ساد صمتٌ غريب في الغرفة، لكن صوت الملعقة المستفز الذي يضرب الكوب قد كسر هذا الصمت. كان صادراً من جواري؛ من الكيان الذي ظننته سابقاً وهماً، لكنه الآن يجلس بجانبي.. بشراً من لحم ودم، ويرتشف الشاي بكل هدوء.

"هل أنا مثلهم؟ ألهذا جاؤوا بي؟".

"قبل أن أخبركِ أي شيء، أجيبيني: هل رأيتِ شيئاً آخر غير الكرة السوداء؟.. فكري مرتين إن أردتِ الكذب مجدداً؛ لدينا طرق أكثر سهولة بكثير بالنسبة لنا من سؤالكِ مباشرة". لم أرد أن أتخيل حتى ما هي هذه الطرق.

"منظمة عالمية لعينة! أي منظمة عالمية هذه التي تهدد مواطناً بريئاً لم يؤذِ أحداً؟ إنما هي عصابة لعينة تختطف وتهدد الآخرين".

"أجل، لقد رأيتُ شيئاً من قبل.. قبل أيام، مسخاً بدون وجه". رأيتُ التعابير على وجوه الثلاثة؛ تعبير لشيء لم أستطع قراءته، وتبادل الرجلان المقابلان نظرات تقول إنهما وجدا شيئاً، ولكن لم أعلم ما هو.

كان التوتر في الغرفة يزداد لدرجة أن الأكواب بردت سريعاً.

"ماذا فعلتِ عندما ظهر هذا الشيء؟". كل الجدية في صوته تعلقت بهذا السؤال، كما لو كان هو مخلصه.

"لم أفعل شيئاً؛ تجمدتُ في مكاني ثم فقدتُ وعيي، وأما الباقي فلا أعلم ما حدث". رأيتُ خيبة الأمل تطفو على ملامحه، وعلى زاوية فمه بدأ عبوسٌ يتشكل.

"ألم أخبركِ أنه لا فائدة من الكذب؟".

"إذاً هو لا يملك وسيلة حقيقية لكشف الكذب، لأن ما قلته للتو كان الحقيقة؟".

"والآن دورك! لقد أخبرتني المرأة بجواركِ أنكم ستشرحون إذا تبعتكم؛ من أنتم حقاً؟ وكيف فعلتم كل ذلك؟ ولِمَ أنا؟".

"همم، من أين أبدأ؟ كما قلتُ؛ منظمة الـ NULL تواجه الظواهر غير الطبيعية المهددة لحياة البشر. كلٌ منا حساس لطاقة غريبة تُسمى (الأثيريون)؛ لماذا نحن؟ هذا شيء لا نعلمه نحن أيضاً.. ولكن الشيء المشترك بيننا جميعاً أننا تعرضنا لصدمة ما أكسبتنا هذه القدرة. أترين هذا الرجل بجواركِ؟ متأكد أنكِ ترينه الآن؛ هو لديه قدرة تُسمى (الإسقاط الأثيري).. لكن كل استخدام لكل قدرة يأتي بثمن".

قال الكلمات الأخيرة بصوت مرير، كأنه داس على جرح أليم. ألقيتُ نظرة على المرأة بجانبه، والتي أصبح وجهها الآن يحمل ندبة كبيرة قديمة التهمت نصف وجهها.

بدأتُ أستوعب أي ثمن يتحدث عنه.. تقريباً، ولكن الأهم: "وما علاقة كل ذلك بي؟".

"وهذا ما أردنا معرفته؛ نحن نسمي المسوخ مثل التي رأيتِها (أطيافاً)، ونريد أن نعرف كيف تمكنتِ في ظرف ثوانٍ من رصدنا له، من جعله يختفي تماماً؟".

".. لا أعلم.. ربما ذهب بمفرده". لقد تعمدتُ عدم إخباره بشأن رؤيتي للكرة السوداء يومها؛ لأنه مهما نظرتُ للأمر، بدت هذه المنظمة مشبوهة.. وأحسستُ أنه لم يخبرني بكل شيء، وبالتالي لن ألقي بجميع أوراقي على المائدة؛ احتفظتُ بشيء أو اثنين لنفسي.

ازداد التوتر في الغرفة؛ استطعتُ أن أشعر أنه لا يثق بي، وأنا لم أثق به أنا الأخرى.

"هذه لينا نائبة فريق جاما، وهذا الشخص بجواركِ هو..".

"كلا.. توقف توقف، لا مزيد!". أسرعتُ بقطعه في منتصف الكلام؛ شعرتُ أنه كلما تحدث أكثر، كلما خلق حول عنقي سلاسل أكثر إحكاماً. إذا فهمتُ أكثر عن المنظمة التي من المفترض أن تكون سرية.. كلما أصبحتُ أكثر انغماساً بها، وأصبح من الصعب عليّ الخروج منها. لم أرد أن أكون جزءاً من أي شيء.

"إلى هنا وينتهي كلامنا. مما فهمتُ منك، أنتم لا تملكون أي وسيلة لإيقاف رؤية هذه المسوخ.. أو الأطياف كما قلتَ أنت. لذا إذا كان هذا كل شيء لديك، فاعذرني بالرحيل. آه.. وإذا أردتَ أن تمسح ذاكرتي بشأن هذه المقابلة فتفضل، وإن لم يكن لديك.. فأنا أقسم أنني لن أتحدث بما سمعته ورأيته هنا".

ليس لدي أي رغبة أن أنتمي إلى أي منظمة، وخاصة مثل هذه التي تسرب بيانات مرضاها؛ ابتداءً مما رأيتُه من الكرة السوداء، وصولاً إلى مكان إقامتي وتمويههم لعائلتي وأصدقائي.. شعرتُ بقليل من التهديد والاختناق.

"لكن..". ترررن.. ترررن.

بدا أن سليمان كان سيقول شيئاً، لكن رنين الهاتف قطع التوتر المتزايد في الغرفة؛ الرنين الذي خرج من جميع هواتف الحاضرين عدا هاتفي بالرغم من انقطاع الإشارة، أوقفه عن الحديث.

رفع الثلاثة هواتفهم، وسرعان ما تشوهت تعابيرهم بعد أن مرت أعينهم على الشاشة الصغيرة جيئة وذهاباً مرة واحدة.

"سأضطر لقطع الحديث الآن، لدينا شيء عاجل". نهض الثلاثة بحركة واحدة.

"لا.. لا داعي لإكمال أي شيء، سأبقى خارج الموضوع، شكراً لك؛ على الأقل أعرف الآن أنني لستُ مجنونة".

ألقى إليّ نظرة صامتة، لا أعلم لماذا، ولكن تلك النظرة أعطتني نفس الشعور عندما رأيتُ المسخ عديم الوجه؛ لقد جمدتني في مكاني.

"رافقيها". أعطى أمراً قاطعاً للمرأة بجواره. "حاضر"؛ والتي امتثلت على الفور.

وأما باقي الطريق إلى المصعد، فقد كان للصمت الكلمة العليا فيه.

انقطع أي فضول أكثر عندما وقفنا أمام مدخل المركز؛ المدخل الذي زينته جثة قبل أقل من أسبوعين، والذي ربما كان في يوم ما شخصاً مثلي. كما قال هو من قبل: "كل شيء يأتي بثمن"، ولم أكن على استعداد لأدفع مثل هذا الثمن.

2026/03/03 · 13 مشاهدة · 734 كلمة
Supernova
نادي الروايات - 2026