كوبي الذي كان ينفث البخار كنتُ أستخدمه لتدفئة نفسي؛ كل رشفة تحتوي على النعناع وحبة البركة كانت ترطب حلقي المحتقن، لكن.. ما الذي سيرطب حارتي المحتقنة هي الأخرى؟ لقد أُصبتُ بالبرد.. لِمَ عدتُ تحت المطر أمس باردة، غارقة في المياه، وأرتعش؟
أخذتُ رشفة أخرى وأزحتُ الستارة قليلاً، ثم نظرتُ إلى السماء.. لا يزال الجو رمادياً. أنا من محبي الشتاء؛ أحب أن أنظر إلى السحب المحملة بالمطر وهي تستعد لتضع حملها، أحب صوت المطر الذي يضرب النوافذ، وأحب السكون الذي يأتي بعده.. فقط لو أن كل أيامي بمثل هذا السلام! ألقيتُ نظرة إلى جواري؛ كانت الكرة الزغبية لا تزال هنا! لم ترحل ولم تختفِ.
وأجل، لقد تناولتُ الدواء، ولكن على العكس هذه المرة كان الأمر بلا فائدة؛ حتى إني تناولتُ ضعف الجرعة من تلقاء نفسي هذا الصباح، ولا فائدة أيضاً.. إنها متمسكة بي، ترفض الرحيل. وفي الحقيقة..
لقد بدأتُ أستأنس بوجودها معي! حتى إني بدأتُ أحكي إليها همومي، أليس هذا رائعاً؟..
لم يظهر المسخ "بلا وجه" مرة أخرى وهذا شيء مطمئن، لكن، ماذا فعلت الكرة لتجعله يذهب؟ بدت الكرة ظريفة مقارنة بذلك المسخ.. على العموم مهما حاولت التذكر، لم أتذكر.
أما الآن، فقد اتخذتُ قراري؛ أني لن أتوقف، سأكمل حياتي. وضعتُ الكوب الذي أصبح دافئاً الآن وتوقف عن نفث البخار في مرحلة ما على المكتب، وأخرجتُ مفكرتي العزيزة التي اشتريتها منذ سنوات طويلة لا أذكر منذ متى، لأني قررتُ أن أكتب مذكراتي، لكني لم أفعل أبداً كالعادة..
أولاً: سأطلب من العيادة موعداً آخر مع الدكتور عصام "ليضبط جرعة الأدوية أو يجد عقاراً بديلاً.. أياً كان".
ثانياً: أن أكمل دراستي وأحصل على شهادة التخرج.
ثالثاً: امم.. "نهى لم تتصل بي، هل أتصل بها؟". عندما كنتُ في نصف المسافة لأكتب "اتصلي بنهى"، سارعتُ بالشطب على البند الثالث..
وأعدتُ كتابته، ثالثاً: أتصل بزين، صار له مدة طويلة لم يتصل؛ "وبالمناسبة أردتُ أن أسأله عن صديقه أنس، لقد قال شيئاً عن الكرة السوداء؟ ربما؟ لا أعلم ماذا كان يقصد تحديداً".
خامساً، بالمناسبة! ذكرني مشروب النعناع وحبة البركة برائحة النعناع التي فاحت في غرفتي قبل سفر زين، والشعر الأسود أسفل مكتبي، "هل يجب أن ألقي نظرة؟". ترددتُ؛ خشيتُ أن يخرج لي شيء آخر وأنا لم أتعافَ من الصدمات المتتالية بعد. "هل ألقي نظرة بسيطة؟". عندما كنتُ غارقة في التفكير، أخرجني صوتُ طرق قادم من النافذة من تفكيري.. طرقة.. لكني تجاهلتها وأكملتُ كتابة الهدف الخامس.
طرقة.. هذا طائر، أجل أجل لا تنظري، لقد بدأتُ أعتاد الأمر. لا أعلم حقاً لماذا سيطرق طائر الزجاج بينما ينهمر المطر، لكني لن أنظر. طرقة.. "هل أضع سماعتي وأسمع شيئاً جيداً بدلاً من هذا؟". طرقة..
"حسناً لنلقِ نظرة واحدة!". ضربتُ المكتب بيدي ونهضتُ واقفة. عندما ألقيتُ نظرة خاطفة سريعة على النافذة.. "آه، هذا..!".
لقد كان طائراً حقاً، حقيقياً حقاً؟ لقد كان المسكين غارقاً في الماء، يطرق يائساً على زجاج النافذة. شعرتُ بالذنب لأني تركتُ المسكين وحيداً وتجاهلته.. لقد ذكرني بنفسي..
سارعتُ إلى النافذة وفتحتها والتقطتُ المسكين، كان يرتعد. نظرتُ حولي ووجدتُ منشفة لأجففه من المطر العالق به؛ طويتها نصفين ثم إلى نصفين آخرين وجففته بلطف. لم يكن في الغرفة مدفأة وخفتُ أن أضمّه إليّ فيلتقط الحمى مني، هذا المسكين.. أسرعتُ إلى المطبخ وأحضرتُ وعاء طبخ به ماء مغلي، وأحضرتُ وعاءً آخر أكبر ووضعته على وعاء الماء المغلي رأساً على عقب؛ هكذا صنعتُ طاولة صغيرة دافئة ليتدفأ الصغير.
نام هو بينما غفوتُ أنا الأخرى حينما كنتُ أراقبه، وكانت الكرة التي لم تفتح أي عين منذ ليلة أمس معنا هي الأخرى؛ لم أعلم إن كانت نائمة معنا أم مستيقظة. توقف المطر وكان الجو هادئاً وجميلاً. "آه لو كان كل يوم مثل هذا اليوم"، هكذا تمنيتُ، ولكن شيئاً بداخلي أخبرني أن هذا كان مستحيلاً.
ورائحة النعناع اللطيفة تتراقص في أنفي مع رائحة المطر التي اختلطت معها، جعلتني أتذكر شيئاً كنتُ قد نسيته؛ "أجل، الشعر تحت مكتبي!". قدوم الضيف جعلني أنسى ما كنتُ على وشك التأكد منه، وحمداً لله لم أجد شيئاً.
عدتُ إلى السرير واحتضنتُ البطانية حتى ذقني واستغرقتُ في النوم، وما كدتُ أن أدخل في حلم جميل أحلم فيه أن كل يوم مثل هذا اليوم، حتى أيقظني صوتُ دقة أخرى.
"طائر آخر!"، فكرتُ مع ابتسامة صغيرة رُسمت على محياي، واتجهتُ إلى النافذة حيث توقعتُ أن أجد طائراً صغيراً مبللاً آخر لأساعده، لكن الأمر لم يكن كذلك..