الفصل العاشر : مورفيند فالتير

​في زاوية الغرفة الفاخرة، حيث كان الصمت لا يُقطع إلا بصوت تنفس الطفلين المتقطع والمرتجف، جلس مورفيند فالتير على كرسيه الجلدي.

كان يراقب كايل وفيكتور وهما متكوران على نفسيهما في أقصى زاوية من السرير الشاسع، يرفضان النوم، ويرفضان حتى إغلاق أعينهما خوفاً من أن يتحول هذا القصر إلى ذلك المختبر ذي الضوء الأحمر بمجرد أن يغفوا.

​كان قلب مورفيند، الذي خاض معارك طاحنة ضد غيلان من الرتبة B وعاش ليروي الحكاية، يعتصر بألم لم يعهده من قبل. ألم العجز.

​أشعل غليونه الخشبي ببطء، ونفث سحابة من الدخان الرمادي ذي الرائحة العطرة في الهواء، محاولاً تهدئة أعصابه المشتعلة.

نظر إلى النافذة التي لا تزال تضربها حبات المطر، وسرح بفكره نحو الجحيم الذي انتشل هذين الطفلين منه... وإلى الشخص الذي جعله يدرك وجود ذلك الجحيم في المقام الأول.

​"ما الذي سيحل بكِ الآن... يا كايلا؟" همس مورفيند في نفسه، وعيناه تلمعان بحزن عميق.

​تذكر ذلك اللقاء السري قبل أسبوعين.

في زقاق خلفي ومظلم بقطاع فقير، وقفت أمامه شابة تبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، ترتدي معطفاً باهتاً وتتلفت حولها برعب حيوان مطارد.

كانت كايلا، المربية في ميتم "أمل الفجر".

لم تكن تبحث عن مال، ولم تكن تطلب حماية لنفسها.

سقطت على ركبتيها في الطين أمام صياد من الرتبة B، وأمسكت بمعطفه وهي تبكي بحرقة مزقت كبرياءها.

​أخبرته بكل شيء.

عن المختبر السري تحت الميتم.

عن التجارب البيولوجية البشعة.

عن السائل الأخضر، وعن الأطفال الذين يدخلون من باب التبني ليخرجوا في أكياس سوداء مقطعة.

ترجته، بل توسلت إليه كأم تحتضر، أن يتدخل لإنقاذ طفلين محددين: كايل وفيكتور.

​"سيكملان عامهما الخامس بعد أسبوع يا سيدي،" كانت كايلا قد قالت بصوت يختنق بالدموع.

"العام الخامس هو السن المثالي لدمج نوى الوحوش في أجسادهم الغضة. إنهم يجهزونهم للحصاد. أرجوك، أرجوك... خذهما! ادفع أي مبلغ، استخدم نفوذك، لكن لا تدعهما يصلان إلى ذلك اليوم!"

​عندما سمع مورفيند قصتها، استشاط غضباً لدرجة أن هالته كادت تدمر الزقاق.

صياد من الرتبة B يمتلك ثروة ونفوذاً لا بأس بهما.

عاد إلى قصره، وفي صباح اليوم التالي، أمر بتجهيز فريق من المحققين التابعين لنقابته لتفتيش ذلك "الميتم" الذي لم يكن سوى منجم لحم بشري.

كان ينوي اقتحام المكان وتسويته بالأرض.

​لكن... الرد الذي تلقاه كان كصفعة باردة من كيان لا يُقهر.

​"الحكومة رفضت."

​تذكر مورفيند كيف وقف أمامه مبعوث من الاستخبارات السحرية ببدلته الأنيقة ونظارته السوداء، سلمه وثيقة رسمية مختومة بختم القيادة العليا.

الوثيقة لم ترفض التفتيش فحسب، بل منعته منعاً باتاً من الاقتراب من الميتم بأي صفة رسمية.

