"أتتركها تذهب بهذه السهولة؟ ألا تعلم أنهم لن ينتظروا طويلاً؟".

ألقى سليمان نظرة جانبية مطولة إلى رفيقه "آدم"، ذي الإسقاط الأثيري، الذي شكك في قراره، ثم تحسس المعدن البارد على إصبع بنصره الأيسر..

"لا بأس، ستأتي بمفردها، إن لم يكن عاجلاً فآجلاً.. أمثالنا ممن يدخلون هذا الطريق من المستحيل لهم الالتفاف والعودة".

"كان عليكِ أن تقول لها حقيقة ما الذي كان على وشك الحدوث لها تلك الليلة.. لو أخبرتها لانضمت في الحال ولكن.. هل فعلت ذلك من أجلها؟ هل هذا لرد ديونك القديمة؟". عندما سمع ذكرها، أغلق سليمان عينيه مطولاً، كأن أشرطة الذكريات يُعاد بثها في ذهنه: "مهما فعلتُ، لن أستطيع دفع ديني لها".

كان الصمت رفيق طريق عودتي، حتى إنني كدتُ أسمع إطارات السيارة تئن من ثقل الصمت.

"هل يمكنني أن أفتح الراديو؟". كنتُ أريد كسر حالة الصمت المحرج.

ألقت إليّ المرأة ذات الندبة التي تُسمى "لينا" نظرة، كأنها أرادت أن تقول لي شيئاً لكنها تراجعت، ثم تنهدت وقررت أن توافقني الرأي وضغطت على زر الراديو..

كان صوت الموسيقى الهادئة يتلاشى تدريجياً، ليظهر صوت مذيعة ذات نبرة ودودة:

[كانت هذه أغنية السيدة فيروز "نسم علينا الهوى".. نعود إليكم مستمعينا في برنامجنا (قهوة ومزاج). قبل أن ننتقل لفقرة الاتصالات، نذكركم بأن درجات الحرارة اليوم ستشهد انخفاضاً ملحوظاً مع دخول المساء، لذا لا تنسوا معاطفكم..]

توقف الصوت الودود فجأة ليقطعه صوت حاد وبارد لمذيع النشرة الإخبارية:

[مستمعينا الكرام، نقطع هذا البرنامج لنوافيكم بهذا الخبر العاجل الذي وردنا للتو من غرفة العمليات.. عثرت السلطات منذ قليل على جثة الشاب (م. س) داخل شقته في بناية "البرج الأزرق" بحي الأمل. الحادث الذي وصفته المصادر الأمنية بـ "الغامض والمريب"، وقع في ظروف غير اعتيادية؛ حيث وُجدت الجثة معلقة ومحاطة بطبقة من الرماد الأسود الكثيف دون وجود أي أثر لحريق. المثير للريبة والجدل، أن هذه الواقعة تأتي في نفس البناية وفي الطابق الذي يعلو مباشرة شقة الرجل العجوز الذي عُثر عليه منتحراً بجرعة دوائية زائدة قبل يومين فقط، وأحاطت به نفس الطبقة من الر...]

لم تنتظر لينا لسماع الكلمة الأخيرة؛ أغلقت الراديو بحركة عنيفة وأعطت تنهيدة عميقة أخرى، وعم الصمت العربة مجدداً.

شعرتُ بالبرودة في أطرافي؛ حي الأمل؟ البرج الأزرق؟ إنه ليس بعيداً عن حينا..

عندما وصلتُ إلى المنزل، نزلتُ بسرعة، لكن فكرة واحدة كانت تنخر عقلي كالسوس. عدتُ للسيارة، وطرقتُ الزجاج برفق. فتحته لينا ببرود.

"سؤال أخير.. هل تعرفين شخصاً يُسمى أنس؟ هل يعمل معكم؟".

ذلك الفتى المريب والذي كانت تجمعه صداقة لم أعلم عنها شيئاً مع أخي، كان كل شيء عنه مريباً؛ من تتبعه لي وطريقة استقبال أخي له، حتى كلماته الأخيرة.. هل رأى الكرة حقاً؟ أليس هذا يجعله مميزاً مثل هؤلاء الناس؟

"أنس؟ من هو؟". قالتها بنبرة خالية من التصنع.

"..." لم يبدُ أنها تعرفه، وهذا كان شيئاً جيداً لي. إذا أردتُ الحصول على معلومات خارج هذا التنظيم، كان عليّ أن أجد مصدراً آخر، مصدراً ليست له علاقة بهم، وها قد وجدته..

"لا تهتمي، طاب مساؤكِ". أعطيتها ابتسامة مشرقة بينما لوحتُ لها وودعتها.

كانت كل خطوة لأعلى تضع عليّ حملاً سببه المعلومات التي لا يعرفها أحد في هذا البيت غيري، وكان لزاماً عليّ الصمت.. لا أعرف ما قد يحدث إذا نطقتُ بكلمة بالخطأ.

تأكدتُ من والدتي أن الطائر الصغير بخير وأنه حصل على قسطه الكافي من الماء والحبوب؛ وجدته نائماً مكانه بسلام كما تركته، كم أحسده! والكرة السوداء لا تزال كما هي على السرير، لم تتحرك، ولم أعلم إن كانت مستيقظة أم نائمة.

ألقيتُ نظرة على المذكرة الموضوعة على المكتب: "لا بد من تعديل..".

أمسكتُ بالقلم ومررتُ بخطين حادين متوازيين على البند الأول؛ لن أتابع بعد الآن مع الطبيب الذي كان وبوضوح تابعاً لمنظمة سرية مريبة. "وداعاً أيها الطبيب المخبر".

تركتُ البند الثاني كما هو، بينما توقف القلم على البند الثالث قليلاً: [ثالثاً: اتصل بزين..]. حام القلم فوق البند الثالث لكني قررتُ أن أتخذ قراراً نهائياً؛ رفعتُ الهاتف وطلبتُ اسماً معيناً من القائمة.

تررن.. تررن.. ورد الطرف الآخر بعد لحظات:

— "مريم! كيف كنتِ؟ آسف كنتُ مشغولاً هذه الفترة ولم أتصل".

"أنا بخير أخي، كيف كان حالك.. وحال هدى؟".

— "بخير! إنها تبلغكِ السلام".

"زين اسمع! أردتُ أن أسألك.. هل تذكر صديقك أنس؟ ذلك الذي زارك الليلة التي سبقت رحيلك؟".

— "مريم.. أي أنس؟ ليس لدي صديق بهذا الاسم!".

"..."

لوهلة كادت الدماء أن تتجمد في عروقي. شعرتُ فجأة أن الغرفة بدأت تدور. إذا لم يكن أنس مع المنظمة، وإذا لم يكن موجوداً في ذاكرة أخي.. فمن الذي كان يجلس في صالوننا؟ ومن الذي كان يلاحقني ذلك اليوم؟

2026/03/04 · 7 مشاهدة · 696 كلمة
Supernova
نادي الروايات - 2026