تجمدت أمام السيارة التي فُتح بابها على مصراعيه..
".. أبي!"
اختفت كل الثقة التي كانت تنضح بها، وانكمشت أمام نظرات "المفترس" الموجهة لها..
"سارة المايز! اركبي!"
"أبي أنا.."
"لن أكرر كلامي."
أصبحت مثل القطة المطيعة في لحظة.. عندما جلست على الكرسي بجواره كان الجو غير مريح أبداً، حتى قطع الصوت القادم من جوارها الصمت:
"اذهب إلى نقابة الصحفيين."
أعطى أمراً قاطعاً للسائق في الكرسي الأمامي.
"حـ.. حاضر."
حتى إن السائق كان متوتراً من النبرة الباردة غير الطبيعية لرئيسه، وعلم أنه ليس في مزاج جيد هذا الصباح، لذا أسرع بتحريك السيارة..
برغم توتر الموجودين من "المفترس" الجالس في المقعد الخلفي، إلا أن أحدهم اهتاج الدم الحار في عروقه: "أبي! لماذا إلى هناك؟"
"اخفضي صوتكِ أيتها المدللة!" رمقها بتلك النظرة الحادة مرة أخرى.
"كيف لك أن تتخذ قراراً تعسفياً هكذا من تلقاء نفسك؟ ماذا عن رأيي أنا؟ لماذا لا تحاول الاستماع إليّ ولو لمرة واحدة؟!"
فرك الرجل صدغه: "قلتُ اخفضي صوتكِ، انتهى أمر هذه الوظيفة. لقد حذرتُكِ كثيراً، ولكن من لم يستمع كان أنتِ."
كشرت سارة وجزّت على أسنانها: "أنت لا تستمع.. مهما قلتُ.."؛ تمتمت ولم تخفض صوتها لدرجة ألا يستطيع سماعها.
"هاه، لماذا لا تكونين مثل أخيكِ فحسب؟"
تصلبت تعابيرها المشتعلة من قبل وعلا وجهها الذهول فجأة، ثم هاجت بغضب مرة أخرى: "أخي هذا، أخي ذاك! كل شيء على لسانك هو أخي، ألا ترى..."
لكن نظرته الغاضبة جعلتها تبتلع كلماتها التالية. تستطيع أن تعرف مِمّن ورثت هذه الصحفية دمها الحار.
مضى الطريق بصمت ثقيل، حتى صوت العربة على الطريق تم كتمه بتأثير الثراء.. عندما توقفت السيارة أخيراً، وقفت أمام نقابة الصحفيين.
"محمود، اصطحبها وتأكد من استقالتها ثم أعدها إلى المنزل."
"أمرك."
أجاب الرجل الجالس في الكرسي الأمامي بجوار السائق، الذي نزل سريعاً وفتح باب مقعد سارة: "من فضلكِ آنستي.."
عرفت أنها مهما حاولت لن تغير رأيه، إن لم تفعلها هي بكرامتها فسيجبرها بطريقة أو بأخرى. كانت يائسة من المحاولة، حتى إنها لم ترغب بإلقاء نظرة أخرى بجانبها، ونزلت من السيارة التي سرعان ما اختفت على الطريق..
"سيدي.. هل تسمح بكلمة؟"
لازال السائق متوتراً في حضور هذا الوحش، والذي علم بدون أن ينظر إلى انعكاسه في المرآة أنه كان غاضباً.
"تفضل."
"اعتبرها نصيحة عابرة وحسب سيدي.. لماذا لا تستمع إلى الآنسة على الأقل فهي.."
"لقد دللتُها كثيراً حتى أصبحت متمردة، لابد من بعض الحزم أحياناً. لا أعلم مِمّن ورثت هذه الطباع العنيدة."
"..."
أكمل السائق القيادة دون أن يقول كلمة أخرى.
"آنسة سارة.. رجاءً لا تسيئي الفهم، إنه قلق عليكِ وحسب، لقد.."
"أسيء الفهم؟ مَن؟ أنا؟ لا، هذا هو الفهم الصحيح تماماً. لا يريد أن يستمع، يريد أن يأمر ويأمر فحسب. كل شيء كما يريده هو فقط بغض النظر عن رأيي، وكل شيء عنده هو..."
