لو أخبرني أحدهم قبل يومين فقط أنني سآتي بقدمي إليهم، لما كنتُ لأصدق ذلك أبداً. لكن، ها أنا ذا أجلس أمام الاثنين مرة أخرى، أمام نفس كوب القهوة الذي بدأ يبرد تقريباً.

"إذاً، هل كان أوركيد هو أنتِ؟" سأل سليمان بصوته الرخيم وهو يراقب رد فعلي.

"امم.." أومأتُ برأسي في صمت، أشعر بثقل الحقيقة.

"وتقولين إنكِ رأيتِ الكيان المحترق، بل وسمعتِه أيضاً؟".

"امم.." أومأتُ مرة أخرى، كأنني فقدت القدرة على صياغة الجمل.

"لا شك أن الرادار لم يلتقط شيئاً منذ الصباح.. لقد غير الطيف مكانه واختار مضيفاً لنفسه." تنهد سليمان وهو يشرح الأمر. رفعتُ رأسي عند سماع هذه المصطلحات غير المألوفة بالنسبة لي؛ "مضيف"؟ "رادار"؟

"هذا يعني أن ما حدث أمس لم يكن مجرد عدم استقرار في حالة الطيف حيث انتقل من الدرجة البرتقالية إلى الحمراء، وإنما لأنه كان يبتعد!" تحولت نبرة لينا إلى نبرة خطيرة وهي تحاول شرح التعقيد التقني للوضع، لكني لم أفهم شيئاً من هذا الهراء التقني.

"هذا يعني أنه في الدرجة البرتقالية، وربما أعلى.. قد يكون على وشك دخول المنطقة الصفراء، وهذا تطور خطير جداً!" أضاف سليمان بنبرة أشد قسوة وخطورة.

لا زلتُ لا أفهم تلك التصنيفات، لكن الخوف الذي يشع منهما كان كافياً ليفهمني أن الموت يقترب. "ساعداني، لا يمكنني أن أعيش هكذا بعد الآن.. أشعر بالعجز وأرتعد كلما مرّ ظل من جواري". مرّ بذهني كل ما حدث بالأمس؛ منظر السخام، لفح اللهب، وذلك الصوت المبحوح. حاولتُ أن أمنع يدي المتعرقة من الاهتزاز، حاولتُ التماسك أمام نظراتهما الفاحصة.

"إذاً، هل ستنضمين إلينا؟" سأل سليمان مباشرة.

بوزن المزايا والعيوب في عقلي المشتت، لم أرد أن أقحم نفسي في هذه المعمعة في البداية لأني أردتُ تجنب دفع ثمن قد لا أكون قادرة على دفعه.. ولكن.. إن متُّ، لن أستطيع دفع أي شيء على الإطلاق. بإلقاء لمحة على الاثنين أمامي، استطعتُ أن أقول على الأقل إنهما متكيفان مع هذا العالم المظلم جيداً.. على عكسي تماماً، كانا يحكمان على الوضع بهدوء مخيف.

"امم.. إذا انضممتُ، هل ستخبراني كيف أخرج من موقف مثل الذي حدث لي أمس؟ على الأقل، هل تعدانني أنني لن أقف وأشاهد بينما أكاد أُشوى حية؟"

صمت الاثنان فجأة، كأنني ضغطتُ على زر الصامت في الغرفة.

"يا آنسة!" رطمت لينا المنضدة بكفها ووقفت فجأة، لقد أفزعتني حركتها المفاجئة. "أترين هذا السكين هنا؟ استطيع شطر هذا الشيء المشوي إلى نصفين.. لا تقلقي، حتى وإن لم تستطيعي الدفاع عن نفسكِ، سأحميكِ."

لا أعلم إن كان يجب أن تطمئنني كلماتها أم تزيد من رعبي؛ فهي تتحدث عن "الشطر" و"السكاكين" كأنها تتحدث عن تقطيع الخبز. مدت يدها إليّ: "أنا لينا، يسعدني العمل معكِ مستقبلاً"، قالتها بابتسامة مرحبة جعلت وجهها الذي كان يوماً جميلاً، لولا تلك الندبة القبيحة التي تشقه، يبدو مشرقاً بطريقة غريبة.

"سأعلمكِ كل شيء خطوة بخطوة، حتى تكوني قادرة على السير بلا خوف.. لكن، علينا أولاً تجاوز هذه الأزمة الحالية."

"إذاً، متى سأبدأ؟" شعرتُ بالاطمئنان قليلاً؛ فوجود أحد يعاني مثلي بل وقادر أيضاً على تعليمي وحمايتي هو شيء لا يقدر بثمن.. بالطبع أعلم أن لكل شيء مقابلاً، لكن نجاتي أغلى من كل الأثمان.

"الآن." قالها سليمان بكلمة حادة وبكل جدية. تشدد وجهي الذي ارتخى سابقاً.. ماذا قال الآن؟ لابد أنني سمعتُ خطأً. "قلتَ متى؟" أعدتُ عليه السؤال لأتأكد من أنني سمعتُ بشكل صحيح.

