الفصل التاسع: الميتم (3)

​الدموع كانت تتساقط.

لم تكن دموعاً عادية، بل كانت قطرات من الروح تتحطم وتذوب على وجوههم الصغيرة.

​في تلك اللحظة، أمام النافذة الزجاجية ذات الضوء الأحمر الكابوسي، كان كايل وفيكتور يمتلكان أفواهاً، لكنهما لم يمتلكا أصواتاً.

لم تكن يد كايلا المرتجفة والمثلجة التي أطبقت على شفتيهما هي ما منعهما من الصراخ. لا.

حتى لو أبعدت كايلا يديها، لما خرج منهما سوى هواء ميت.

​حناجرهما كانت مشلولة.

حبالهما الصوتية تقطعت بفعل صدمة تتجاوز قدرة العقل البشري، ناهيك عن عقل طفل في الرابعة من عمره، على المعالجة.

لقد انكسر شيء أساسي وجوهري داخل جماجمهم.

كيف تصرخ عندما تدرك أن العالم الذي تعيش فيه ليس سوى مسلخ؟

كيف تصرخ وعين صديقك إدغار المقتلعة والمحتقنة بالدماء لا تزال مطبوعة على شبكية عينك كوشم من الجحيم؟

وكيف تبكي بصوت عالٍ بينما جسد سيرين الصغير ينتفض داخل سائل أخضر لزج كعينة بيولوجية رخيصة؟

​شعرا بقوة سحب من الخلف.

​كانت كايلا تسحبهما بقوة يائسة ومجنونة، خطواتها تتراجع للخلف في الممر المظلم، بعيداً عن باب المختبر.

كان تنفسها حاداً، متقطعاً، ويشبه حشرجة حيوان محاصر.

سحبتهما عبر الممر الخرساني الطويل، والأطفال كانا كدمى قماشية ميتة، أقدامهما الحافية تنجر على الأرضية الباردة دون أي مقاومة، وعيونهما شاخصة في الفراغ، لا ترمشان، ولا تريان سوى اللون الأحمر، واللحم المذاب، والعين المتدلية.

​دفعتهما كايلا خارج الباب الحديدي الثقيل، وخرجوا جميعاً إلى الساحة الخلفية للميتم.

​كلاااك!

​أغلقت كايلا الباب خلفهم بقوة، وسندت ظهرها إليه، إنزلقت ببطء حتى جلست على الأرضية الموحلة.

المطر كان لا يزال يتساقط بخفة، رذاذاً بارداً يغسل الوجوه، لكنه لم يغسل الرعب.

​أفلتت كايلا أفواههما، وأمسكت بأكتافهما الصغيرة، تهزهما بعنف امتزج بالذعر المطلق.

​"ما الذي تفعلانه هنا بحق الجحيم؟!"

صرخت كايلا بهمس مبحوح، ودموعها تختلط بماء المطر على وجهها الشاحب.

"كيف خرجتما؟! لماذا لم تستمعا إليّ؟ ألم أخبركما ألا تفتحا أعينكما أبدًا؟!"

​لكن كايل وفيكتور لم يجيبا.

​لم يستوعبا أي كلمة مما قالته.

كانا ينظران إليها، لكنهما كانا ينظران "عبرها".

الدموع كانت تنهمر من عيني كايل القرمزيتين وعيني فيكتور الزرقاوين بغزارة صامتة، مرعبة، وخالية من أي تعبير طفولي.

أجسادهما كانت تنتفض في تشنجات لا إرادية قوية، أسنانهم تصطك ببعضها البعض، وأيديهم الصغيرة متيبسة كالمخالب.

لم يكونا يبكيان كأطفال فقدوا لعبتهم؛ كانا يبكيان كبشر أدركوا للتو أنهم يقفون في طابور الإعدام.

​رؤية الأطفال بهذه الحالة المحطمة، الشاخصة، الميتة من الداخل، مزقت ما تبقى من قلب كايلا.

انهارت المربية الشابة تماماً.

زحفت في الوحل، وجذبت الطفلين معاً إلى صدرها، تحتضنهما بقوة كادت تسحق أضلاعهما الصغيرة.

