لم اعد اري العالم كما كان قبل دخولي للعيادة ، الان اصبح الممر واسعا كاني في معدة ثعبان ضخم ،ممتد، و ملتوي بشكل يبعث علي الغثيان .
طغت رائحة المعقمات علي رائحة النعناع النفاذة التي لاصقت ذهني من الليلة السابقة و كان المكان كان يحاول تطهيري قسرا.
القيت لمحة علي الروشته في يدي ، كانت انجليزية ، لكنها لم تكن كذلك في نفس الوقت.
كانت الكتابة كانها طلاسم و رموز ، لم استطع قراءتها ولا فهمها .
لكن.. علي الاقل لم اعد ... وحيدة .
نظرت الي البقعة السوداء الساكنة علي البلاط الابيض لارضية الممر .
شئ قبيح يعكر صفو المكان ، شئ قبيح بحجم راس البالغ .
'كيف لا يري اي شخص هذا الشئ؟'
نظرت حولي الي الجالسين في ملحق الانتظار . لايبدو ان هناك اي شئ شاذ ، او جاذب للانظار .
غرقت اظافري في راحتي ، و كذلك قلبي .
' هذا حقيقي جدا ليكون هلاوس'
'ساثبت للجميع ... انا لست...'
بحركة مفاجئة و خطوة سريعة ، التقطت الكرة الزغبية .
كنت اريد ان القيها علي كل الموجودين ، و اصرخ باعلي صوتي ان هذا ليس اوهام ،هذا حقيقي.
لكن لم استطع ،
بمجرد ان لمست يداي الكرة ،
حتي سري في جسدي سيل مثل كهرباء بداية من يدي .
ممتزجا مع شعور مقرف بملمس شعر كثيف بلا قاع ولا ارضية.
كان يدي تغطس في رمال متحركة ، لكن بدلا من الرمال كانت بركة من الشعر المتشابك .
سقطت الكرة من يدي ببساطة علي الارضية حيث كانت من قبل .
اما انا فقد اصبح سيل الكهرباء ، صداعا يفتك براسي.
' جنون ! كل هذا غير حقيقي؟'
تفاجأ المحيطين بالحركة المفاجئة ، لكن .. لم تكن نظرة الي شئ غريب اسود بجواري علي الارض .
كانت نظرة موجهة الي ... كنت انا الشئ الغريب .
اغلق الباب و سمعت وقع اقدام خلفي .
عاد والداي بنظرة لا تختلف عن وجوه المحيطين
" لنعد" قالاها باختصار .
. قبل ان نعود الي المنزل ، توقفنا عند صيدلية نفك منها الطلاسم و الرموز التي دونت علي الروشتة في الطريق .
طوال الطريق لم يتحدث احدنا الي الاخر.
كان الصمت رفيقنا الرابع ، او الخامس بالنسبة لي .
قبل ان اعلم بحالتي حتي لم تظهر الكرة الا مرتين طوال اربعة ايام . الان، و بعد ان علمت بحقيقة جنوني ، اصبحت ترافقني في كل مكان اذهب اليه .
اردت الهروب ..
لردت ان اعود كما كنت ..
مثل الجميع.
تحركت يدي تلقائيا لتدير شيئا غير موجود ، كانت مجرد عادة قديمة .
منذ صغري ،اعتدت عندما اصاب بالاحباط و الخوف ان ادير السبينر خاصتي .
لكن كل تلك الاحداث انستني اياه .
'اذا لم يهدئني تدويرها ، فلا بد ان تفعل الحبوب '
التقطت زجاجة مياه كانت موجودة في السيارة و افرغت ثلاث حبات من كل نوع و افرغتها في فمي ، افرغت معها المرارة التي حملها قلبي .
اغمضت عيني ، حاولت ان انسي واقعي . و لكن دون ان ادري نمت في مكاني ، حلمت ان حياتي عادت كما كانت قبل الثلاث سنوات .
لكن للاسف كان الحلم لا شئ اكثر من حلم .
وصلنا الي المنزل لكني لم اشعر هذه المرة بفرحة العودة شعرت بالاختناق.
فركت رقبتي قليلا و دخلت غرفتي و لم اتبادل كلمة واحدة حتي مع عائلتي .
و لم ار شعرة من الكرة الملعونة.
اغلقت باب غرفتي ...
و كانت فرصتي ان اخلو بنفسي
...و ابكي
لا اعلم كم مضي من الوقت و انا ابكي ساعة .. ساعتين.
لكن الاختناق في حلقي لم يخف و لو قليلا .
كنت انظر الي سقف الغرفة شغل بالي فكرة واحدة ،
لماذا لم تختف رائحة النعناع من غرفتي ؟ ، لقد اصبحت الرائحة مزعجة لا تطاق.
لكن لماذا اشعر اني نسيت شيئا ؟ ،شئ الح في بالي ، غير ان ابحث عن السبينر خاصتي ، لكني لم اتذكر .
' ماذا نسيت؟'
..
'اجل، نها!'
. التقطت هاتفي، و بحثت عن اسم نها بلهفة .
لقد كنت ابحث عن شئ اخر آلفه شئ من الماضي ، مضي الرنين فوق الرنين و كل رنه تجعلني اكثر لهفه .
-"..مرحبا؟"
وضعت يدي علي فمي كاتمة النشيج الخارج مني .
"نها... انها انا مريم .."
لكني لم استطع ان اكتم صوت النشيج عندما تحدثت.
-"مريم! كيف حالك ، لالا هل انت بخير؟"
لقد سمعت شهقة متفاجئة من الجانب الاخر للهاتف و لهفة لا تقل عن لهفتي.
-"لقد اتصلت العمة بي من اربعة ايام ، اخبرتني انك ستحدثينني عندما تخرجين ،هل انت في المنزل الان ؟، لماذا تبكين انت بخير ؟"
لم استطع ان اكتم بكائي اكثر من ذلك في كل كلمة تحدثني بها اتذكر الماضي ، لقد اشتقت اليها.
لقد كان الامر بالنسبة لي مجرد اربعة ايام ..
ماذا كان هذا الوقت بالنسبة بها؟ ... اربعه ايام مضاف اليها ثلاث سنوات بلا رؤية .
لك استطع ان اوقف نفسي، لم يختف شعور الاختناق كذلك بل ازداد .
"لست بخير... انا لست كذلك ابدا "
و انفجرت بالنشيج و البكاء ، من اين اتت كل هذه الدموع؟
و من اين اتت رائحة النعناع المزعجة هذه ؟.
نظرت الي مكان فراش هدي الذي كان مرتبا تماما و اتجهت اليه لكن ... لم يكن هو مصدر الرائحة .
-"لا تبك ارجوك يا مريم ، اهدئي و اخبريني ماذا بك"
اتجهت الي حيث كانت الرائحة تبلغ
ذروتها ،
و كانت قادمة من اسفل مكتبي مباشرة ...
" نها...ساعديني!"
....