أعطيتُ الروشتة للصيدلاني الذي ادعى عدم وجود شخص آخر في الصيدلية غيري أنا وهو، بينما "ثالثنا" يقف بكل وضوح إلى جواره. وأثناء فكه لطلاسمها، سمعتُ رنةً منعشةً قادمةً من الباب؛ كان ذلك يعني أن شخصاً آخر قد دخل. وقفت المرأة الحاضرة حديثاً بجواري تنتظر دورها، بينما كان الصيدلاني يحضر أدويتي التي أخبرني أنها متوفرة عنده.

استغللتُ غيابه المؤقت، وهمستُ للمرأة التي حضرت تواً: "سيدتي، هل ترين هذا المنتج؟ لا أستطيع رؤية اسمه، هل يمكنك قراءته لي؟". وأشرتُ لها على "الرجل" ذي الابتسامة البشوشة مباشرة.

ضيّقت عينيها قليلاً. رأيتُ شفتيها ترتعشان كأنها تحاول قراءة شيء ما، ثم قالت بنبرة غير متأكدة: "هل تقصدين تلك العلبة الزرقاء المكتوب عليها 'ديفيا'؟ يبدو كما لو أنه كريم مرطب".

"..."

"هل تحتاجين شيئاً آخر؟". عاد الصيدلاني حاملاً ثلاث علب.

"لا.. شكراً لك". خرجت إجابتي مرتعشة قليلاً. حاولتُ تجنب النظر إلى "الرجل الوهمي" الواقف بجواره.

"أو أقول لك شيئاً؟ أعطني كوب ماء لو سمحت!".

شعرتُ أني سأفقد عقلي تماماً إذا انتظرتُ العودة إلى المنزل لأخذ الدواء. "تفضلي". لحسن الحظ كان الصيدلاني لطيفاً ولم يطردني؛ لا بد أنه لاحظ هروب الدم من وجهي، وأدرك خطورة حالتي. نظرتُ إلى الحبات الثلاث، ومرت في بالي مقارنة خاطفة: "بين أن أفقد عقلي بسبب العقاقير، أو أفقده بسبب الهلاوس التي أصبحت تُحدثني والأخرى التي كادت تقتلني.. أيهما سأختار؟ بالطبع ساختار الأولى!".

ألقيتُ الحبات الثلاث في فمي، وأسرعتُ خلفها بجرعة ماء. بالتاكيد لم أتوقع نتيجة فورية، إذ كان الرجل الوهمي لا يزال هناك. "شكراً لك". أسرعتُ بالرحيل. وعندما استدرتُ متجهةً نحو باب الصيدلية الزجاجي، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج راسمَةً خطوطاً باهتة.

"عودي لزيارتنا!".

"سنتقابل مجدداً.. قريباً!".

تداخل الصوتان في اللحظة ذاتها. لكن الجملة الثانية هي التي جمدتني في مكاني. استدرتُ قليلاً وبنبرة تهديدية قلت: "ماذا قلت للتو؟".

"آه.. أنا.. لقد قلت: عودي لزيارتنا!". ارتبك الصيدلاني من النظرة المجنونة الموجهة إليه. لم يكن يعلم أني لا أنظر إليه هو، بل كنتُ أنظر إلى "الوهم" بجواره؛ ذلك الذي اختفت ابتسامته البشوشة تماماً، وتحلت مكانها ابتسامة خبيثة.. لم تصل إلى عينيه أبداً.

[سأراكِ قريباً].

لم يخرج صوت منه هذه المرة، لكني قرأتُ الكلمات من حركة شفتيه. لم أبقَ في مكاني ثانية واحدة؛ خرجتُ أهرول كهاربة، وأصابعي تتلمس رقبتي بهلع. لم ألحظ نباح الكلاب التي مررتُ بها من قبل، ولم أنتبه لقطرات المطر التي سقطت على رأسي كالسيل. تعمدتُ ألا أنظر إلى وجوه الناس الراكضين هرباً من المطر. لم يعد أي شيء في نظري حقيقياً.. كان الجميع وهماً.. وهماً!

في مكان مجهول، بعيداً عن صخب المدن.. بعيداً جداً حيث تنتهي الخرائط وسط الصحراء. في بقعة معزولة تحيطها أسلاك شائكة، وإشارات صفراء قضمَتْها أشعة الشمس ثم أعادت بصقها؛ تحذيرات حمراء مُحِيَتْ نصف كلماتها التي كانت تقول يوماً: [تحذير.. ممنوع الاقتراب]، وأخرى أكثر وضوحاً: [منطقة ألغام].

لك أن تتخيل شخصاً يسير في هذه القفر، لا يلوي على شيء، ولا ينتبه للإشارات الممحاة. بالطبع تخيلتَ انفجار لغم يجعله "فتة". هل تعلم ما هي الفتة؟ إنها أكلة لها نفس المظهر الذي تخيلته الآن!

لكن ذلك الشخص الذي يسير في منتصف المنطقة بلا مبالاة، كان يخبرنا بشيء مخالف تماماً لما تخيلناه.

إذا نظرت أسفل هذه الرمال، ستعلم أن هذه المنطقة ليست عادية. كانت مقراً يمتد فيه الصخر لأمتار، تليه طبقة من الحديد المصفح؛ لتتضح معالم المكان ببطء تحت الأضواء التي تجعل ليل القبو نهاراً.

في هذا الحصن المصفح، اصطفت الغرف على امتداد أمتار طولاً وعرضاً؛ منطقة عسكرية كاملة تحت الأرض. فتح أحد "المميزين" باب إحدى الغرف؛ وميزته تكمن في ذلك "البالطو الأبيض". استخدم رمزاً تعريفياً استجاب له الباب بوميض أخضر صامت.. سمح له بالدخول.

في منتصف الغرفة البيضاء الناصعة، كان رجلٌ يرتدي ملابس المستشفى يرقد فوق السرير. من كثرة الأجهزة المتصلة بجسده، قد تظنه جثة هادئة. كان هناك ثلاثة أو أربعة رجال يرتدون البالطو الأبيض، يطوفون حول الأجهزة للتأكد من انضباط المؤشرات.

لكن الرجل لم يكن ميتاً..

هااااه.. هاه.. هاه.. انفتحت عيناه فجأة، وشهق شهقة العائد من "الجانب الآخر". لم يتفاجأ أحد من الحاضرين؛ كأن المشهد روتين اعادوا صياغته مراراً. استوى الرجل في جلسته، فـناوله الداخل للتو ملفاً.

"لا أعلم من أين سقطت علينا هذه العينة الفريدة! هل يجب أن أشكر (سليمان) على توسطه إذا رأيته المرة القادمة؟". التقط الملف وبدأ القراءة: "مريم إذاً!.. همم".

ارتسمت على شفتي الرجل ابتسامة خبيثة لم تصل لعينيه. لقد كانت ابتسامة مألوفة جداً..

نعم، لقد كان هو.. "الوهم" من الصيدلية!

2026/02/27 · 13 مشاهدة · 676 كلمة
Supernova
نادي الروايات - 2026