الفصل الحادي عشر : كذبة مؤقتة
السعادة في مدينة إيليزيوم ليست سوى كذبة مؤقتة.
مجرد مخدر قصير الأمد يمنحك إياه القدر قبل أن يشرع في تقطيع أوصالك.
مر أسبوع على يوم الإيقاظ.
أسبوع كان فيه قصر فالتير يضج بالحياة، بالخطط المستقبلية، وبضحكات فيكتور الذي كان يتدرب على التحكم بإيترا الرتبة E الخاصة به.
كايل، رغم رتبته J، كان يشعر بسلام لم يعهده قط.
كان نائماً في سريره الوثير، غارقاً في حلم دافئ حيث يركض مع أخيه في حقول خضراء لا نهاية لها، ومورفيند يراقبهم بابتسامته الحنونة.
لكن... الحلم بدأ يذوب.
الألوان الخضراء تحولت إلى اللون البني، ثم إلى الأسود.
الهواء في الحلم أصبح ثقيلاً. لزجاً. حاراً جداً لدرجة أن رئتيه بدأتا تحترقان من الداخل.
شّشّش... هسسسس...
صوت لم يكن يشبه حفيف الأشجار.
كان يشبه صوت أفاعٍ عملاقة تزحف على أرضية من الحصى الساخن.
متبوعاً بصوت فرقعة جافة، كصوت عظام تتحطم تحت ضغط هائل.
فتح كايل عينيه القرمزيتين ببطء، وعقله لا يزال يتأرجح بين النوم واليقظة.
لم تكن غرفته مظلمة كما تركها.
ولم تكن مضاءة بنور القمر.
كانت الغرفة تسبح في بحر من الإضاءة الشيطانية.
ألوان لا تنتمي للطبيعة؛ ألسنة لهب زرقاء داكنة، تتخللها عروق من النيران القرمزية والسوداء، كانت تتراقص كأشباح مجنونة على الجدران الرخامية، تلعق الستائر الحريرية وتحيلها إلى رماد في ثوانٍ.
انقبض صدر كايل بعنف.
سحب نفساً عميقاً ليصرخ، لكن ما دخل رئتيه لم يكن هواءً، بل كان موتاً خالصاً.
كان دخاناً أسود كثيفاً، مشبعاً برائحة الإيترا السامة، رائحة تشبه احتراق الكبريت واللحم النيئ والمواد الكيميائية.
سعل كايل بقوة كادت تمزق حنجرته، وسقط من السرير على الأرضية الخشبية التي كانت ساخنة كصفيح على موقد.
"أبي... فيكـ... تور..." حاول أن يصرخ، لكن صوته خرج كحشرجة ميت.
زحف على بطنه متجنباً الدخان الكثيف الذي يتصاعد للسقف.
غريزة البقاء القديمة، غريزة طفل الميتم، استيقظت فيه.
لكن هذا لم يكن حادثاً.
النيران العادية لا تصدر هذا الطنين المرعب، ولا تذيب الحجر كأنه شمع.
هذا هجوم. هجوم بإيترا من رتبة عالية جداً.
وصل إلى باب غرفته.
كان مقبض الباب ينصهر حرفياً. لف يده ببطانية سميكة، ودفع الباب المحترق بقوة، ليخرج إلى الممر الرئيسي للقصر.
المشهد الذي قابله أسقط ما تبقى من عقله في بئر من الرعب.
ملاذه الآمن، القصر الذي بُني ليكون درعاً له، كان يُسحق.
الجدران كانت تتشقق وتنزف حمماً زرقاء.
اللوحات الفنية الثمينة كانت تذوب، والتماثيل الرخامية تحطمت كأن مطارق غير مرئية تضربها.
الصمت كان مرعباً؛ لم يكن هناك صوت صراخ خدم، لم يكن هناك صوت إنذار.
فقط هدير النيران السحرية التي تفترس المكان حية.
ركض كايل حافياً، أقدامه تلامس البلاط المحترق. مع كل خطوة، كان يشعر بجلد باطن قدميه يذوب، الفقاعات تتشكل وتنفجر لتفرز دماءً تتبخر فور ملامستها للأرضية.
الألم كان يمزق أعصابه، لكن الأدرينالين والرعب كانا أقوى.
كانت أطراف قميص نومه تحترق، والحرارة تلسع ذراعيه ووجهه، تحرق أطراف شعره الأسود وتجعل مقلتيه تشعران وكأنهما تغليان داخل جمجمته.
