تجمد رأسي عند الخُطى المحترقة بالسخام على أرضية الطريق، والتي خُطت في نفس اتجاه ذهاب الشاب مباشرة.. أبقيتُ رأسي في مكانه ورفعتُ عيني قليلاً.. ببطء، وتتبعتُ مسار بصمات القدم السوداء..
"...!!"
"يا إلهي! لا تنظري!". عدتُ ببصري سريعاً إلى أطراف أصابعي؛ كنتُ أشعر بجسدي يرتعش بالكامل.. بشكل لم أعد أستطيع السيطرة عليه.. خلف ظهر الشاب كان هناك جسد لشخص، لكن... كان جسده محترقاً وألسنة اللهب تخرج من كل مكان من بدنه.. لا ملابس، ولا شعر.. مجرد بدن متفحم محترق يسير على قدميه.
"لا تلاحظني! لا تلاحظني!". دعوتُ بشدة في ذهني ولم أجرؤ على رفع بصري والنظر مرة أخرى.. ولم أجرؤ على التحرك بحركة واحدة.. كان لدي إحساس غامض أنه إذا تحركتُ خطوة واحدة فإن من سيحترق تالياً سيكون أنا.. ومع ذلك.. كانت دعواتي بلا فائدة.. شعرتُ بلفح من اللهب يمس جانب وجهي وأمام قدمي.. كانت هناك قدمان محترقتان.. لقد عاد!
"أ.. ن.. ت". خرج صوت مبحوح مثل لفح النار أمامي؛ قاومتُ بشدة أن أرفع بصري عن الأرض.. تجمدت عيني هي الأخرى مكانها. "هـ.. ل.. ت.. س.. م.. ع.. ي.. ن.. ن.. ي؟".
لم أرَ شيئاً، لم أرَ أي شيء رجاءً ارحل.. أردتُ أن أصرخ لكنني بدلاً من ذلك عضضتُ على شفتي؛ إذا تكلمتُ بكلمة واحدة على الأرجح ستكون الأخيرة لي.. بدا "المسخ عديم الوجه" أليفاً بالمقارنة بهذا..
"هـ.. ل.. ت.. س.. م.. ع.. ي.. ن.. ن.. ي؟". كرر فحيحه مثل الأسطوانة المعطلة، وشعرتُ في تلك اللحظة أن اللفح يزداد أكثر، حتى تشكلت حبيبات من العرق بحجم اللؤلؤ على وجهي.. أحرق العرق المالح عيني، ومع ذلك لم أجرؤ على إغماضهما.
تسحبت يدي المرتعشة والمتعرقة إلى الحقيبة بجواري وتلمست شيئاً مثل بكرة الشعر.. من حسن الحظ أنني أحضرتُها معي. عندما كنتُ أفكر في إخراجها وإلقائها على المسخ المحترق أمامي بطريقة ما...!! لقد انحنى المسخ حيث كنتُ أنظر على الأرض ونظر إليّ مباشرة بعينيه... لا.. لم تكن هناك عينان.. كانتا فجوتين عميقتين سوداوين شعرتُ أنني سأحترق فيهما..
"هـ.. ل.. ت.. ر.. ي.. ن.. ن.. ي؟". ضغطتُ على شفتاي حتى نزفتا، وشعرتُ أن هناك طعماً حمضياً في فمي وحرقاً في أمعائي.. أردتُ أن أتقيأ.. حتى يدي التي كانت تنوي إخراج الكرة تجمدت في مكانها.. "النجدة.. أي أحد! النجدة!!". أغلقتُ عيني واستسلمتُ للفح النار المقترب من وجهي.. عندها أدركت.. أنا الضحية التالية! "أنتِ التالية!". وهذه المرة كلمات مدام راندا اخترقت أعماق خوفي.. لتزرع فيه بدلاً من الخوف يأساً.. يأساً محترقاً..
"..."
مرت ثانية.. ثم ثانية أخرى.. كان إحساس الاحتراق القريب من وجهي يبرد الآن.. ومصدره يبتعد. "هل رحل؟". خفتُ أن أفتح عيني مجدداً لأجده مازال أمامي.. يلعب عليّ الألاعيب. ظللتُ هكذا فترة لا أعلم لمَتى.. دقيقتين؟ أربعاً؟ ربع ساعة؟ وعندما فتحتها أخيراً... لحسن الحظ، غير بصمة السخام أمامي لم يكن هناك شيء.