​خبأت رأسيهما في معطفها المبلل، وبدأت تبكي بنحيب صامت يمزق الصدر.

​"أنا آسفة... يا إلهي، أنا آسفة جداً..." همست كايلا وهي تقبل رأسيهما المبللين مراراً وتكراراً، وجسدها يرتجف معهما في الوحل والبرد.

"لم يكن يجب أن تريا هذا. كان يجب أن أحميكما بشكل أفضل... لن أسمح لهم! تسمعانني؟ أقسم بحياتي، لن أسمح لأي أحد في هذا المكان الملعون أن يمسكما بسوء. سأخرجكما من هنا... سأجد طريقة..."

​لكن كلماتها كانت كرماد يُنثر في مهب الريح.

بالنسبة لكايل وفيكتور، العالم قد انتهى بالفعل خلف ذلك الباب الزجاجي.

...

...

...

​- بعد مرور يومين -

​يومان كاملان مرا على تلك الليلة الكابوسية. يومان كانا أثقل من قرن من الزمان.

​لم يتخطيا الأمر.

لم يقتربا حتى من حافة التخطي. كانا كالأشباح التي تسكن أجساداً صغيرة.

​في قاعة الطعام، كان كايل يجلس محدقاً في وعاء حساء الشوفان.

لم يعد يرى طعاماً.

كان يرى قوام السائل، لونه الباهت، ويتذكر السائل الأخضر الذي كانت تطفو فيه سيرين.

كان يرى فقاعة هواء تطفو على سطح الحساء وتنفجر، فيتخيلها عين إدغار المقتلعة.

كان يتقيأ عصارة معدته الخاوية كلما حاولت إحدى المربيات إطعامه.

​فيكتور، الطفل الذي كان شعلة من النشاط والابتسامات، تحول إلى تمثال يرتجف في الزاوية.

لم يعد يتحدث.

كان يضم ركبتيه إلى صدره طوال الوقت، يغطي أذنيه بيديه الصغيرتين بقوة حتى تبيض مفاصله، كأنه يحاول منع صوت صرير ذلك الباب الخشبي من التردد في جمجمته.

​كلما اقترب الليل، كان الرعب يصل إلى ذروة الجنون.

كانا يتبولان على نفسيهما من فرط الخوف بمجرد انطفاء الأنوار.

أي ظل يتحرك على الجدار كان يبدو لهما كأنه مديرة الميتم تحمل مشرطاً جراحياً.

أي همسة أو صوت حذاء كان يعني أن دورهم قد حان ليتم شق صدورهم ووضع تلك الأسلاك البشعة في قلوبهم.

​وفي صباح اليوم الثالث، حدث ما كانا يرتعبان منه.

​كانا يجلسان في زاوية الفناء الداخلي، متقوقعين على نفسيهما كحشرتين تنتظران سحق حذاء ضخم.

وفجأة، سُمع صوت طرق كعب حذاء حاد على البلاط.

​طقطق... طقطق... طقطق...

​تجمد الدم في عروق كايل.

عرف هذا الصوت. إنه صوت خطوات الموت.

​ظهرت "السيدة غريس"، مديرة الميتم، في الفناء.

فستانها الأسود الصارم، وشعرها المشدود بقسوة للخلف، وتلك الابتسامة البلاستيكية الميتة المرسومة على شفتيها الرقيقتين.

​وقفت في منتصف الفناء، ورفعت صوتها الذي بدا لكايل وفيكتور كصوت نصل يُشحذ.

​"كايل. فيكتور."

​نطقت اسميهما.

​في تلك اللحظة المجردة من الزمن، توقف قلب كايل عن النبض.

اتسعت عيناه القرمزيتان برعب لا نهائي.

التفت ببطء مرعب نحو فيكتور، ورأى نفس الرعب المطلق ينعكس في عيني صديقه الزرقاوين.

​هل حان دورنا؟

هل سيمزقون صدورنا الآن؟

هل سأموت بتلك البشاعة التي مات بها إدغار؟ هل سيضعونني في ذلك السائل الأخضر لأختنق وأموت ببطء بينما الأسلاك تخترق لحمي؟

​الأفكار ضربت عقولهم كعواصف من الزجاج المكسور.

