بينما كان السبينر يدور راسما دائرة زرقاء ، دار راسي معه.. صار لي ثلاثة ايام لم اخرج من البيت ، لاني كلما خرجت من بعد ذلك الحادث شعرت بالظلال تراقبني ، اريد ان ارتاح.. فكرت مرة من قبل ان ذلك الشاب قد انتحر لأنه اراد الراحة مثلي .. القيت نظرة علي يدي الأخرى التي لم تكن تحمل السبينر ، بل حملت ثلاث حبات بالوان بيضاء ناصعة اعطي لونها وحده لمحة عن تأثيرها في محو العقل ..
عندما سافر اخي ، خططت ان ارجع للجامعه و انهي دراستي ، لكني لم احسب حساب هذه الحبات الثلاث التي جعلت مثل هذه الفكرة مستحيلة.
التقطت كوب الماء و القيت الثلاثة في فمي مرة واحدة 'انت التالية' لقد امحت كل افكاري ،عدا هذه الكلمة الملعونة التي انطبعت في ذهني كأنما تم نحتها ، لقد حاولت ان اقنع نفسي ان كلماتها محض هراء .. لكنني اعلم بداخلي انها محقة .. قد اكون التالية حقا ،هل انهي الامر و ارتاح ايضا؟
اثناء تفكيري المعلول ، جاء صوت من الهاتف بإشعار اخرجني من ذهولي .. لقد كانت رسالة من نهي و ارادت مقابلتي في الحديقة العامة اليوم.
بعدما قرات رسالته القيت نظرة في المرآة الي ذلك الشخص الواقف الذي كان اقرب للزومبي منه للبشر ، شعر مبعثر ، ملابس غير منظمة ، هالات تحت عيني رغم اني لا افعل شيئا طوال اليوم غير النوم ..وذهني الذي ذهب الي العالم الاخر و انتظرني هناك ،كيف سأقابلها مجددا بهذا الشكل ؟
اريد ان اوقف تلك الادوية التي تلتهم عقلي. نظرت الي الروزنامة المعلقة علي الجدار ووجدت يوما قد احيط بدائرة حمراء عليه ، ليس من عادتي ان أُعلِّم علي الايام باي غرض معين ، و لكن اصبح من الصعب علي التفكير و تذكر اي شئ ،كان ذلك يوم الموعد مع الدكتور عاصم ، ساخبره حينها ان يوقف تلك الادوية ، لاني اذا استمررت علي هذه الحالة ساصير زومبي او مثل ذلك الشاب من قبل...
القيت نظرة علي احدي يدي التي كانت تحمل السبينر و تديره بلا انقطاع ، ثم التفت الي يدي الاخري التي كانت تحمل الهاتف ... 'لماذا احمل الهاتف ؟' لقد اردت شيئا من الهاتف، لكن ..لا اتذكر ماذا كان؟ .. و عندما فتحته وجدت رسالة نهي امامي و بجوارها علامة مقروء صغيرة ' مقروء؟ متي قراته ؟ سيصيبني الجنون!!'
ربما حالتي هذه لأني لم اخرج منذ فترة ، اجل... اقنعن نفسي انني اذا خرجت ربما سيتحسن وضعي قليلا .. و ارسلت لها اني سأقابلها في الحال و بدلت ملابسي قبل ان انسي مرة اخري...
علي الرغم من برودة الجو الا ان الشمس المختبئة جزئيا وسط السحب اصرت ان تحرق عيني و بشرتي ، بدأت اشعر اني قادمة من عالم مصاصي الدماء ، و كانت اصوات الناس في الشوارع تفزعني و تدب فيّ رعبا لدرجة اني كنت التفت يمينا و يسارا ، الشكر للقاء الذي جعلني مزيجا مقرفا بين المرأة البندول و الشاب الميت..
' ماذا كان سيحدث لو كنت قلت لا!' عاتبت نفسي و لكن ما حدث قد حدث..
خرجت اخيرا و كسرت حاجز الخوف الذي اسرني لأيام بين جدران غرفتي ،لكن شعور اني مراقبة لا يزال يزعج جلدي المسكين و يرسل عليه قشعريرة رعب ..
*بيييب.. حتي اني كدت اصطدم ايضا.. لم اكلك حلا الا ان اتساءل هل سيأتيني الموت علي شكل حادث ؟ ام قاتل مجنون ..ام ستاتي مني انا!
ما ان وصلت الي الحديقة التي اتفقنا علي التقابل فيها حتي وجدت نهي تجلس علي احد المقاعد القريبة ، عندما اقتربت منها ادركت انها لم تكن وحيدة ، كانت معها طفلة صغيرة بعمر السنة تقريبا .. هل هي ابنتها التي اخبرتني عنها من قبل؟
" يا الهي ! لماذا تبدين هكذا؟ هل ستدخلين اداء تمثيل في الموتى السائرين؟ " ما ان رأتني هي الأخرى حتي كادت ان تقفز تقريبا ، تحسست وجهي البارد 'هل ابدو مخيفة لهذه الدرجة ؟!' القيت نظرة الي الطفلة التي سرعان ما تشبثت بملابسها وحاولت اخفاء وجهها عني.
