مسحت لينا بقايا الشمع عن وجهها بمنديل وقالت بينما تنظر في المرآة الأمامية للسيارة: "لماذا تركناه هناك؟.. كان بإمكاني شطره إلى نصفين بسيفي هذا". تلمست أصابعها السطح البارد للسيف الأخضر..

"المؤشر كان يهتز بين الصفر وعشرة.. لقد نزل مجدداً إلى الرتبة الحمراء، هذا الطيف غير مستقر تماماً".

"أجل، ولذلك قلتُ إنه يجب علينا التخلص منه". ألقى نظرة سريعة على لينا بجواره ثم نظر إلى الطريق أمامه مرة أخرى.. "هو غير مستقر.. قد يهيج وفي تلك الحالة سنحتاج إلى إخلاء المبنى بالكامل، ما انتشر من الأخبار يكفي بالفعل".

تثاءبت مجدداً: "إذاً.. سنعود مرة أخرى بعد إخلاء المبنى؟".

"أجل.. ولا". ثم صمت.

"ماذا؟ ماذا يعني هذا؟".

"سيتم إخلاء المبنى ولكن لن نكون نحن من سيعود، سأقدم طلباً بنقل المهمة إلى فريق آخر".

"لماذا؟.. لا، لستُ حزينة لترك المهمة أو شيئاً كهذا، ولكن لماذا؟".

"بحثْتُ في الشقق التي وقعت فيها ضحايا.. يبدو أن الطيف من نوع هجين بين النار والمشاعر؛ لا أنتِ تستطيعين مواجهة النار، ولا أنا...".

"هكذا أفضل، أفضل البحث عن القطط عن البحث عن شبح محترق!". قالتها بنبرة منزعجة.

كان الظل المختبئ خلف جدار إحدى الأزقة القريبة من البناء الأزرق يراقب المشهد أمامه، وصدره يعلو ويهبط كأنه خارج من "ماراثون"، وجعلت الكمامة التي تخبئ وجهه التنفس أصعب... لم يكن ذلك الظل أحداً سوى مريم..

"الحمد لله..". بين اللهثات التي كنتُ أحاول أخذها خرجت تنهيدة ارتياح. "لكن..". بدأتُ أشعر بالصداع القادم.. "هذا سيحتاج تفسيراً وشرحاً طويلاً..". في المرة السابقة رفضتُ رفضاً قاطعاً أن أسمع أي شيء عن تلك المنظمة، ووعدتُ أنني لن أتحدث عنها أبداً... لكن، لقد أشرتُ إلى اسم أحد قادتها مباشرة وأمام الملأ..

"أي شرح!". انتفضتُ من مكاني مثل القطة المذعورة، حتى إنني سقطتُ على الأرض وسقطت محتويات الحقيبة.

"آه، آسف لم أقصد إخافتكِ!". كان ذلك هو "الستريمر" صاحب البث المباشر. "لماذا لازلتِ هنا؟ هل كنتِ تشاهدين بثي؟". أشار إلى نفسه بحماس واقترب مني خطوة، فابتعدتُ عنه خطوة..

"لا تقلقي لن أوذيكِ". ثم تراجع مرة أخرى إلى حيث كان. "لقد أدركتُ أن هاتفي قد سقط عندما كنتُ أهرب، لذا عدتُ لأحضره، من حسن الحظ أن دوريات الشرطة غادرت، لن يكون هناك حاجة للتسلل". وانفرجت أساريره بابتسامة واسعة.

"تعود؟ لماذا تعود؟ ماذا عن الشبح في المبنى؟". نظر إليّ كأني مجنونة ولوح بيده: "شبح؟ هه هل أنا طفل في الروضة أصدق بوجود شيء مثل الأشباح؟!". يقولها كأني أنا التي فررْتُ هاربة من الرعب عندما انفتح مقبض الشقة!

"هل أخبره أنه يوجد شبح حقاً؟.. انسَ الأمر لن يصدق بكل حال".

التقطتُ محتويات الحقيبة التي سقطت على الأرض؛ هاتفي، والسبينر، بالإضافة إلى الكرة الزغبية... "يا سيد، هل ترى ما هذا؟". حاولتُ أن أجري اختباراً عليه. نظر الشاب بعينين غريبتين وحاجب واحد مرفوع إلى يدي التي تحمل الكرة: "ماذا تريدين أن أرى؟ كيف تحملين الهواء بين يديكِ؟".

"... لا تهتم". وأعدتها إلى الحقيبة. نظر الشاب إليّ بغرابة عندما وضعتُ يدي المحملة بالهواء في الحقيبة، لكنه اختار ألا يعقب وأن يركز في الهدف الذي أمامه. "سأعود لأحضر الهاتف، هلا انتظرتِ هنا لدقيقة؟".

