كان الوجه يذوب كالشمعة، والعظام تتمدد وتتقلص، ليظهر وجه جديد مختلف تماماً عن سابقه؛ لم أكن أعلم لمن هذا الوجه. تلمست المرأة الشمع بيديها ثم سحبته بكل أريحية، كأن هذا أكثر الأشياء طبيعية في العالم.

جعلني هذا الوجه الذائب مع هذا التصرف أبتعد إلى أقصى زاوية في كابينة المصعد؛ كان دوران "السبينر" الجنوني يعبر عن جنون أفكاري. وبسبب ارتعاش يدي غير الطبيعي، ضممته إليّ خشية أن يسقط مني؛ ضممته إلى صدري الذي يعلو ويهبط كأن جبلاً قد وُضع عليه.

عندما لاحظت حالتي، التفتت إليّ وقالت: "لا تقلقي.. أنا لم أختطفكِ، ليس تماماً. يمكنكِ أن تسميها عملية إنقاذ".

التفتت إليّ بعد أن لاحظت حالتي.. "دييينج"؛ فُتح باب المصعد أخيراً بعد أن وصل إلى المستوى (-4) تحت الأرض، كما كُتب على العداد.

حبستُ أنفاسي عندما توقعتُ أن أرى أدوات تعذيب، أو كراسي طبية مرعبة وعقاقير تجارب، لكن المشهد كان أبعد ما يكون عن ذلك. كان الخارج نسخة طبق الأصل من الطوابق العليا؛ باب المصعد يؤدي إلى نفس الممر الأبيض الملتوي مثل معدة ثعبان ضخم، ورائحة المعقم التي اندفعت إلى أنفي، كأنها تهدد بتطهير الوجود نفسه.

نزلت المرأة من المصعد وقد أزالت بقايا الشمع من وجهها: "اتبعيني". قالتها آمرة بنبرة لا تعطي متسعاً للرفض. التصقت قدماي بالأرض؛ أليس كثيراً ما قيل لنا ألا نتبع الغرباء؟.. لكن الأوان قد فات على ذلك، لقد اتبعتُ الغريب بالفعل إلى "معدة الأسد".

"أنا لن أخطو خطوة أخرى حتى تخبريني ماذا تريدين مني". قلتها بنبرة متحشرجة تحمل شيئاً من بقايا الكبرياء.

"سأخبركِ كل شيء إذا اتبعتِني".

عندها تذكرتُ الرسالة التي كُتبت على نافذتي: [إنهم قادمون!]. لا أعلم من كتبها ولا كيف، لكن الأكيد أن ما قالته قد حدث، وإذا فكرتُ جيداً فإنها لم تَقُل "اهربي" أو "لا تذهبي"، وإنما أخبرتني بأن أجيب: [لم أسمع ولم أرَ].

استعدتُ بعض الشجاعة وتحركت قدماي بدافع الفضول؛ أردتُ أن أعرف من هم؟ ولماذا أنا؟ هل لهذا علاقة بـ "عديم الوجه"؟ أم بالهلاوس التي أراها؟ أردتُ أن أعرف في أي جحيم هذا الذي أُلقيتُ به منذ استيقاظي.

سرتُ خلفها بحذر من أي خطوة مفاجئة، ومررنا بغرفة وراء الأخرى، حتى توقفت أخيراً عند باب فتحته وقالت بذات النبرة العسكرية التي ترفض التمرد: "ادخلي".

في الغرفة ذات اللون الكريمي واللوحات اللطيفة التي غطت الجدران العارية، وأصيصات الزرع التي لا أعلم كيف وصل إليها ضوء الشمس وجعلها تنمو خضراء زاهية في الطابق الرابع تحت الأرض؛ كل ذلك جعل للمكان جواً مريحاً، على عكس الممر الذي يهضم كل من دخله بعصارته غير المرئية.

لكن ما جعلني أتعثر في خطاي هو الرجلان اللذان يجلسان متقابلين على أريكتين جلديتين أعطتا للغرفة لمسة من الرسمية.. وقد كنتُ أعلم كليهما!

الأول، والذي رفع كوب القهوة إلى فمه، كان الشخص المدعو "سليم"، الذي قابلته في مجموعة الدعم! الرجل ذو البدلة المحترمة. "هل اختُطف مثلي؟"؛ لكن عندما رأيته يجلس هناك بكل أريحية، سرعان ما استبعدتُ هذه الفكرة؛ بدا كزعيم عصابة سرية يختطف الآخرين، أكثر من كونه مختطفاً.