"أبي!"
اتجه غريزياً نحو الجناح الغربي، حيث تقع غرفة مورفيند. الرجل البالغ. الصياد من الرتبة B.
الوحيد القادر على إيقاف هذا الجحيم.
كلما اقترب من غرفة مورفيند، أصبحت الحرارة لا تُطاق.
كانت موجات الحر تضرب وجهه كصفعات من نار صلبة.
الهواء هناك كان يتمزق، والجدران كانت تضيء بلون أحمر قاني ينذر بالانصهار.
دفع كايل الباب المزدوج لغرفة أبيه بالتبني، متوقعاً أن يجده يقاتل، أو يصرخ ملقياً تعويذات دفاعية.
اقتحم الغرفة وهو يسعل دماً ودخاناً، وعيناه تدمعان بشدة.
الغرفة كانت تشتعل. السرير الضخم تحول إلى كتلة من الجمر.
خزانة الملابس تفحمت وتهاوت... لكن...
كانت فارغة.
لا يوجد أثر لمورفيند. لا جثة، ولا رجل يقاتل. الغرفة كانت خالية تماماً من أي وجود بشري.
سقط كايل على ركبتيه المحترقتين للحظة، يلهث بصعوبة بالغة.
في تلك الثواني القليلة وسط الجحيم، ضربه شعور مؤلم، خبيث، ومسموم. أفكار سوداء زحفت من أعمق نقطة في صدمات طفولته لتنهش عقله.
هل هرب؟ صوت طفل الميتم المنبوذ همس في أذنه. هل هرب الصياد العظيم وتركنا؟ هل أدرك أن الهجوم أقوى منه، فأنقذ نفسه وترك الفتى الضعيف من الرتبة J ليحترق؟ هل تخلى عني؟
اعتصر قلبه ألم فاق ألم حروق جسده.
شعور الخذلان كان سكيناً يُغرس في روحه.
لكنه، وبقوة إرادة يائسة، هز رأسه بعنف طارداً تلك الأفكار القذرة.
"لا... لا يهم!" صرخ كايل بصوت مبحوح ومكسور، وهو يصفع وجهه ليوقظ نفسه من هذا الوهم.
"المهم أنه هرب! المهم أنه حي! إذا كان في الخارج، فهو آمن!"
حاول التشبث بهذا الأمل.
إذا كان مورفيند قد هرب، فربما ذهب لطلب النجدة. لكن... ماذا عن فيكتور؟
فيكتور!
اتسعت عينا كايل برعب مضاعف. غرفة فيكتور تقع في نهاية الممر الشرقي.
نهض كايل متجاهلاً اللحم المسلوخ في باطن قدميه.
ركض عائداً عبر الممر المشتعل.
الجحيم كان يزداد شراسة. السقف بدأ ينهار خلفه، قطع من الخرسانة المشتعلة تسقط كشهب مدمرة.
وصل إلى الممر الشرقي.
هنا، كان الدمار لا يوصف.
لم تكن مجرد نيران؛ كان هناك أثر لهجوم مادي عنيف.
باب غرفة فيكتور لم يكن محترقاً فحسب، بل كان متفجراً من الداخل للخارج، والشظايا الخشبية منغرسة في جدران الممر كخناجر بشعة.
وقف كايل على العتبة، يرتجف، والدموع تنهمر من عينيه بسبب الدخان الكثيف والحرارة التي تجاوزت حدود التحمل البشري.
كان يمسك بإطار الباب المتفحم، يستجمع كل ذرة من شجاعته ليدخل. كان يصلي لإله الكون، يتوسل في سره أن يجد الغرفة فارغة أيضاً.
خطا خطوة للداخل. الغرفة كانت بؤرة الجحيم. نقطة الصفر للهجوم.
انقشع الدخان الأزرق قليلاً بفعل تيار هواء قادم من النافذة المحطمة.
وعندما اتضحت الرؤية... توقف الزمن.
توقف قلب كايل.
توقف الكون بأكمله عن الدوران.
تلك الأفكار السوداء التي راودته في غرفة مورفيند... كم كانت ظالمة.
كم كانت حقيرة.
مورفيند لم يهرب. مورفيند لم يتخلَّ عنهما.