وعندما طالب مورفيند بتبني جميع الأطفال لإنقاذهم، ابتسم المبعوث ببرود قاتل وقال:

"المادة 14 من قانون الرعاية، يا سيد فالتير: يُمنع أي صياد من الرتبة C فما فوق من تبني أكثر من طفلين. نحن لا نريد منكم بناء جيوش خاصة من الموقظين الصغار. إذا تم اكتشاف أنك تبنيت طفلاً ثالثاً، أو حتى أمرت أحداً من أتباعك بالتبني بالنيابة عنك، فسيتم اقتحام قصرك، استعادة الأطفال جميعاً، وتغريمك وتجريدك من رتبتك النقابية."

​أدرك مورفيند في تلك اللحظة الحقيقة المرة.

الحكومة لم تكن تجهل ما يحدث في ميتم "أمل الفجر". الحكومة كانت متواطئة! الاستخبارات السحرية، النقابات الكبرى، والقيادة العليا... كلهم كانوا جزءاً من هذه الآلة الشيطانية التي تطحن عظام الأطفال لصنع وحوش معدلة.

​لم يكن بمقدور مورفيند، وهو مجرد صياد من الرتبة B، أن يعلن الحرب على حكومة تديرها وحوش من الرتبتين S و SS. كان هذا انتحاراً سيؤدي إلى مقتل كايل وفيكتور أيضاً.

​لذا، ابتلع كبرياءه، واستخدم الحد الأقصى المسموح له: طفلين فقط.

​"كايلا... أيتها الشجاعة،" تمتم مورفيند وهو يطفيء غليونه.

"أتمنى من كل قلبي أن تكوني بخير. أرجو أن يغفر لي الرب أنني تركت باقي الأطفال هناك..."

​لكنه لم يكن ينوي الاستسلام.

كان يخطط في الظلام.

سيدفع لعشرات الأشخاص العاديين الذين لا تربطهم به صلة رسمية.

سيشتري عشرات البيوت بأسماء وهمية، وسيجعلهم يتبنون الأطفال واحداً تلو الآخر.

ستأخذ الخطة وقتاً، وستحتاج إلى حذر شديد حتى لا تكتشفه الاستخبارات، لكنه سيفعلها.

كان فقط يدعو الله أن تنجح خطته قبل أن يتم تفريغ الميتم بالكامل.

​نهض مورفيند من كرسيه، وتقدم ببطء نحو السرير حيث يرتجف الطفلان.

​كان هذا هو التحدي الأكبر.

لم يكن قتال الوحوش، بل إثبات إنسانيته لهذين الكائنين المحطمين.

...

...

...

​لم تكن الأيام والأسابيع الأولى في قصر فالتير بمثابة قصة خيالية سعيدة.

كانت حرباً نفسية طاحنة.

​كايل وفيكتور لم يريا في فخامة القصر سوى قفص ذهبي.

في الأيام الأولى، رفضا تناول الطعام تماماً.

كانا يعتقدان أن اللحم المشوي والحساء الدافئ مليء بالسموم، أو أنه "غذاء تسمين" قبل أن يتم أخذهما إلى المختبر.

كانا يجلسان في زاوية الغرفة، يتبولان على نفسيهما من شدة الرعب كلما فُتح الباب.

​أمر مورفيند بصرف جميع الخدم من هذا الجناح.

لم يسمح لأي شخص بالاقتراب منهما سواه.

​في اليوم الرابع من إضرابهما عن الطعام، دخل مورفيند الغرفة يحمل صينية طعام.

لم يضعه أمامهما.

بدلاً من ذلك، جلس على الأرضية الخشبية بعيداً عنهما، وأخذ ملعقة من الحساء وتناولها.

ثم قطع قطعة من اللحم وأكلها.

استمر في الأكل بهدوء، وهو يقرأ كتاباً، متجاهلاً إياهما تماماً.

فعل ذلك في الفطور، والغداء، والعشاء.