"هاه.. هاااه.. ههااه". خرجت أنفاسي مرتعشة.. ولم أكن أدرك أنه حتى أنفاسي قد تجمدت في مرحلة ما.. خارت كل قواي وسقطتُ في مكاني، وشعرتُ بانحسار الأدرينالين الذي أبقاني مجمدة بدون حركة. "أريد العودة إلى غرفتي".
كح.. كح
كانت عصارة أمعائي تحرق فمي وأنفي.. "يجب أن أرحل الآن!". لقد خفتُ أن يعود المسخ مرة أخرى لكن قدمي رفضت الحراك؛ ضربتُ فخذي بقبضتي: "تحركي! تحركي!". وبدأت بعض القطرات المالحة تسقط على قبضتي.. لقد كنتُ أبكي.
نهضتُ أخيراً من مكاني لكن قدماي كانتا أشبه بالهلام؛ صحيح أنهما لم تتحركا كما يجب، لكن لا يهم، المهم أنهما تتحركان.. استندتُ على جدران المباني طوال الطريق عائدة إلى المنزل.. طوال الطريق كنتُ أنظر حولي على الأرض.. والجدران.. مخافة أن تظهر بقعة من النار هنا أو هناك؛ لفحة الهواء البارد الذي يضرب مع الساعة الثانية ذكرتني بلفح النيران وجعلت قدماي أكثر ارتعاشاً، وطريقي أكثر صعوبة..
أخرجتُ المفاتيح لفتح البوابة التي التهمها الصدأ، ولكن كادت المفاتيح أن تسقط من يدي مراراً قبل أن أتمكن أخيراً من فتح البوابة.. تسللتُ إلى الغرفة كما تسللتُ خارجة منها، ورغم حالتي لم يشعر أحد في ذلك الوقت بعدم وجودي.. سقطت الحقيبة من يدي.. وسرتُ بخطوات ميتة إلى السرير.. لففتُ نفسي كالقوقعة في بطانيتي وبقيتُ هكذا طوال الليل.. مذهولة، خائفة، وأرتعش بشكل لا يمكن السيطرة عليه. تلك الليلة... لم أنم...
"إذا أمسكتُ بكِ مرة أخرى يا آنسة لن أترككِ ترحلين بهذه السهولة". هدد رئيس الشرطة المرأة الجالسة أمامه. أمالت المرأة رأسها واهتز شعرها القصير بحركتها.. "ماذا أستطيع أن أفعل يا سيدي؟ لا أستطيع أن أطفئ روح الصحفي بداخلي؛ روح تبحث عن العدالة والحقيقة". هزت كتفيها بلا حول ولا قوة.
"سأطفؤها لكِ بوضعكِ في السجن!". سخر منها رئيس الشرطة.
"حظاً موفقاً في المرة القادمة سيدي.. ببساطة هذه هي قوة المال..". ووضعت ابتسامة مستفزة جعلت رئيس الشرطة يسحق القلم في يده. خرجت سارة المايز بكفالة مالية... مجدداً.. أخذت أدواتها وأغراضها التي أفرغتها أثناء التفتيش واتجهت ناحية الباب.. كان الوقت مازال في الساعات الأولى من النهار، ولكن هذا اليوم دوناً عن جميع أيام الشتاء كان حاراً والشمس في أوجها.
أخرجت الصحفية الدفتر الصغير الذي استلمته من صندوق الأمانات: "الشقة الثانية في الطابق الخامس، حيث مات الرجل العجوز بجرعة دواء زائدة.. الشقة الأولى في الطابق الثاني حيث مات الشاب مشنوقاً.. الشقة الأولى في الطابق التاسع حيث حدث الحريق في شقة فارغة.. همم...". سحبت الصحفية ذات البشرة البرونزية والشعر القصير شفتها السفلى للخارج؛ كانت هذه عادتها عندما تستغرق في التفكير... "لماذا هذه الشقق تحديداً؟.. همم".
"سيدة سارة!". قطع نداء أحدهم عليها صوت أفكارها. "آسف على التأخر كان الطريق مزدحماً". كان يشير إليها لتذهب باتجاه سيارة "رولز رويس" متوقفة أمام مركز الشرطة.
'كيفما فكرتُ في الأمر يبدو كأنه نمط...' اتجهت ناحيتها بكل ثقة ولكن عندما فتح السائق باب السيارة تجمدت مكانها..