كان على وشك التوجه ناحية المبنى عندما أوقفته كلماتي: "لا فائدة..". قلتُ بينما كنتُ أحرك رأسي يميناً ويساراً. "لقد رأيتُ رجلاً ببدلة سوداء يأخذه في البث".

"في البث! هل كان مستمراً؟". أومأتُ برأسي. "رائع! سيدتي هل أستسمحكِ في طلب؟ هل يمكنني مشاهدته؟". همّ باتجاهي بينما حاول أن يمسك بيدي.. حاولتُ الرجوع إلى الخلف عندما تقدم نحوي لكنه كان أسرع مني، توسل إليّ لكي يعيد مشاهدة البث كأن هذا آخر خيوط حياته... وأنا... لا يمكنني أن أقول لا لشخص يحتاج المساعدة.. أومأتُ: "تفضل، ولكن... تراجع رجاءً".

"أنا آسف!". تراجع خطوات وناولته الهاتف.. مضت دقائق... ثم: "ها هو! هذا هو الرجل الذي أخذ هاتفي؟". تنهد الرجل بطمأنينة.

"لماذا أنت مطمئن؟".

"على الأقل لم تأخذه الشرطة، أليس كذلك؟ حينها سيُقبض عليّ وسأدفع غرامة". ظل الرجل يقلب في البث ويعيد المشاهدة.. "ربما وقع في أيدي من هم أسوأ من الشرطة"؛ هذا ما فكرتُ فيه عندما قطب الشاب حاجباً، ثم نظر إليّ نظرات مستنكرة.. عاد إلى الهاتف، ثم نظر إليّ مرة أخرى..

"هل ربما أنتِ هي أوركيد؟".

"لا، من هي أوركيد؟". عبس أكثر وظهرت تجاعيد بين حاجبيه المقطبين: "أجل، لا بد أنكِ هي! لقد حذرتِ الرجل من شيء على السقف، ولأنه أغلق البث فجأة دون أن يتأكد، فلكِ أن جئتِ راكضة إلى هنا... لقد رأيتُكِ وأنتِ تركضين!".

سحقاً، لماذا أصبح ذكياً فجأة الآن؟

"أرجوكِ يا آنسة أريد طلباً..". تقدم نحوي مرة أخرى وأمسك بي كأنه يمسك بحبل نجاته. "أنتِ تعرفين هذا الرجل صحيح؟ لقد قلتِ إن اسمه سليمان... أرجوكِ هل يمكنكِ الحصول على هاتفي منه؟".

"لا، أنا لا أعرف رجلاً بهذا الاسم!". حاولتُ التحرر من بين يديه، لكني لم أستطع.

"أتوسل إليكِ، هذا الهاتف هو الوحيد لدي وعليه كل حساباتي وأرباحي وكلمات السر محفوظة به... لديّ أم مريضة أعيلها وأحتاج هذا المال". شعرتُ بإحساس من اليأس قادماً من كلماته المهتزة... لم أكن الشخص الذي يستطيع رفض المساعدة..

"سـ.. سأحاول، لكني لن أعدكِ بأي شيء أبداً". يا إلهي لم أرد أن أتدخل حقاً.. ليتني لم آتِ إلى هنا..

"حقاً!.. شكراً لكِ، شكراً". أظنني رأيتُ دمعة على عينه لكنه مسحها. تراجع أخيراً وتركني أذهب.

"أين بيتكِ يا آنسة؟ سأرافقكِ، لا يجب أن تسيري وحيدة في منتصف الليل..".

"لا، ابتعد، سأذهب بمفردي، إنه قريب على كل حال". بالطبع لن أذهب مع رجل غريب إلى منزلي.. يكفيني من الغرباء تلك المنظمة..

"هكذا إذاً؟.. حسناً وداعاً، لنتقابل هنا بعد غد في الواحدة مساءً، أرجوكِ لا تتأخري".

أخيراً بدأ يتحرك راحلاً... أوف، هل أنا طيبة أم غبية؟

تنهدتُ بينما استجمعتُ شتات أنفاسي ورفعتُ بصري عن الأرض.. لكن رأسي تجمد، وأنفاسي حُبست في صدري.. لا، لم تُحبس بل لم تجرؤ على الخروج..

تحت الضوء الخافت لعمود الإنارة.. كانت هناك بصمات أقدام من السخام.. تتبع خطوات الشاب...

"اللعنة... اللعنة!!!".

تجمدتُ في مكاني ولم أجرؤ على النظر حيث سار الشاب...

2026/03/12 · 8 مشاهدة · 902 كلمة
Supernova
نادي الروايات - 2026