​في اليوم السادس، عندما كان الجوع ينهش أمعاءهما الصغيرة، زحف فيكتور ببطء شديد، وهو يرتجف كعصفور مبلل، نحو الصينية التي تركها مورفيند على الأرض.

أخذ قطعة خبز صغيرة، وعاد بسرعة البرق إلى حضن كايل. تقاسما القطعة بصمت.

​كان مورفيند يراقب من خلف الباب الموارب، ودموعه تنهمر بصمت.

كانت تلك هي الخطوة الأولى.

​توالت الخطوات، وكانت كل واحدة أصعب من سابقتها.

كان الطفلان يخافان من الاستحمام خوفاً من أن يتحول الماء إلى السائل الأخضر الذي غرقت فيه سيرين.

فكان مورفيند يملأ الحوض بماء دافئ، ويجلس بجانبه يقرأ لهما قصصاً عن أبطال شجعان وأراضٍ بعيدة، حتى أدركا أن الماء مجرد ماء.

​لم يجبرهما على النوم في السرير أبداً. عندما لاحظ أنهما يفضلان النوم على الأرضية الصلبة تحت السرير (لأنها تذكرهما بأرضية المهجع وتشعرهما بالأمان المألوف)، أحضر مورفيند بطانيات سميكة ونام هو الآخر على الأرض بالقرب منهما.

أراد أن يرسل لهما رسالة واحدة: "أنتم لستم وحدكما في الظلام بعد الآن."

​بطيئاً، وبصبر أبوي، بدأ الجليد يذوب.

​أول من تحدث كان فيكتور.

في الشهر الرابع، بينما كان مورفيند يصلح لعبة خشبية مكسورة، اقترب منه فيكتور ببطء، ولمس كمه، وهمس بصوت خجول ومكسور: "هل... هل ستكسرها مجدداً؟"

ابتسم مورفيند بحنان وقال: "لا، يا بني. بعض الأشياء تنكسر، لكن أيدينا خُلقت لنصلحها، لا لندمرها."

​كايل كان الأصعب.

عقله الصغير كان قد حفر صورة إدغار الممزق عميقاً.

كان يراقب مورفيند بعينيه القرمزيتين بحذر شديد، يحلل كل حركة، يتوقع الخيانة في أي لحظة.

لكن الدفء المستمر، والصدق في عيني العجوز، والوجبات الدافئة التي لا يعقبها ألم... كل هذا بدأ يرمم جدران روحه المنهارة.

...

...

...

​بحلول عامهما السابع، كان التغيير جذرياً.

القصر الذي كان مرعباً أصبح ملعباً لهما.

​في أحد أيام الربيع الدافئة، أخذ مورفيند كايل وفيكتور إلى الحديقة الشاسعة خلف القصر.

كانت الشمس تشرق بذهبية دافئة، والزهور تتفتح في كل مكان.

كان الطفلان يرتديان ملابس نظيفة ومريحة، وبدأ اللحم يكسو عظامهما النحيلة، وعادت الحياة تتدفق في وجوههما.

​جلس مورفيند على مقعد خشبي تحت شجرة بلوط ضخمة، وأجلسهما بجانبه.

​"كايل، فيكتور،" بدأ مورفيند بصوته العميق والدافئ.

"هل تعرفان ما معنى كلمة 'عائلة'؟"

​نظر فيكتور إلى كايل، ثم هزا رأسيهما بالنفي.

في الميتم، لم تكن هذه الكلمة موجودة.

​وضع مورفيند يده اليمنى الضخمة على كتف فيكتور، ويده اليسرى على كتف كايل.

​"العائلة ليست فقط بالدم. العائلة هي الدرع الذي يقف بينك وبين قسوة هذا العالم. هي المكان الذي لا تضطر فيه للخوف من إغلاق عينيك. لقد عشت طوال حياتي وحيداً، أقاتل الوحوش، وأجمع ثروة لم أجد من أشاركها معه. لكنكما... أنتما أعطيتماني سبباً للحياة."

