بعدما سمعتُ الطرقة على زجاج الغرفة، نهضتُ لأرى إن كان طائراً آخر مسكيناً قد تقطعت به السبل إلى نافذتي، لكن لم يكن هناك شيء. فتحتُ النافذة لألقي نظرة، فلفحتني موجة من الرياح المفاجئة، باردةً، وحملت معها رائحة النعناع المنعشة إلى الغرفة. سرعان ما أغلقتُ النافذة حتى لا أزعج الطائر الصغير النائم، وبما أني استيقظتُ ولن أستطيع النوم مرة أخرى، توجهتُ إلى المكتب لأكمل كتابة طموحاتي وأفكاري.

وعندما أمسكتُ بالقلم.. طرقة! "يا إلهي!". تركته ونظرتُ بانزعاج إلى النافذة.. لكني تجمدتُ؛ كان هناك شكل كف قد طُبع على النافذة بالماء. أياً كان صاحب البصمة وأياً كان غرضه، فقد كان معي في الغرفة.. كانت الطبعة في الداخل وليست في الخارج، وكان الماء ينساب من الكف لأسفل. عادة في روايات وأفلام الرعب، ترتبط بصمة الكف والزجاج بالدم، لكن بالنسبة لي كانت البصمة المائية أكثر إرعاباً.. والأكثر من كل ذلك، الكلمات التي كانت تتشكل على الزجاج المضبب من البخار. إذا كان أحدٌ سيكتب على الزجاج المضبب فلا بد أن يكون بالداخل.. لمستُ رقبتي غريزياً، ورعشة الخوف جمدت عروقي. التقطتُ "السبينر" وتراجعتُ ببطء إلى الباب، بينما كانت عيناي على الزجاج لا تفارقانه.

بدأت الكلمات تتشكل: [انتظري!]. "أجل.. وكأني سأستمع!". وضعتُ يدي على مقبض الباب البارد، لكن الكلمات التالية جمدتني في مكاني: [لا يوجد وقت، إنهم قادمون!].

"هُم؟ مَن هم؟ مَن القادم؟". دار في بالي بضعة أشخاص أو أشياء، لا أدري ماذا كانوا بالضبط؛ المسخ بلا وجه، أم الرجل ذو الابتسامة؟ أيهم يقصد؟ بل الأهم: "من أنت؟". همستُ بلهجة حذرة بينما كانت يدي تضغط المقبض شيئاً فشيئاً. [أجيبي بـ: لم أسمع، لم أرَ].

"...؟!". توقفتُ في مكاني كأن عطلاً أصابني؛ أياً كان من كتب هذا فأنا لم أفهم أي شيء! [إنهم هنا!]. ثم تلاشت الكلمات بلمح البصر من على الزجاج الشفاف، كأنه ابتلع الكلمات وعاد لصفائه السابق.

توقفتُ في مكاني ونظرتُ يميناً ويساراً، أستعد لمن كان قادماً. أياً كان القادم فإنا غير مستعدة لمواجهته؛ ماذا سأفعل حتى؟ أألقي بالكرة عليه؟

عندما كنتُ غارقة في التفكير ومتأهبة لكل ما يخرج لي، تحرك المقبض لوحده. انتفضتُ مذعورة مرتعدة عن الباب؛ لقد أمّنتُ لنفسي طريقاً للهروب من خلال الباب، ولم أدرك أنه قد يكون الفخ.. يا لي من غبية! بينما كان الباب يفتح، كنتُ أقترب أكثر من الكرة المستقرة على السرير، على استعداد أن أمسكها في أي وقت وألقيها على الخطر الكامن خلف الباب. "مريم، لماذا تقفين هكذا؟". لقد كانت أمي! من الحماقة أن أصدق هلوساتي! طرفتُ بنظري بسرعة إلى الزجاج ووجدته قد عاد كما كان. "لقد فزعتُ لفتح الباب فجأة!".

"آسفة، لكن صديقتكِ في الخارج تسأل عنكِ". صديقتي؟ هل يعقل أن تكون نهى؟ يا إلهي، كان هذا خبراً مفاجئاً! لم أتمالك نفسي من الفرح: "سأكون في الخارج في الحال، هل تنتظر في الصالون؟". قلتها بلهفة.

"لا، إنها في الأسفل، رفضت الصعود وقالت إنها تريد أن تذهب معكِ إلى مكان ما".

"يا إلهي! سأستعد للنزول في الحال!". لا بد أنها أتت لتعتذر عن اللقاء الأخير. ضحكتُ أثناء تفكيري فيما سأرتديه؛ لقد كنتُ سعيدة لدرجة أني تجاهلتُ مرضي تماماً. لا بأس يا نهى، حتى إذا كلمتِني على الهاتف فقط سأكون سعيدة وسأسامحكِ! أخذتُ المحفظة والهاتف وبالطبع لم أنسَ "السبينر"؛ تركتُ الطائر والكرة السوداء، وأوصيتُ أمي أن تطعم الطائر إذا استيقظ، وطرتُ أنا لملاقاة صديقتي المفضلة!

