ساد الصمت على الجهة المقابلة من الهاتف، قبل أن يأتي الرد مشحوناً بالاضطراب: "زعيم؟... أنا قادم في الحال!". أغلق الخط مسرعاً واتجه إلى السيارة الرياضية الحمراء، التي هدر محركها بعنف عندما أدار مفتاحها وانطلقت تسابق الزمن وتشق الزحام.. تمتم إلى نفسه وهو يشد على المقود: "سيكون بخير، إنه الزعيم على أي حال!".
"أوركيد؟.. أهذا أنتِ؟"
كان الصوت القادم من خلفي مشابهاً تماماً لصوت الشاب من تلك الليلة المشؤومة، لكنه كان متقطعاً بلهث شديد كأن صاحبه يهرب من حتفه. التفت رأسي بحركة ميكانيكية معطلة، كأن ترساً في عنقي قد فُقد أو تحطم. "كل شيء سيكون بخير، فقط لا تنظري إلى الطيف".. كنتُ أحاول تهدئة نفسي بكلمات فارغة! كان الطيف يقف خلف الشاب في وضح النهار، أكثر مهابة وأكثر رعباً من ذي قبل.
مد الشاب يده التي كانت مسنودة على ركبتيه وهو يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة: "آسف على التأخير لقد واجهني ظرف مفاجئ، هل أحضرتِ الهاتف؟".
"هـ.. ها هو".
شعرتُ بالأكسجين في الجو يحترق من حولي، وشعري! كان شعري يتجعد إلى الداخل مبتعداً عن الحرارة المنبعثة، وبهت لونه البني درجتين إضافيتين تحت تأثير الوهج المريب. كان الطيف المحترق يقترب ولفحه يلفح روحي قبل جلدي.
"أين أنتم؟" تمتمتُ تحت أنفاسي المحبوسة، لكني لم أجد إجابة! هل يعقل أنهم هربوا وتركوني وحيدة أواجه هذا الجحيم؟ عندما كان الكيان يقترب مني أكثر، شعرتُ بضغط رهيب يسحق قدماي المرهقتين أساساً. "هذا مختلف تماماً عن قبل أمس!". إذا كان في ذلك الوقت يستطيع أن يشويني بلمسة، فإنه الآن يستطيع فعل ذلك بنَفَسٍ واحد فقط.
"آهه.." أصبح التنفس أصعب، والرؤية بدأت تضطرب. وفجأة.. نظر المسخ المحترق لأعلى باتجاه مكان ما خلفي، ثم تحرك جسده حركة سريعة بزاوية غير طبيعية حتى أني سمعتُ صوت عظام تتكسر وتتحطم داخله. "ما.. ما الذي يحدث؟". لقد تفادى طلقة سقطت على الرصيف بجوار الشاب مباشرة واخترقت الخرسانة بعمق. هل هذا هو ذلك الشيء؟ كان الشيء الذي تشاجروا على استخدامه هو بندقية قنص!
نظر الشاب إليّ نظرة كأني غدرتُ به، وارتجفت قدماه بينما أسرع هارباً بيأس يبحث عن مخرج.
[لينا، لينا إنه يهرب باتجاه البرج لاحقيه بسرعة!]
نبهني صوت سليمان البارد إلى رحيل الكيان، وفي تلك اللحظة استطعتُ أن ألتقط أنفاسي أخيراً.
[لينا، إنه يتجه إلى الشقة التاسعة في الطابق الثاني! لينا؟ اللعنة!]
لم يكن هناك رد. ماذا حدث لها؟ لا أعلم إن كان مكروهاً قد أصابها، لكن المظهر الذي تشكل أمامي تركني في ذهول لدرجة أنني نسيتُ أمر لينا كلياً.
لقد كان المسخ يتسلق الجدار مرتفعاً ومناوراً بين نوافذ المبنى مثل "سبايدرمان".. لا، بل "سبايدرمان" محترق وخارج من أتون الجحيم. اللعنة، كيف سيتخلصان من هذا الشيء؟ توقف الكيان عند نافذة معينة، وقد كانت بالضبط مثلما قال سليمان؛ نافذة الشقة التاسعة في الطابق الثاني. عندما دخل المسخ مخلفاً وراءه بصمات من السخام المتفحم على طول الجدار واختفى خلف النافذة التي كانت مفتوحة سلفاً، سُمع صوت انفجار هائل هزّ أركان الشارع، تلاه مباشرة صوت طلقتين متتاليتين قادمتين من الشقة، ثم هدأت الأصوات تماماً كأن الموت خيّم هناك.
بينما ارتفع ضجيج آخر في الأسفل؛ كان صياح المارة والهرج والمرج يملأ المكان. بعض الشجعان توقفوا في مكانهم وتساءلوا بفضول، بينما الأغلب ابتعد أقصى ما يمكن عن المبنى الملعون. "هل.. هل انتهى الأمر؟" تمتمتُ بغير تصديق. لكن في تلك اللحظة، لمحتُ انبعاث نيران وظلالاً لأطفال في الشقة، اختفى صوت صراخهم بين صياح الجماهير الهائج.
الجميع وقف في الأسفل مذهولاً؛ البعض نادى والبعض الآخر اتصل برقم الإسعاف، لكن أياً منهم لم يجرؤ على الصعود ومواجهة الدخان. اشتد الدخان المنبثق من النافذة ثانية بعد أخرى.. كل ذلك حدث في ظرف دقيقتين فقط. لم أدرك متى تركتُ قدمي المرهقتين للرياح وانطلقتُ، ولم يكن في بالي غير فكرة واحدة تسيطر على وعيي: "الأطفال، الأطفال!".