"الآن." لقد سمعتُ بشكل صحيح إذاً.. في تلك اللحظة، أردتُ التراجع بشدة.

"ألن.. أقوم ببعض الإجراءات الرسمية؟ تعلم.. عقود وتوقيعات، ضمانات، أشياء مثل هذه؟" حاولتُ التشبث بأي دليل على العالم الواقعي الذي يُدار بالأوراق والأختام وليس بالأطياف والمهام الانتحارية.

"كل هذه شكليات، كما أننا نحتاجكِ حقاً في هذه المهمة." رمق سليمان سواد القهوة أمامه بتعبير قطب فيه حاجبيه، كأنه تذكر شيئاً مزعجاً للغاية..

"مهمة؟ أي مهمة؟" تفاجأتُ وشعرتُ ببرودة تتسلق على ظهري.. لا، لا يعقل! هو لا يقصد الكيان المحترق، أليس كذلك؟! "لقد وافقتُ للتو.. لا أملك حتى حذاءً مناسباً للجري!"

أطلقت لينا ضحكة صاخبة لفتت أنظار جميع العاملين والزبائن في المقهى: "في عالمنا يا عزيزتي، اعترافنا بضعفنا هو عقدنا الوحيد، ونجاتنا المكتوبة بدمائنا هي ختمنا." أخرجت سيفاً أخضر بهالة خضراء مريبة ورفعته عالياً حيث لمع نصله تحت أضواء المقهى.. "بهذه السكين سأشق هذا الوغد المتفحم، لكن سنحتاج إلى اجتذابه للعودة قبل ذلك حتى لا يهرب مجدداً."

لحظة! اجتذابه؟! شحب وجهي تماماً: "تريدون مني.. أن أكون طعماً؟"

تحولت نظرة سليمان الرمادية إليّ، وكلماته التالية جمدت الدم في عروقي: "لن أسميها طعماً، بل تدريباً ميدانياً حيث إننا لا نعلم ما هي قدرتكِ أصلاً.. هذه أسرع طريقة للمعرفة. مريم... أمامكِ خمس دقائق لتودعي حياتكِ الطبيعية، نحن نتحرك الآن."

سقطت ملعقة القهوة من يدي لترتطم بالصحن الخزفي برنين حاد، معلناً تحطم أوهامي بالنجاة السهلة. لم أوقع على أي أوراق أو عقود قانونية بعد، لكني بدأتُ أشعر بالحبل يلتف حول رقبتي بقوة.

"هل يجب أن ندفعها بهذه الطريقة؟" همست لينا بصوت خافت بينما كانا يتجهان إلى السيارة. حاول سليمان تجنب نظرتها: "لم أرد ذلك أيضاً.. لكنهم لن ينتظروا أكثر من ذلك، ولا نحن." ثم ضغط بين حاجبيه وتذكر بمرارة ما حدث ليلة أمس في أروقة المنظمة المظلمة..

"...لا؟" تساءل سليمان بنبرة متفاجئة ومستنكرة.

"لا." أجاب الموظف بنبرة حازمة وهو ينظر من خلف نظارته السميكة. "طلب النقل مرفوض!" ثم ختم الورقة أمامه بختم أحمر بخط عريض: [مرفوض].

"جميع الفرق في مهمة الفئة الزرقاء، لا يوجد إلا الفريق جاما وسيجما." حاول سليمان الحفاظ على هدوئه: "يمكن للفريق سيجما الذهاب إذاً."

"لقد قدم الفريق سيجما شكوى بخصوص دفع مهامكم إليهم في الفترة الأخيرة، تناقش الإدارة الشكوى الآن وهي في طريقها إلى تقرير عقوبة على فريقكم! أنت تدرك معنى كلمة عقوبة في الـ NULL، أليس كذلك؟ لذا، توقف أنت وفريقك عن مطاردة القطط، والتقط مهمة حقيقية."

فتح سليمان فمه ليقول شيئاً، لكن الموظف لم يعطه فرصة: "كما أن فريقكم زاد عضواً، لم تعودوا ثلاثة بعد الآن. هذه المرة... الإدارة تريد رؤية نتيجة ملموسة."

وقف سليمان في الممر المألوف البارد يرمق الورقة المختومة بالرفض بنظرة غير راضية على الإطلاق. كوّم الورقة في يده وألقاها في سلة مهملات بجواره بعنف مكتوم. لم يعد لدى سليمان ما يقوله بعد الآن، وهكذا أصبح مضطراً هو وفريقه، بالإضافة إلى العضو الجديد "مريم"، للقيام بهذه المهمة الانتحارية لإنقاذ ما تبقى من سمعة فريقهم، أو ربما لإنقاذ رقابهم من عقوبة المنظمة التي لا ترحم.

كانت الرياح الباردة تضرب وجهه وهو يخرج من المبنى، بينما كان في عقله شيء واحد سواء كانت طعماً أو شريكة، لم يعد هناك خيار آخر.

2026/03/16 · 7 مشاهدة · 988 كلمة
Supernova
نادي الروايات - 2026