​أكملت السيدة غريس بابتسامتها المسمومة: "تقدما إلى هنا يا صغيريّ. لدي أخبار رائعة لكما. هناك شخص نبيل ومهم جداً أتى اليوم لتبنيكما معاً. أليست هذه معجزة؟ الجنة تفتح أبوابها لكما!"

​الجنة! نفس الكلمة الملعونة! نفس الكلمة التي استخدمتها مع إدغار، ومع سيرين!

​لم تكن دعوة للتبني.

بالنسبة لهما، كان هذا إعلان إعدام.

​وفجأة، انفجر السد.

​الصمت الذي لازمهما ليومين تحطم بصرخة. لم تكن صرخة أطفال يبكون.

كانت صرخة رعب خالص، صرخة حيوانات تُسحب حية إلى المسلخ.

​"لااااااااااااااااااااا!"

​صرخ كايل بأعلى صوته، صرخة مزقت حنجرته وجعلت الأطفال الآخرين في الفناء يجفلون برعب.

تراجع للخلف بسرعة حتى اصطدم بالجدار.

​"لا! لا أريد! لن أذهب! أبعدوها عني!" صرخ فيكتور وهو يبكي بهستيريا، يخدش وجهه بأظافره، ويركل الهواء بجنون.

​السيدة غريس عقدت حاجبيها.

الابتسامة البلاستيكية تلاشت في جزء من الثانية، لتظهر تحتها ملامح الوحش الحقيقي.

عيناها الميتتان اشتعلتا بغضب قذر واشمئزاز. لم تعتد على هذه المقاومة من "البضاعة".

​"ما هذا الهراء؟" هدرت غريس بصوت منخفض ومخيف.

أومأت برأسها لاثنين من الحراس الضخام الذين يقفون عند باب الفناء.

"أحضروهما. لدينا ضيف مهم ولا أريد إضاعة وقته مع هذه الحثالة."

​تقدم الحارسان. كانا ضخمين، يرتديان ملابس رمادية قذرة.

​"لا! ابتعدوا! كايلا! كايلااااا!" صرخ كايل وهو يحاول الركض، لكن أحدهم أمسك به من ياقته ورفعه في الهواء كأنه قطة مريضة.

​بدأ كايل يركل ويضرب الهواء بقبضتيه الصغيرتين، يعض يد الحارس بوحشية حتى طعم الدم في فمه، لكن الحارس صفعه بقسوة على وجهه، صفعة جعلت أذن كايل تطن وتنزف قليلاً، وأسكتت صراخه للحظة من شدة الألم.

​فيكتور كان يُسحب من قدميه وهو ممدد على الأرض، يخدش البلاط بأظافره حتى تمزقت وسالت منها الدماء، يصرخ ويبكي مستنجداً بأي شخص، لكن باقي الأطفال كانوا يقفون متجمدين من الخوف، والمربيات أدرن وجوههن للجهة الأخرى.

كايلا لم تكن موجودة. لم يكن هناك من ينقذهم.

​"اصمتا أيها الوغدان الصغيران، وإلا قطعت لسانيكما قبل أن نصل!" همست السيدة غريس بفحيح أفعى وهي تسير بجانبهما، عيناها تقدحان شرراً وحقداً.

​كان الأطفال يُسحبون بالقوة، لكن... هناك شيء لم يلاحظوه في البداية وسط ذعرهم.

​الاتجاه.

​لم يكونوا يتجهون نحو القبو. لم يكونوا ينزلون في ذلك الممر الخرساني الطويل المظلم الذي يؤدي إلى الباب ذي الضوء الأحمر.

بدلاً من ذلك، كان الحراس يسحبونهم عبر الممرات الرئيسية النظيفة للميتم، نحو الجناح الإداري، نحو البوابة الأمامية المزدوجة التي نادراً ما تُفتح.

​تم إلقاء كايل وفيكتور بقسوة على سجاد أحمر فاخر في غرفة الاستقبال الرئيسية.

​ارتطما بالأرض، وتدحرجا معاً، يبكيان وينتنفضان، يضمان بعضهما البعض في محاولة أخيرة ويائسة للحماية.