​أخرج مورفيند من جيب معطفه وثيقتين رسميتين، عليهما ختم ذهبي براق.

​"من اليوم، أنتما لستما أرقاماً، ولستما بضاعة. من اليوم، أنتما تحملان اسمي. أنتما 'كايل فالتير' و 'فيكتور فالتير'. أنتما أبنائي، وهذا القصر هو مملكتكما، وأنا سأكون سيفكما الذي يقطع أي وحش يجرؤ على إخافتكما."

​اتسعت عينا كايل القرمزيتان. "فالتير؟" تمتم بالكلمة وكأنه يتذوق سحراً جديداً.

"أنا... كايل فالتير؟"

​"نعم يا ولدي،" ابتسم مورفيند.

​لم يقل كايل شيئاً آخر. اندفع فجأة نحو مورفيند، ودفن وجهه الصغير في صدر العجوز، ولف ذراعيه حول عنقه.

بدأ يبكي. لكن هذه المرة، لم يكن بكاءً صامتاً، ولم يكن بكاء رعب.

كان بكاءً عالياً، طفولياً، صافياً.

كان يبكي كل الآلام التي كتمها، كل الرعب الذي عاشه في الميتم، ويبكي من فرط الراحة.

​فيكتور انضم إليهما، يعانق مورفيند من الجهة الأخرى ويبكي أيضاً.

​في تلك اللحظة، تحت شجرة البلوط، وُلدت عائلة فالتير.

رماد الماضي لم يُمحَ تماماً، لكن تم بناء قلعة من الدفء فوقه.

​مرت السنوات كطيف جميل محا الكثير من قسوة الماضي، لكنه لم يمحُ الندوب.

​كبر كايل وفيكتور ليصبحا مراهقين يافعين. مورفيند لم يبخل عليهما بشيء.

أحضر لهما أفضل المعلمين في المنزل، درسا التاريخ، والعلوم، والأهم من ذلك: درسا كل شيء عن الوحوش، البوابات، والإيترا.

​مورفيند كصياد من الرتبة B كان يمتلك سعة إيترا محترمة جداً، وبدأ في تدريبهما بدنياً.

كان يجعلهما يركضان في الحديقة، يرفعان الأثقال الخفيفة، ويتعلمان الفنون القتالية الأساسية للدفاع عن النفس.

​كان الاختلاف بين شخصيتيهما قد أصبح واضحاً كالشمس والقمر.

​فيكتور (الذي بلغ الخامسة عشرة)، أصبح شاباً مليئاً بالحيوية والطاقة.

شعره الأشقر ازداد بريقاً، وابتسامته الواسعة كانت تضيء القصر.

كان شجاعاً، متفائلاً، ويحلم بأن يوقظ إيترا قوية ليصبح صياداً عظيماً مثل والده بالتبني مورفيند، ليحمي الضعفاء ويمنع حدوث مآسٍ كالتي عاشوها.

​أما كايل (15 عاماً أيضاً)، فقد كان هادئاً، متأملاً، وربما... حذراً أكثر من اللازم.

عيناه القرمزيتان كانتا تحملان ذكاءً حاداً وعمقاً مخيفاً.

كان يقرأ كثيراً، ويحلل كل ما يراه.

رغم حبه العميق لفيكتور ومورفيند، إلا أنه كان لا يزال يمتلك تلك النظرة المظلمة في عينيه أحياناً.

نظرة شخص يعلم أن العالم مكان متعفن، وأن السلام الذي يعيشونه الآن هو استثناء وليس قاعدة.

كايل كان يخطط في صمت، يقرأ القوانين، ويحلم بالانضمام يوماً ما إلى الاستخبارات السحرية (FBI) ليس حباً فيهم، بل ليخترقهم من الداخل، ليفتح ملفات ميتم "أمل الفجر"، وليعرف ما حل بـ كايلا وسيرين، ولينتقم لإدغار.

