[نحن الآن نقف أمام البرج الأزرق، المكان الغامض الذي أثار تساؤل الكثيرين. هل كانت حوادث القتل التي وقعت هنا هي مجرد حالات انتحار فردية تزامنت بالصدفة؟ أم هناك قاتل غامض يختبئ وراء الصورة؟ كان هذا هو السؤال الذي تردد على أذهان الكثيرين.. من طريقة الموت الغريبة التي أزعجت الساكنين، إلى الحريق الذي اندلع فجأة بعد منتصف الليل، ولحسن الحظ بلا وقوع أي ضحايا.

معنا الآن أحد سكان المبنى الأزرق وهي أحد شهود العيان كما تدعي؛ سيدتي هل يمكنكِ أن تخبرينا ماذا حدث؟

"الحوادث التي حدثت ليست بانتحار أبداً؛ شقتي تقع مقابل شقة العجوز الذي مات، وقبل أن يحدث ما حدث.. كان هناك صوت صياح وصراخ عالٍ يأتي من شقته، كما سمعنا صوت شجار وزجاج ينكسر. حاول الجيران أن يعرفوا ماذا يحدث لكن العجوز لم يرد.. وعندما اقتحموا المكان وجدوا الرجل ملقىً على الأرض، وبجواره علبة دواء.. والأرضية كانت مغطاة بطبقة من الرماد، والجدران أيضاً، بالرغم من عدم نشوب حريق من الأساس.. أما صوت الزجاج المكسور.. فلم يكن هناك أي زجاج مكسور في الشقة.. ولم يكن هناك أي أثر لأحد دخل أو خرج من المكان".

هل شاهدتِ المشهد بنفسكِ؟

"لا، كان زوجي برفقة الذين دخلوا، وهذا وصفه بنفسه. هذا المبنى.. هذا وضع صعب، لن أتحمل أن يعيش أطفالي هنا، سننتقل قريباً".

حسناً، شكراً جزيلاً لكِ. أما الآن، وقد أفادت السلطات أن الحريق الذي نشب لم يكن سوى ماس كهربائي، وأن كل شيء سيكون تحت السيطرة قريباً.. كنا معكم سارة المايز، برنامج (الحادية عشرة والنصف دقيقة)].

أحيط المكان بأشرطة الشرطة الصفراء التي تقول "ممنوع الاقتراب"، كأن المبنى بأكمله كان مسرحاً جنائياً وليس الشقق التي وُجدت بها الجثث فقط. وعلى الرغم من أن السلطات قالت إن كل شيء تحت السيطرة، إلا أن الوضع القائم قال شيئاً آخر.. كان الشارع يضج بسيارات تخص القنوات الإخبارية التي تتغذى على رائحة الموت، ودوريات الشرطة التي حاولت فض المكان ومنع الصحفيين من إزعاج السكان أكثر.. كما كان هناك نوع آخر من الناس ظهر في العقد الأخير، كان يتغذى على نوع آخر من العواطف وهو الغموض والشائعات..

[يو أيها الجميع، هذا بث مباشر من أمام المبنى المسكون.. هل تسمعون هذا جميعاً؟ لقد قلتُ لكم مسكوون.. وسأدخله وحدي الليلة في منتصف الليل، هل قلتُ وحدي؟ آسف سآخذكم معي.. لذا ضعوا أسودكم وحيتانكم لأني اليوم سأجعلكم تتبولون في ثيابكم.. احذروا يا دجاجات..]

أجل، هذا النوع من الناس..

وبالقرب من المبنى، بعيداً قليلاً عن الفوضى الجارية في المكان، في زاوية لم يهتم بها أحد.. كانت تقف سيارة "جيب" مألوفة بزجاج قاتم، بحيث جعلت من الصعب معرفة إن كان أحدٌ يجلس فيها..

"هذا هو المبنى؟.. لا أحتاج إجابة حتى..". قالت المرأة التي استندت على السيارة وهي أيضاً ذات وجه مألوف هي الأخرى؛ حادة الملامح، ذات شعر طويل غامق مجموع للخلف، وأكثر ما ميزها هو الندبة القبيحة على وجهها.

"أجل هو، لقد رصدت الأجهزة رنيناً غير ملحوظ في البداية.. لكنه يزداد". قال الرجل الجالس في السيارة وهو يمسك جهازاً يشبه جهاز قياس نسبة الإشعاع، وكان المؤشر يرتعش بين الرقمين 10 و20 كأن صاعقة أصابته.. "لا يمكن تحديد المستوى بدقة.. هو بين الأحمر والبرتقالي". قضب الرجل حاجبيه.