كانا يرتجفان كأوراق شجر في إعصار، عيونهما مغلقة بقوة، ينتظران أن تغرز في صدورهما المشارط الباردة.

​"أعتذر بشدة عن هذا العرض غير اللائق، سيدي النبيل."

​سمع كايل صوت السيدة غريس. لم يكن صوتاً غاضباً أو آمراً.

كان صوتاً متملقاً، خاضعاً، ومنخفضاً لدرجة تثير الغثيان.

​"الأطفال أحياناً... يشعرون بالتوتر الشديد من الانتقال إلى بيئة جديدة. لكنني أؤكد لك أنهما بصحة ممتازة ومطيعان جداً." كذبت غريس بوقاحة.

​فتح كايل إحدى عينيه القرمزيتين بصعوبة وسط الدموع، ليرى من هو الجلاد الجديد الذي سيشتريهم.

​لم يكن عالماً يرتدي معطفاً طبياً ملطخاً بالدماء. لم يكن وحشاً بعين مشوهة.

​كان هناك شخص يقف في منتصف الغرفة. رجل عجوز، يبدو في الستينيات من عمره.

كان يرتدي بدلة كلاسيكية سوداء فاخرة جداً، منسوجة من قماش يبدو وكأنه يمتص الضوء.

كان يمسك بعصا خشبية أنيقة ذات رأس فضي على شكل ذئب.

شعره كان رمادياً مصففاً بعناية، ووجهه مليء بتجاعيد الوقار التي تحكي عن حياة طويلة من السلطة والخبرة.

​لكن عينيه... عينيه كانتا عميقتين، حزينتين، وتحملان ثقلاً هائلاً.

​كان يُدعى السيد "مورفيند فالتير".

​نظر مورفيند إلى كايل وفيكتور.

الطفلان اللذان كانا يبدوان كخرق بالية، ملابسهما ممزقة، أظافر فيكتور تنزف، وخد كايل يحمل علامة حمراء متورمة من صفعة الحارس، وعيونهما تفيض برعب حقيقي، لا يمكن تزييفه، رعب الموت.

​لم تكن نظرة مورفيند إليهما نظرة مشتري يتفحص بضاعة.

كانت نظرة رجل يرى جرحاً نازفاً في قلب الإنسانية.

​"متوتران؟" قال مورفيند بصوت عميق، خشن، وهادئ، لكنه يحمل نبرة جعلت السيدة غريس ترتجف في مكانها.

"هذا ليس توتراً، سيدة غريس. هذا رعب نقي. ما الذي تفعلونه بالضبط بهؤلاء الأطفال في هذا المبنى الملعون؟"

​ابتلعت غريس ريقها بصعوبة، وتراجعت خطوة للوراء، الابتسامة البلاستيكية تذوب تماماً لتكشف عن خوف حقيقي من هذا العجوز.

"نـ... نحن نعتني بهم بأفضل ما يمكن، سيدي! إنهم فقط..."

​"اصمتي." قاطعها مورفيند بكلمة واحدة، باردة كالسيف.

​تقدم مورفيند نحو الطفلين المرتجفين.

عندما اقترب منهما، صرخ فيكتور وحاول الزحف للخلف، بينما أغلق كايل عينيه بقوة ووضع يديه فوق رأسه، ينتظر الضربة، ينتظر الموت.

​لكن الضربة لم تأتِ.

​بدلاً من ذلك، انحنى مورفيند ببطء، متجاهلاً ألم مفاصله الهرمة، وركع على السجاد الفاخر ليكون في مستوى نظرهما.

لم يلمسهما في البداية.

ألقى عصاه جانباً، وبسط يديه الكبيرتين الدافئتين المليئتين بالندوب القديمة أمامهم ببطء شديد، كمن يقترب من عصافير جريحة يخشى أن تفزع.

​"شّشّش... لا بأس. لا بأس يا صغاري،" همس مورفيند بصوت دافئ جداً، صوت يشبه الموقد في ليلة شتاء عاصفة.

"لن يؤذيكما أحد بعد الآن. أنا هنا لآخذكما بعيداً عن هذا المكان. إلى مكان آمن."