"نهى!". عندما رأيتها متوقفة عند الطابق الأول ناديتُ عليها بكل حماسة. لقد كانت بضعة أيام، لكن بالنسبة لي كانت قطيعة لأسابيع.

"مرحباً يا مريم، هل كنتِ بخير؟". سألت بينما ارتسمت على محياها ابتسامة لطيفة لم أرها عليها من قبل؛ لقد جعلتها أكثر وسامة.

"أنا بخير.. إلى أين تريدين الذهاب؟". قلتُ بينما كنتُ أغلق البوابة خلفي.

"ستعرفين عندما نصل، إنها مفاجأة". غمزت بعينها اليمنى، ولا تزال الابتسامة الكاريزمية على وجهها. هذا غريب! لا أتذكر أن نهى صنعت مثل هذا التعبير من قبل؛ نهى التي أتذكرها كانت أقرب للفتاة "المسترجلة" المرحة، ولم تكن من النوع الذي ينضح بالأنوثة والكاريزما مثل الآن. لا يهم، ربما لأنها تريد أن تكون لطيفة معي بعد أن عرفت حالتي؛ نهى هي نهى على كل حال.

قطعنا الفناء إلى أن وصلنا إلى عربة "جيب" كبيرة، لم أكن خبيرة في طراز العربات، عرفتُ نوعها لأنها كُتب عليها من الأمام. "لم أعلم أن لديكِ سيارة!".

"مريم، ثلاث سنوات غيّرت الكثير، كما أن لدي زوجاً ثرياً، وشراء سيارة هو أمر عادي". بالطبع، لقد قالت لي هذا من قبل، كان زوجها من عائلة ثرية حقاً.

"الآن اركبي.. سآخذكِ في جولة بالسيارة". ركبتُ بلا تردد. مضينا في طريقنا ولم يتكلم أي منا لمدة طويلة.

"كيف حال مريم؟". حاولتُ أن أكسر الصمت المحرج بينما نصل إلى المكان الموعود. "مريم؟". نظرتْ إليّ كأني كائن فضائي. "أقصد مريم الصغيرة". استدركتْ بسرعة كأنها أخطأت بيننا: "أوه، أه.. هل تقصدين مريم الصغيرة؟ إنها بخير!".

بصراحة، بدأتُ أشعر أن هناك شيئاً مريباً وخاطئاً يحدث. أخرجتُ "السبينر" وبدأتُ أديره.. منذ التعابير التي لم تصنع مثلها من قبل وهناك شيء في داخلي لم يهدأ. لكني أخشى أن أحدثها ثم نتشاجر ونبتعد مجدداً؛ هل أسأل؟ أم أبقى صامتة؟

[إنهم هنا]. من هم؟ هل يعقل أن الرسالة تقصد نهى؟ لماذا ستحذرني أوهامي من نهى؟ لحظة! ماذا لو أنها ليست نهى؟!

ألقيتُ نظرة سريعة إلى نهى التي جلست أمام مقود السيارة بتعابير مسترخية؛ "لا، مستحيل أن تكون وهماً، حتى إن أمي رأتها!". سرعان ما استبعدتُ الفكرة، لكن هذا الطريق.. إنه مألوف!

أليس هذا هو الطريق إلى المركز النفسي في المدينة؟ وكما توقعتُ، توقفت السيارة أمام المركز مباشرة. لم يكن المكان الذي أحببتُ أن آتي إليه مجدداً.. لعدة أسباب.

ترجلت نهى من السيارة. "انزلي". قالتها بنبرة آمرة. "لماذا أتيتِ بي إلى هنا؟". هل جاءت بي إلى هنا لتسخر مني؟ بعد كل هذا الزمن ظننتُ أنها صديقة حقيقية؛ لا بد أني لا أعرف كيف أختار أصدقائي. "مريم.. انزلي واتبعيني". كررت ذات النبرة الآمرة. اخترتُ أن أتبعها لأعرف ماذا تريد بالضبط ولماذا جاءت إلى هنا بالذات. سرنا معاً حتى وصلنا إلى مصعد المبنى. بدلاً من أن تضغط على زر الطابق، وضعت يدها على الشاشة السوداء التي تظهر رقم الطابق، وانفتح في المصعد مربع سري لم أكن لأعلم أنه موجود لولا أنه فُتح أمام عيني. ضغطت بضعة أزرار وتحرك المصعد.. لا لأعلى، ولكن للأسفل!

كل هذا وفكي كاد يسقط على الأرض؛ كأني دخلتُ إلى رواية جاسوسات.. ولكن ما هذا المكان وما علاقة نهى بكل ذلك؟ وعندما أعدتُ أنظاري إلى نهى ولا يزال فكي مفتوحاً مثل سمكة خارج المياه.. توقفت أنفاسي.

كان وجه نهى يذوب كالشمعة أمام عيني.. لم تكن تلك نهى!!

"لماذا تنظرين إليّ هكذا؟". لمست المرأة الغريبة وجهها وقالت بنبرة متسلية: "آه.. هل انتهى الوقت؟".

2026/03/01 · 9 مشاهدة · 1012 كلمة
Supernova
نادي الروايات - 2026