استغرقتُ أنفاساً معدودة لأصل إلى الطابق الثاني، وبالرغم من تعثري المتكرر، إلا أنني نجحتُ في الوصول إلى الشقة التاسعة. لحسن حظي، لقد كان الباب مفتوحاً، ولم أكن أدري من فتحه، لكنه لم يكن الوقت المناسب للتفكير المنطقي. كل شيء في الشقة كان عبارة عن فوضى عارمة.. ألسنة النار تعلو وتلتهم كل ما تصل إليه، وصوت طفلين يصرخان بمرارة: "أمي!! أمي انهضي!!".
لم أفكر مرتين، وضعتُ كمي على أنفي وقفزتُ في وسط النيران. "يا أطفال.. كح كح.." كان الدخان هنا سيئاً جداً، مجرد الدخول جعلني أختنق وأشعر بالدوار. "يا أطفا.." ها هم، وجدتهم! لكن.. المشهد هنا كان صعب التصديق! المسخ الذي زين كتفه وصدغه حفرتان دائريتان بحجم الليمونة كان راقداً على الأرض، بينما كان سليمان واقفاً أعلى رأس المسخ مشيراً بسكين حادة.. لم يكن يشير بها إلى المسخ... بل إلى نفسه! ماذا يفعل هذا المجنون؟
"أنت! ماذا تفعل الآن؟! الأطفال.. أنقذهم!" حاولتُ أن أنادي عليه أو أنبهه، لكنه بدا أبعد ما يكون عن كونه واعياً بما حوله. كانت يد سليمان ترتعش وهو يمسك السكين، والحد البارد يلامس جلده مباشرة. خط رفيع من الدم بدأ يظهر على عنقه… وكأن يده لم تعد ملكه، بل يحركها خيط خفي.
كح.. كح انهار أول الطفلين مع سعال عنيف بجوار جسد الأنثى التي لابد أنها والدتهما. لن أستطيع أن أخرج الجميع، فعلى الأقل سأنقذ الطفلين! لم يكن أمامي وقت كافٍ للتفكير في الأخلاق والأولويات؛ أسرعتُ بخطاي إلى حيث كانا، وسحبتُ الطفل الذي أغمي عليه تواً بينما جذبتُ الآخر بعيداً. ظل الآخر يقاومني بكل قوته: "اتركيني.. كح.. لن أذهب لأي مكان بدون أمي! لا!!".
"ارجوك! لنرحل!"
أردتُ أن أقول لنرحل قبل أن يدرك هذا الوحش وجودنا، لكن فحيحاً أشد رعباً من صوت الحريق من حولنا انطلق: "لـ.. ا.. لـ.. ن.. يـ.. خـ.. ر.. ج.. أ.. حـ.. د!". كان صوت فحيح صارخ مختلطاً بالألم الرهيب.. يبدو أن الطلقتين، وإن كانتا لم تجهزا عليه، إلا أنهما أضعفتاه بشدة. مد يده المحترقة نحونا: "لـ... اا". تلك المحاجر جمدتني في مكاني.. كانت متفحمة تنظر إلينا، ليس بغضب ولا بجوع، ولكن بيأس.. يأس محترق يبتلع كل شيء.
شعرتُ أن العالم يدور من حولي، وسقطتُ على ركبتي، لكني لم أترك الطفلين؛ لقد وضعتهما تحتي وقرفصتُ فوقهما، لعل هذا يمنع وصول الدخان والنار إليهما حتى يصل أحدهم لإنقاذنا. توقعتُ أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، لكن رائحة نعناع قوية اخترقت رائحة الرماد والسخام التي غطت رئتي، وبدلاً من النار شعرتُ ببرودة مفاجئة.. برودة منعشة ومريحة تسري في المكان. وآخر ما رأيته هو ظل رشيق يدخل من الباب ويهتف بصوت مألوف: "مريم!". نده اسمي... وانهرتُ في مكاني غائبة عن الوعي.
"هل أنتِ بخير؟"
"امم" أومأتُ للصوت العميق الذي سألني، صوت يبدو وكأنه آتٍ من بئر سحيقة من الحكمة.
"لماذا تبتسمين؟" سأل الصوت بنبرة متعجبة، كأن ابتسامي شيء غير معهود أو مستحيل في هذا الظلام.
"أنا؟" يدي التي تحركت بعكس إرادتي لمست شفتاي وتتبعتهما.. لقد كنتُ أبتسم بالفعل!
"لأنني سعيدة، أشعر بالسعادة!" قهقهتُ مجيبة على الصوت. كنتُ أعلم أن الصوت قادم من جانبي، لكن رغم ذلك لم ألتفت إليه، كنتُ أنظر إلى الفراغ الأبيض الجميل.
"أنتِ كذلك؟ لماذا تشعرين بالسعادة؟" تساءل الصوت كأن شعوري بالسعادة هو أكثر شيء أثار عجبه في هذا الكون.
"لأني.. أنقذتُ أحدهم!"
"إذاً ماذا عني؟" تساءل الصوت، عندها فقط تحرك رأسي بعكس إرادتي مجدداً ونظرتُ إليه. وقعت عيناي على عينين صفراوين لامعتين مع شق عمودي في منتصفهما، كأنهما عينا حيوان مفترس أو تنين قديم.. شعرتُ كأن العينين تسحبانني إليهما بعنف. شعرتُ أنني رأيتُ هاتين العينين من قبل.. كانت مألوفة جداً لروحي.
"هذا يكفي.. [◼️◼️◼️◼️◼️◼️].. حان وقت الاستيقاظ!"