​مورفيند كان يرى هذا الظلام في كايل، وكان يحاول دائماً غمره بالحب والنصائح، لكي لا يبتلعه حقده.

​لقد كانت سنوات مليئة بالضحك، بتعلم ركوب الدراجات، بالاحتفال بأعياد الميلاد التي لم يعتادوا عليها، وبالجلوس ليلاً حول المدفأة (رغم توتر كايل الخفيف من النار المشتعلة، والذي كان مورفيند يلاحظه فيطفئها أحياناً بحجة الدفء الزائد).

​كانوا سعداء. كانوا عائلة حقيقية.

...

...

...

​في عالم إيليزيوم، عندما يبلغ الشخص سن الخامسة عشرة، يخضع لاختبار "الإيقاظ".

وهو يوم يحدد مصير الإنسان؛ فإما أن توقظ سعة إيترا وتصبح من المستيقظين، أو تظل بشرياً عادياً (مما يعني العيش في الطبقات الدنيا كعامل كادح).

​كان اليوم هو عيد ميلادهما الخامس عشر.

​أخذهم مورفيند بسيارته الفارهة إلى مركز الإيقاظ والنقابات في القطاع الأوسط.

كان المركز عبارة عن قبة زجاجية ضخمة مليئة بالتكنولوجيا السحرية.

​كان التوتر يسيطر على كايل وفيكتور. وقفا في الطابور الطويل، أيديهما تتعرق.

​"لا تقلقا،" قال مورفيند وهو يربت على ظهريهما.

"حتى لو لم توقظا أي إيترا، أنتما أبنائي. ثروتي تكفي لتعيشا كملوك حتى نهاية أعماركما. القوة ليست كل شيء."

​لكن كايل كان يريد القوة.

كان يحتاجها ليحقق هدفه.

​حان دور فيكتور أولاً.

تقدم الشاب الأشقر، ووضع يده على البلورة السحرية الضخمة في وسط القاعة. أغمض عينيه.

​ثوانٍ قليلة، ثم أضاءت البلورة بوهج أزرق ساطع وقوي جداً، أضاء وجوه الحاضرين في القاعة.

​صوت الآلة تردد في المكان:

[الاسم: فيكتور فالتير. النتيجة: مستيقظ. سعة الإيترا الأولية: الرتبة E (قابلة للتطور السريع). التخصص المحتمل: قتال قريب.]

​"الرتبة E كبداية؟!" همس أحد الموظفين بصدمة.

"هذا عبقري! معظم المبتدئين يبدأون من J أو H. سيكون له مستقبل باهر!"

​قفز فيكتور في الهواء بسعادة عارمة، وركض ليعانق مورفيند بقوة..

"لقد فعلتها يا أبي! أنا صياد!"

​"أنا فخور بك جداً يا بني!" ضحك مورفيند بصوت عالٍ، وعيناه تدمعان من الفرح.

​التفت فيكتور نحو كايل، ورفع إبهامه.

"دورك يا أخي! أنا متأكد أنك ستكون أقوى مني!"

​تقدم كايل ببطء. كان قلبه يدق بعنف.

بلع ريقه، ونظر إلى البلورة التي لا تزال دافئة من طاقة فيكتور.

رفع يده المرتجفة قليلاً، ووضعها على السطح الزجاجي البارد.

​أغمض عينيه القرمزيتين، وتمنى من كل قلبه أن تمنحه الحياة فرصة. فرصة ليكون قوياً.

​مرت ثانية... ثانيتان... خمس ثوانٍ.

​البلورة لم تضيء بوهج أزرق. بل صدر منها نبض خافت جداً، باهت لدرجة تكاد لا تُرى، بلون رمادي مريض.

