستمر علي العلاج وان نعطيه الامل ، لكن فجأة ... ساءت حالته لدرجة انه لم يعد يتواصل معنا ، مع ذلك اردنا ان نعطيه اي خيط ضوء و لو صغير .. اسف لاقحامك بهذا الامر ، و رجاء لا تلتفتي الي كلام مدام راندا .. انها كما تعرفين... "
'اجل ! مجنونة !' لقد كنت كذلك في يوم من الايام ايضا ، اتساءل ان كان ينعت الجميع بالجنون من وراء ظهورهم ، هل سيقول عني نفس الشئ ايضا؟ .. ولكن للحق هو لم يخطئ ، لقد استحقت راس البندول ذلك !
حينما كنت علي وشك الرد ، سمعنا صراخا قادما من خلفنا ، من باب الغرفة التي كنا فيها قبل لحظات.. التفت لاري مصدر الصراخ و العراك ، لاري الشاب ذو الابتسامة البلهاء قد تحرر من يد الممرض الذي يدعمه في لحظة ما و هو الان يركض باتجاهنا ..
' ماذا يحدث؟..' لم استوعب ما حدث الا بصعوبة و لم يستطع ذهني الضبابي ان يواكب الحدث ، حتي مر بنا المريض و دفعنا عن طريقه .. عندما رفعت راسي عن الارض ،كان المريض قد وصل الي نهاية الممر و فتح نافذتها " انتظر ، لا تفعل !" صرخ المرشد الذي وقع مثلي و حاول في لحظة ما ايقاف المريض لكن كان الاوان قد فات ....
لقد سقط...وقع جسده في قاع المبني... من الطابق الرابع..
في لحظة كان هنا ، و في الرمشة التالية لم يعد ، كان من الصعب علي أن استوعب ما حدث للتو سارت قدمي التي تشبه الهلام الرخو و ما ان وصلت الي النافذة التي كان ينظر المشرف منها بنظرة مشوهة الي المشهد بالاسفل ، حتي سمعنا اصداء الصراخ الصاعدة من الطابق للسفلي ، صراخ و طلب للنجدة يعلو ولا يتوقف.. املت براسي علي فتحة النافذة لاري الشاب الذي كان منذ دقائق فقط يجلس بجواري علي بعد سنتيمترات قليله ...
لكن يدا غطت عيني بسرعة مذعورا ، " لا تنظري!.." هل كان المشهد قبيحا لدرجة ان يحجب رؤيتي بهذه العجلة؟.. دعني اجيبك... اجل كان كذلك !
كان الجسد ساقطا مثل دمية قطعت خيوطها ، اطرافه ملتوية في اتجاهات مستحيلة ، ويبدو انه قد سقط وراسه مواجها للأرض ، لان راسه كان...اغه ،انس الامر .
لا اظن اني سأستطيع النوم اليوم ' شكرا لك دكتور عصام' ، لقد قدمت بعد ان تعالجت تقريبا من صدمة ،لأخرج بصدمة اشنع .
عندما نظرت الي صورتي من المرآة الخلفية للتاكسي وجدت نظرة السائق تلاحقني ' انت التالية ! ' و لاحقني صوت فحيح ملعون ، كأن الكلمات طبعت في وعيي الغائب.." اوقف السيارة !" "ماذا؟ لكننا لم نصل الي وجهتك بعد!"
"سأكمل الطريق سيرا ، قلت لك اوقف السيارة !" صرخت بنبرة محذرة للسائق الذي هدأ السرعة تدريجيا.. لم انتظر لتقف السيارة بالكامل ، دفعت اليه الاجرة ، ثم اخذت باقي الطريق جريا الي المنزل .. ' انت التالية ! ' لم استطع ان اخرج الكلمة من راسي ، الذي التف يمينا و يسارا لا اعلم من اين يأتي الخطر ! اصبح كل وجه ينظر الي خطرا محتملا ، و كل ظل علي الارض وحشا متربصا ، طوال الطريق و انا اهرب لا اعلم مِن مَن او من ماذا.. حتي بوابة بيتنا ،التي كانت انذارا من الدخلاء ، اصبحت انذارا من موت وشيك.. بينما كنت اركض مثل المجنونة في الشارع ، لم يتوقف ذهني المغمور بماء المستنقع عن التفكير : هل كانت كلمات المراة صدفة ، ام نبوءة محققة؟! ...
"مريم، انت شاحبة ماذا حدث؟" تلمست امي وجهي الذي فرت منه الالوان ، "لا شئ ،لم يحدث شئ" قلتها و صوتي يهتز بينما كنت اضمها متوسلة الي بعض الحرارة ، اردت ان اخبرها .. اردت ان احكي لها ..
لكني كنت اعلم ، لا احد سيصدق مجنونا...