'انا مخيفة لهذه الدرجة '
"هذه.. " اشرت الي الطفلة بذقني " انها مريم الصغيرة أليست لطيفة!" شعرت بالتأثر للحظة ، لقد اسمت ابنتها علي اسمي إنها صديقة رائعة .. لابد انها افتقدتني عندما كنت فاقدة للوعي .
حاولت ان اقترب من الطفلة الصغيرة ، لكنها حفرت اكثر في ثياب والدتها لذا لم احاول ابعد من ذلك و جلست علي المقعد بجوارهما..
"ان تطلبي الخروج بدون ترتيب مسبق ! هذا ليس من عوائدك يا نهي! "
"لقد اخبرتني العمة عن حالتك ، لكني لم اتخيل ما صرتي عليه ! ما هذا هل هذا دود يزحف عليك؟!"
"هاها .. توقفي عن العبث دمك ثقيل" سخرت من محاولتها لاخراجي من مزاجي المتعكر مثل ذهني تماما ، لقد كانت محاولة لاباس بها في الحقيقة .
" امي تقلق الجميع بلا داعي " 'الي اي مدي اخبرتها امي ؟ هل تعلم بحالتي كلها؟ ' لم يسعني الا الشك .
" دعك من هذا ، اسمعي ، استمتعي بحياتك ، نحن لانزال شباب ، نريد ان نكبر في السن حتي نصبح مثل ذلك الرجل العجوز هناك.." اشارت الي رجل عجوز كان يمر من امامنا مع فتي صغير بدا انه حفيد صالح قد خرج مع جده ليستنشقا بعض الهواء النقي في الحديقة .. مثلنا تماما .. و لكن .. امعنت النظر اكثر الي العجوز الذي سار علي عكازه .. 'اين رايته من قبل ؟' لم استطع الا ان اشعر اني رايته من قبل في مكان ما و لكن ذهني الضبابي منعني من ان استدعي اي معلومة.
ظللت احدق به حتي لاحظ تحديقي و التفت الينا ، و بادلني التحديق ..بدا ان العجوز عرفني اولا من نظرته المتفاجئة و اتجاهه الي حيث جلسنا .
'لحظة واحدة ! ،اليس خذا العجوز الفضائي؟! ' لقد كان هو ، يا الهي الي اين اذهب ..
" انت هناك ، انا اعرفك ! الست الفتاة المجنونة من قبل؟" ما هذا التعريف ايها العجوز ، القيت نظرة خاطفة علي نهي بجواري و بدا انها تضايقت هي الاخري من التعليق المزعج .
" اجل انك هي! ، لم اتعرف عليك في البداية .. امم.. كيف اقولها؟ لقد تغيرت قليلا .. كيف حال الادوية معك؟ انت صغيرة حقا اتمني ان تشفي سريعا " حاولت ان اخفي وجهي قدر الامكان.. 'اذهب ! اذهب اللعنة ! لماذا تذكرتني انا بالذات من بين الجميع ، و ما الامر مع مجنونة هذه لقد كنت الاكثر طبيعية منكم جميعا !..
" لا يا سيدي ، ليس انا ، انا لم اذهب الي اي مركز ، يبدو انه تشابه في الشكل فقط " حاولت ان اصرفه و لكنه وضع اخر مسمار علي النعش ، عندما اظهر تعبيرا مستغربا و قال " حقا؟ اظن ان اسمها كان.... اه ، اجل لقد كان مريم ! كما انني لم اذكر اي شئ عن المركز ، اذا لم تكوني هي فكيف علمتي انني قابلتها في المركز؟ " لماذا العجوز الفضائي اصبح ذكيا فجأة؟ ،الا يأخذ نفس نوع العقار الماسح للعقل الذي اتعاطاه.. استرقت نظرة الي نهي ..كانت تعابيرها التي اصبحت مشوهة الان تنظر الي ..' اذن ، لم تكن تعلم!' " اه ، علي العموم اتمني لها الشفاء العاجل لقد كانت شابة لطيفة ساغادر اذن " لم الاحظ حتي اذا غادر او لا !
" نهي .. اسمعي انا .." حاولت ان اوضح لها حالتي التي اخفيتها عن الجميع ،اذ لم يكن احدا ليحب ان ينتشر جنونه علي الملأ من الناس.. ، لكنها بدلا من ان تنتبه الي حاولت اخفاء ابنتها التي كانت خائفة اصلا ، و القت نظرة علي هاتفها " اه ! مريم انا اسفة ،زوجي يتصل ، سأغادر الان ، ربما نتقابل مرة اخري .." ثم اسرعت بالتقاط حقيبتها و همت بالرحيل .. ' اجل ربما .. '
تركت حدي في الحديقة ، لم يعد هواؤها عليلا بعد الان و انما اصبح سما يخنقني . من بين كل الاشخاص الذين يجب ان اتعرف عليهم ! و من بين كل الاوقات ليظهر الان؟ ، لقد تحطمت اكثر لكن الغريب... لم يعد لدي ارادة ولا الرغبة للبكاء ، نهضت... و رجعت الي غرفتي .
ما ان وصلت حتي فتحت خزنة الادوية و افرغت غضبي في تلك العقاقير اللعينة التي كنت اتناولها و القيت بها جميعا في القمامة ، حيث كان ذلك المكان هو المناسب لها تماما... اما انا ؟ ' فانا لست مجنونة!'