​صوت الآلة تردد، لكنه كان خالياً من أي حماس:

[الاسم: كايل فالتير. النتيجة: مستيقظ. سعة الإيترا الأولية: الرتبة J (الحد الأدنى للقياس). التخصص المحتمل: غير محدد / دعم ضعيف.]

​همهمات الشفقة والسخرية سرت بين الحاضرين في القاعة.

"رتبة J؟ يا للأسف. بالكاد يستطيع إشعال عود ثقاب بتلك الطاقة."

"أخوه كان عبقرياً، ويبدو أنه أخذ كل الموهبة الجينية."

​فتح كايل عينيه. نظر إلى الحرف "J" المعروض على الشاشة الهولوغرامية. شعر ببرودة تسري في عروقه.

رتبة J؟ أدنى مرتبة في الوجود؟ القاع المطلق؟

​شعر بالإحباط يعتصر قلبه.

عاد كل الظلام الذي كان يخشاه ليطفو على السطح.

كيف سينتقم؟ كيف سيدخل الاستخبارات برتبة لا تكفي حتى لقتل فأر زنزانات؟ أنزل رأسه، وشعر بدمعة خذلان تتشكل في عينيه.

​لكن قبل أن تسقط الدمعة، شعر بذراعين ضخمتين تلتفان حوله.

​كان مورفيند. لقد ركض العجوز نحو المنصة، واحتضن كايل بقوة وعاطفة صادقة.

​"مبارك يا ولدي! مبارك!" صرخ مورفيند بصوت جهوري أسكت كل الهمهمات الساخرة في القاعة.

​رفع كايل رأسه بذهول.

"أبي... لكنني... رتبة J. أنا ضعيف جداً."

​وضع مورفيند يديه على خدي كايل، ونظر مباشرة إلى عينيه القرمزيتين.

كانت عينا العجوز تفيضان بالحب والفخر الذي لا تشوبه شائبة.

​"ضعيف؟ أنت مستيقظ يا كايل! أنت تملك الإيترا!

لقد كُسرت قوقعة بشريتك وأصبحت تنتمي لعالم جديد! الرتبة J تعني أن لديك مساحة لا نهائية للتطور. تذكر ما قلته لك: الضعف الحقيقي ليس في سعة الإيترا، بل في سعة القلب. وأنت تملك أشجع قلب رأيته في حياتي."

​انضم فيكتور إليهما، واحتضن كايل من الخلف ضاحكاً.

"أبي محق يا كايل! أنت مستيقظ! سنكون فريقاً مذهلاً! أنا سأكون السيف، وأنت ستكون العقل المدبر! سنغزو الزنزانات معاً!"

​نظر كايل إلى وجهيهما.

لم يرَ ذرة من خيبة الأمل.

رأى فقط فرحة خالصة لأنه أصبح جزءاً من عالمهم السحري، بغض النظر عن مدى ضعفه.

​تلك اللحظة... تلك الكلمات... أذابت كل الإحباط في قلب كايل.

ابتسم ابتسامة حقيقية، واسعة، وانهمرت دموعه، لكنها كانت دموع فرح.

​في تلك الليلة، أقام مورفيند فالتير مأدبة عشاء ضخمة في القصر.

أمر الخدم بإعداد أشهى الأطباق.

كانت الموسيقى تعزف،

والضحكات تملأ الأرجاء.

كايل وفيكتور كانا يركضان في الحديقة، يختبران طاقتهما الجديدة.

فيكتور كان يستطيع كسر صخرة صغيرة بضربة، بينما كايل كان بالكاد يستطيع جعل ورقة شجر ترتفع عن الأرض لبضع ثوانٍ.

لكنهما كانا يضحكان بشدة.

​كانت تلك الليلة هي ذروة السعادة.

كانت القمة التي وصل إليها كايل بعد أن صعد من هاوية الميتم.

كان يشعر أخيراً أن الحياة قد صالحته، وأن الماضي قد مات.

​كم كان مخطئاً.

2026/04/18 · 54 مشاهدة · 2300 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026