​لكن الكلمات لم تعنِ شيئاً لكايل وفيكتور.

"بعيداً" كانت تعني المختبر. "آمن" كانت تعني الموت بهدوء.

كانا لا يزالان ينتفضان بعنف، يبكيان بلا صوت، وعيونهما ممتلئة بالذعر.

​تنهد مورفيند بحزن عميق، حزن أثقل كاهله.

كان يعرف. بطريقة ما، كان يعلم ما يحدث في هذا الميتم.

كان يعلم عن النقابات، وعن التجارب، وعن المسلخ المخفي تحت الأرض. لقد جاء متأخراً لإنقاذ الكثيرين، لكنه لن يترك هذين الاثنين.

​بدون أي حركات مفاجئة، مد مورفيند ذراعيه القويتين، وحملهما معاً.

رفع كايل في ذراعه اليمنى، وفيكتور في ذراعه اليسرى.

​جسداهما الصغيران كانا متيبسين كألواح الخشب، خفيفين جداً بسبب سوء التغذية.

​"أنجزوا أوراق نقل الوصاية فوراً،" قال مورفيند لغريس بنبرة لا تقبل النقاش، وهو يستدير ليغادر.

"وإذا علمت أن شعرة واحدة قد مُست من باقي الأطفال قبل أن أرسل لجان التفتيش التابعة لي، سأهدم هذا المبنى على رأسك، سيدة غريس."

​لم يلتفت ليرى وجه غريس الشاحب والمرعوب. خرج من الباب الرئيسي المزدوج.

​في الخارج، لم تكن هناك عربة أيتام صدئة.

كان هناك شيء لم يره كايل وفيكتور في حياتهما قط.

​"وحش معدني أسود عملاق."

​هكذا ترجمت عقولهم البريئة شكل السيارة الفاخرة المصفحة التي كانت تقف أمام بوابات الميتم.

سيارة تعمل بمحركات الإيترا النقية، سوداء لامعة، زجاجها داكن تماماً، وتصدر هديراً منخفضاً كأنها وحش يتنفس.

​عندما اقترب مورفيند بهما نحو السيارة، فزع الأطفال مجدداً.

هل سيتم إطعامهما لهذا الوحش المعدني؟ صرخ فيكتور مجدداً، وحاول كايل التملص من قبضة مورفيند، لكن العجوز كان يضمهما بحنان ثابت.

​فتح السائق الباب الخلفي للسيارة.

كانت المقصورة الداخلية واسعة، مغطاة بجلد طبيعي ناعم ومضاءة بضوء أصفر دافئ.

وضع مورفيند الطفلين بلطف على المقاعد الجلدية، ثم جلس أمامهما.

​أُغلق الباب، وانطلق "الوحش المعدني" بسلاسة تامة، يبتعد عن ميتم "أمل الفجر"، وعن الجحيم الذي تركوه خلفهم.

​طوال الطريق، كان الصمت في السيارة لا يُقطع إلا بصوت شهقات الأطفال المكتومة وارتجاف أجسادهم.

كانا يلتصقان ببعضهما البعض في زاوية المقعد الواسع، يضمان ركبتيهما، وعيونهما لا تفارق مورفيند.

كانا يراقبانه برعب، ينتظران اللحظة التي سيتحول فيها إلى وحش كالسيدة غريس، اللحظة التي سيُخرج فيها مبضعه ويشق صدورهما.

​حاول مورفيند تهدئتهما بأشد الوسائل.

أخرج قطعاً من الشوكولاتة الفاخرة المغلفة بورق ذهبي وقدمها لهما.

لكنهما لم يمدّا أيديهما.

الطعام في عالمهما كان مجرد وسيلة لتسمينهما قبل الذبح.

ابتسم مورفيند بحزن، وتحدث إليهما بصوت هادئ، يخبرهما عن منزله الكبير، وعن الحديقة، وعن أنه سيكون "جدهما" من الآن فصاعداً.

​لكن الكلمات، مهما كانت دافئة، لا تستطيع إذابة جليد الرعب الذي حفرته صدمة المختبر.