اهتزت نبرتها قليلاً في الجملة الأخيرة وأصبحت عيناها رطبتين قليلاً، لكنها حركت يديها لتخفف من غضبها.. مسحت سارة طرف عينها بسرعة قبل أن يراها محمود، ثم رفعت رأسها بكل كبرياء، وقبضت على الدفتر الصغير في يدها وقالت كلمة واحدة وهي تنظر إلى مبنى النقابة: "لندخل."
"ظننتُ أني سأستطيع الحصول على مصدر آخر للمعلومات يقودني في هذه البيئة الجديدة، ظننتُ أني أستطيع العيش بطبيعية مثل الجميع إن أنا أغلقتُ عيني وأذني عن الأوهام من حولي ولكن... ما هذا؟ لقد نجوتُ مرتين واعتقدتُ بحماقتي أني سأنجو كل مرة، لقد كنتُ مغرورة!"
سرت قشعريرة باردة على جسدي.. مع كل رمشة عين كان المسخ المخيف المشتعل يتجسد أمامي.. لقد غلبني النعاس.. لكني لم أستطع النوم... كيف سأنجو في المرة القادمة؟ تحطم غروري أمام الأهوال، التففتُ أكثر تحت البطانية.
وقعت عيناي على الكرة السوداء التي خرجت جزئياً من الحقيبة التي ألقيتُها أرضاً في الليلة الماضية. "حتى هذه الكرة الغبية لم تحرك ساكناً.. لقد اعتمدتُ عليها في حمايتي لكني... كنتُ على وشك أن أُحرق حية.."
كوكو.. كووو حلق الطائر اللطيف ووقف على رأسي، ثم ألقى بجناحه على عيني.. استطعتُ أن أشعر بدفئه.. دفء مختلف عن النار التي كادت تشويني؛ كان هذا لطيفاً.. وكأن عقلي كان يحتاج هذه اللمسة البسيطة. استسلمتُ للنوم...
****** نظر الرجل الواقف بجانب السيارة "الجيب" السوداء إلى الساعة في يده اليسرى؛ كانت الساعة تشير إلى الواحدة، ليس ليلاً وإنما وقت الظهيرة حيث كانت الشمس في كبد السماء ساطعة والحر كان في ذروته... نظر إلى جهاز القياس وانتظر قليلاً، لكن المؤشر لم يترنح قليلاً حتى عن الصفر...
"أوف، ما بال هذا الحر في منتصف الشتاء.."
كانت لينا بجواره تلعق قطعة آيس كريم سقطت قطرات منها على يدها لكنها تتبعتها بلسانها.. "يمم، ألا زال لا يوجد إشارة؟" قالت بينما تتذوق آخر قطعة.
"لا شيء."
"هل ربما ينشط فقط في منتصف الليل؟"
"... ربما."
لم يبعد سليمان نظرته عن المؤشر أبداً كما لو أن تحديقه به سيجبره على التحرك.. شيء بداخله لم يكن مقتنعاً بهذا السبب، ولكن لا يوجد سبب آخر يفسر عدم تحرك المؤشر...
"ما رأيك أن نجلس في مقهى قريب وننتظر حتى يخرج؟ لابد أن يخرج من مخبئه في مرحلة ما."
"حسناً."
أومأ ووضع المقياس في جيب بدلته الداخلية وذهبا سوياً، لكن لم يكادا يخطوان خطوتين حتى توقف كلاهما في مكانه.. كان هناك شخص مريب يقترب منهما، يرتدي قبعة وكمامة أخفت ملامحه تماماً، وكأن ذلك الإخفاء لم يكن كافياً، وضع أيضاً قلنسوة على رأسه...
"سيد سليمان..."
عندما خرج الصوت من خلف الكمامة، نظر سليمان ولينا إلى بعضهما بنظرات مفهومة...
"أحتاج المساعدة!"
"و؟ مَن أنت؟" قالت لينا بنبرة ساخرة..
ألقى الشخص نظرة على لينا ولم يرد عليها، وأعاد نظرته إلى الرجل الذي حدق فيه بنظرته الرمادية.. على عكس المرأة الساخرة بجواره.. لم يكن الملثم يعلم ما يدور في ذهن الرجل ذو البدلة..
"إنها أنا..."
وبعد لحظة من التردد، تخلى الشخص الملثم أخيراً عن قناعه...