"هل لا يزال باسل مشغولاً؟". سأل بينما لم تتحرك عينه من على المؤشر.

"بيج بابلو؟ أجل، قال إنه مشغول في الجامعة ولن يستطيع أن يأتي إلا في إجازة نهاية الأسبوع". ألقت المرأة نظرة إلى الخلف لتنظر إلى الرجل في السيارة. "أمر مؤسف، سيكون إنهاء الأمر أصعب بدونه".

لمست المرأة الندبة على وجهها: "لماذا يزعجون فريقنا بهذه المهام؟ أفضل مهمة البحث عن القطط..". قالتها بنبرة منزعجة، لكن الرجل الجالس في السيارة خلفها اكتفى بالصمت قليلاً ثم قال: "سندخل الليلة".

هزت المرأة ذات الندبة رأسها بالموافقة..

ــــ

للمرة الألف أتأكد أن كل النوافذ مغلقة بإحكام والستائر منسدلة، وألتف حول البيت بضع مئة مرة لأتأكد أن المكان خالٍ ولا أحد يراقبنا من هنا أو هناك.. حرصتُ أن أدقق النظر في كل مكان. كان شعور القلق القادم من الشك بأن هناك من يراقبه مرعباً، والأكثر إثارة للرعب.. أن يشك بأن من يراقبه يمتلك قوى غير طبيعية، بحيث لو أراد أن يخفي نفسه عن عيناي فلن ألاحظه أبداً.. والأسوأ، إذا أراد أذيتي فلن أستوعب الأمر إلا بعد فوات الأوان.

لم أستطع التخلص من شعور القشعريرة التي تسير تحت جلدي، لا أستطيع التخلص من شعور أن هناك من يراقبني، لكني لا أملك دليلاً.. كل ما يمكنني فعله هو إحكام غلق كل شيء. غرفتي التي أصبحت مظلمة في الليل والنهار أصبحت كئيبة، عمّقت من شعوري الداخلي.

وقفتُ للمرة المليون أمام المرآة أحاول أن أكتشف ما هي هذه القوة التي كانت لدي؛ في لحظة ما كنتُ أنطق بأسماء مهارات سخيفة.. مثل الآن. اتخذتُ إحدى الوضعيات المحرجة التي رأيتها من قبل في برنامج تلفزيوني عندما كنتُ صغيرة وصرختُ: "آااا كرة النار!!". نفختُ بأقصى ما أستطيع على إصبعين.. لكن لا شيء، غير الإحراج الذي خرج أحرق وجنتي، لم يخرج شيء.

ألقيتُ نظرة سريعة في الغرفة مخافة أن يراني أحد في تلك الوقفات المحرجة وأسماء التقنيات السخيفة.. "فيو.. الحمد لله ليس هناك أحد!". حتى لاحظتُ متأخرة أن الكرة اللعينة، التي لم تفتح عينها مجدداً منذ ليلة المسخ بلا وجه، قد فتحت عينها الوسطى على مصراعيها الآن، وأخذت تتدحرج على السرير ذهاباً وإياباً.. "الكرة اللعينة" لم تفتح عينها قط وفتحتها الآن فقط! شعرتُ بالإحراج الشديد.

لم ألتفت إليها أكثر، أمسكتُ بالقلم والمفكرة الصغيرة على المكتب وشطبتُ بخطين حادين على كلمة [كرة النار] تحت صف طويل من أسماء التقنيات المحرجة الأخرى التي شُطب عليها: "ليست هذه أيضاً".

أُصبتُ بالإحباط بعض الشيء؛ لم أشعر أنه لدي قوة من أي نوع، بالمقارنة بالوجه الشمعي والإسقاط الأثيري، ما نوع القوى التي لدي؟ "هل يعقل أن الأمر مقتصر على رؤية هذه الأطياف فقط؟".

ثم ألقيتُ نظرة على الكرة السوداء التي اتخذت من غرفتي مسكناً لها..

كوكو.. كوكو

جذب صوت الطائر انتباهي، كان يرفرف بجناحيه كأنه يواسيني ويشجعني على الاستمرار..

"أووه سيكا اللطيفة خاصتي، أنتِ داعمتي الوحيدة". أخذتُ الطائر اللطيف وضممته، لم أستطع مقاومة لطفه.

2026/03/06 · 7 مشاهدة · 920 كلمة
Supernova
نادي الروايات - 2026