​وصلت السيارة إلى قصر فالتير. قصر ضخم، أبيض، يقع على تلة خضراء بعيداً عن تلوث قلب مدينة إيليزيوم.

تحيط به حدائق شاسعة ونوافير مائية.

بالنسبة لأي شخص، كانت هذه هي الجنة الحقيقية.

​لكن بالنسبة لكايل وفيكتور، كان هذا مجرد قفص جديد، أكثر فخامة، وأكثر رعباً.

ربما هذا هو مختبر هذا العجوز الشخصي؟

​حملهما مورفيند إلى الداخل.

أمر الخدم بإعداد حمام دافئ.

عندما وُضع الطفلان في حوض الاستحمام الرخامي المليء بالماء الدافئ والفقاعات العطرة، عادا للصراخ مجدداً.

​الماء! لقد تذكرا السائل الأخضر! تذكرا سيرين وهي تغرق في الأسطوانة.

​"لا! لا نريد السائل! لا تغرقنا!" صرخ كايل وهو يحاول تسلق حواف الحوض، بينما فيكتور كان يضرب الماء بيديه محاولاً الهرب.

​أدرك مورفيند فوراً ما يحدث.

قلبه اعتصر ألماً.

أخرجهما فوراً من الماء، ولفهما بمناشف قطنية بيضاء وسميكة ودافئة.

أشرف بنفسه على تجفيفهما بلطف بالغ، وألبسهما ملابس نوم حريرية ناعمة جداً، لم يلمسا مثل قماشها في حياتهما.

​أخذهما إلى غرفة نوم واسعة، تحتوي على سرير ضخم ودافئ.

كانت هناك مائدة صغيرة قربهما، مليئة بأطباق من اللحم المشوي، الحساء الدافئ، والفواكه الطازجة.

​"كلا، يا صغاري. يجب أن تأكلا لكي تستعيدا قوتكما." قال مورفيند بلطف وهو يجلس على كرسي قريب.

​لكنهما لم يأكلا.

​تراجع كايل وفيكتور إلى أقصى زاوية في السرير الضخم.

سحبا الغطاء الحريري حتى أنفيهما.

كانا ملتصقين ببعضهما البعض كروح واحدة انشطرت إلى جسدين.

كانا يرتجفان.

ارتجافاً مستمراً، متواصلاً، لا يهدأ.

​نظرا إلى الطعام، ثم إلى مورفيند.

​هل سيقتلنا الآن؟ هل هذا هو العشاء الأخير قبل أن يمزق صدورنا؟ لماذا يعاملنا بلطف؟ هل يريد أن يجعل دماءنا طازجة أكثر للتجارب؟

​كانت عيونهما تتحدث بكل هذا الرعب.

​جلس مورفيند فالتير على كرسيه، يراقب هذين الطفلين المحطمين.

رجل قوي، ذو نفوذ وسلطة، خاض حروباً وواجه وحوشاً في البوابات... لكنه الآن كان يشعر بالعجز التام أمام نظرة طفلين في الرابعة من عمرهما، دُمرت إنسانيتهما بالكامل.

​انحدرت دمعة يتيمة من عين العجوز مورفيند.

دمعة صامتة حفرت طريقها عبر تجاعيد وجهه الوقور.

​"ما الذي فعلوه بكما... يا إلهي، ما الذي رأيتماه في ذلك الجحيم؟"

همس مورفيند لنفسه بصوت مختنق، وهو يدرك أن إصلاح أجسادهما النحيلة سيأخذ أسابيع، لكن إصلاح أرواحهما الممزقة... قد يأخذ عمراً بأكمله.

​في تلك الليلة، في القصر الفاخر، لم ينم كايل وفيكتور.

ظلا مستيقظين في الزاوية، يراقبان الظلال، وينتظران أن يبدأ كابوس التقطيع.

ولم يعلما أن الرجل العجوز الجالس قربهما قد أقسم في تلك الليلة بينه وبين نفسه، أنه سيحرق مدينة إيليزيوم بأكملها قبل أن يسمح لأي شخص بإيذائهما مجدداً.

2026/04/18 · 42 مشاهدة · 2357 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026