أما الآخر.. "سنلتقي قريباً!". لقد كان هو.. "الوهم" من الصيدلية! عندما رآني لوح إليّ وقال بنبرة مرحة: "يو.. لقد التقينا مجدداً!". لم أرد عليه وتجاهلته تماماً، لأني لم أرد إحراج نفسي أمام الآخرين كما حدث في الصيدلية.

"تفضلي بالجلوس آنسة مريم". وكما توقعتُ تماماً، كان الرجل المحترم ذو البدلة هو القائد هنا. وتوجهت المرأة ذات الوجه الشمعي وجلست على نفس الأريكة الجلدية بجوار الرجل ذي البدلة المحترمة.

"أنا لن أجلس.. قُل لي ما لديك لأرحل!".

"اجلسي لأن الكلام سيطول". جررتُ قدمي إلى الأريكة المقابلة له حيث أشار لي؛ جلستُ مبتعدة قليلاً عن "الوهم" بجواري وتجنبتُ النظر إليه.

أحضر الرجل ذو البدلة كوبي شاي، واحداً لي وكوباً آخر للمرأة ذات الوجه الشمعي، ثم قال: "لقد تقابلنا مرة من قبل، لكني أريد أن أعرفكِ بنفسي مجدداً لأننا سنتقابل كثيراً منذ الحين وصاعداً. أُدعى سليمان، وأنا قائد الفرقة (جاما) في فرع منظمة تُسمى: National Unseen Limitation League، أو بمسمى آخر الـ NULL".

"هي منظمة عالمية سرية متخصصة في الماورائيات والظواهر غير الطبيعية، وأنا أقول لكِ مجدداً.. سرية".

لوهلة لم أستطع أن أدرك المعلومات المتدفقة من فم الرجل. "منظمة ماذا؟ هل كان شيء مثل ذلك موجوداً في العالم؟". ألقيتُ نظرة سريعة إلى المرأة مقابلي؛ منذ لحظة فقط كانت نسخة طبق الأصل من صديقتي، والآن ذاب وجهها لوجه آخر لا أعلم إن كان وجهها الحقيقي.. لولا أني رأيتُ هذا بنفسي لظننتني في برنامج الكاميرا الخفية.. لحظة! هل هذا يعني أنني أيضاً...؟

عندما لاحظ الرجل التغير في تعابيري أكمل: "لذا دعيني أسألكِ سؤالاً قبل أن نكمل: هل ربما استمرت الهلاوس معكِ رغم تعاطي عقاقير مضادات الهلاوس؟.. أو ربما.. الآن؟". منعتُ نفسي من النظر غريزياً إلى الوهم الجالس بجانبي وقلتُ بلا أي تردد: "لا.. لم أرَ أي شيء".

"أيتها الكاذبة! ألستِ ترينني الآن؟!". صاح الوهم بجانبي بنبرة متسلية.

رشف الرجل المسمى سليمان -رئيس شيء ما- رشفة من كوب القهوة الذي أمامه، ورطب فكه ثم استأنف: "حقاً؟ ألا ترين أي شيء حقاً؟ إذاً ماذا عن الصوت.. هل تسمعين شيئاً؟".

"لا.. أنا لم أسمع أي شيء ولم أرَ أي شيء". كذبتُ عليه بلا تردد ولم أرمش حتى..

"هل تتجاهلينني؟!". صاح الوهم بجواري مستنكراً، لكني تجاهلته وركزتُ على كوب الشاي في يدي.

ثم لمحتُ ظل ابتسامة على وجه الرجل المسمى سليمان وقال لي: "إذاً لماذا تدّعين أنكِ لا ترين ولا تسمعين الرجل الجالس بجانبكِ؟".

جعلتني كلماته ألتفتُ إلى الوهم بجانبي بلمحة من عدم التصديق.. انتظر لحظة! هل تقول إن الوهم بجانبي ليس وهماً، وإنما شخص حقيقي؟!

"هه.. هل ترينني الآن!". ارتسمت عليه ابتسامة ساخرة، كما سمعتُ صوت قهقهة مكتومة من المرأة ذات وجه الشمع..

"آسفة يا رسالة زجاج نافذتي.. لقد فشلتُ من أول سؤال لي.. لقد وقعتُ في الفخ".

2026/03/02 · 9 مشاهدة · 873 كلمة
Supernova
نادي الروايات - 2026