مورفيند، عند اللحظة الأولى للهجوم، أدرك أن الهدف الأقرب للخطر هو فيكتور، فركض بجسده الضخم نحو هذه الغرفة لإنقاذه.
وما رآه كايل في منتصف الأرضية المحطمة كان لوحة فنية من السادية والوحشية المطلقة، رُسمت بدماء من يحب.
في منتصف الغرفة، كانت هناك صخرة عملاقة. لم تكن صخرة طبيعية، بل كانت بناءً من الإيترا المعدنية السوداء، خشنة، ومغطاة بأشواك كشفرات المناشير، تم استدعاؤها من باطن الأرض بقوة ساحقة.
هذه الصخرة المسننة كانت تخترق جسد مورفيند فالتير.
كان الاختراق من منتصف ظهره، يمزق عموده الفقري بقوة وحشية، ويخرج رأس الصخرة المدبب والمشبع بالدماء من صدره العريض.
كان جسد العجوز الضخم الذي خاض عشرات المعارك، معلقاً في الهواء على هذا الخازوق المعدني الشيطاني.
النيران الزرقاء والحمراء كانت لا تزال تشتعل في لحمه، تتغذى على دمه وإيتراه.
المنظر كان بشعاً لدرجة تثير الغثيان الفوري وتدفع العقل للجنون.
الجلد القوي لمورفيند كان قد تفحم وتصلب كدرع من الفحم الأسود، متشققة تخرج منها عصارة اللحم والدم المغلي التي تتبخر بمجرد ملامستها للهواء الساخن مصدراً أزيزاً مقززاً.
رائحة احتراق الشعر، ودهون الجسد، ونخاع العظام كانت ثقيلة، لزجة، تخنق الأنفاس وتجبر المعدة على الانقباض.
لكن... مورفيند لم يُمت وهو يقاتل تراجعاً.
لم يكن مصلوباً للخلف.
كان جسده المعلق على الصخرة منحنياً بقوة إلى الأمام.
رغم الألم الذي لا يمكن لعقل أن يتخيله، ورغم العمود الفقري المحطم والأحشاء الممزقة، استخدم مورفيند آخر ذرة من إرادته كأب لينحني، ليقوس جسده العملاق كقبة، كدرع بشري، محاولاً حماية ما كان تحته من الانفجار والنار.
ارتعشت شفتا كايل.
عيناه القرمزيتان اتسعتا حتى كادتا تتمزقان، وشرايين مقلتيه برزت كأنها ستنفجر.
لا... لا... أرجوك لا...
تقدم كايل بخطوات آلية، كجثة يحركها خيط غير مرئي.
الحرارة لم تعد تعني شيئاً.
ألم أقدامه المذابة اختفى.
كل شيء تلاشى عدا هذا المشهد المروع.
نظر تحت قفص صدر مورفيند المتفحم.
نظر إلى ما كان الأب يضحي بروحه وبكل قطرة دم فيه لحمايته.
تحت الجثة المعلقة، على الأرضية التي تحولت إلى زجاج منصهر، كان هناك جسد آخر.
جسد أصغر بكثير.
لم يكن هناك وجه ليتعرف عليه.
لم تكن هناك ملامح.
كان مجرد كتلة من اللحم المتقلص والمشوي حتى العظم. الانفجار السحري كان قوياً جداً، ودرجة الحرارة كانت من الارتفاع بحيث أن جسد مورفيند، رغم ضخامته وقوته كصياد رتبة B، لم يكن درعاً كافياً لمنع إيترا الهجوم الكاوية من التسلل والوصول إلى فيكتور.
أطراف الجسد الصغير كانت متلوية بزوايا غير طبيعية، منكمشة على نفسها كعنكبوت ميت تحت حرارة الشمس، محترقة ومنصهرة مع بقايا ملابس النوم.
الجلد كان قد ذاب تماماً، تاركاً طبقات من العضلات المتفحمة والعظام الهشة التي تبرز كأغصان ميتة.
السوائل الجسدية كانت قد غلت وتبخرت، تاركة فقط رائحة الموت الخالص، رائحة أبشع ألف مرة من رائحة مختبر الميتم.
لقد تحول الفتى المليء بالحياة إلى كومة من الفحم العضوي.
لكن وسط هذه الكتلة السوداء المفزعة، كانت هناك خصلة واحدة.
خصلة صغيرة جداً، نجت بأعجوبة من الحرق المباشر لأنها كانت مدفونة تحت حذاء مورفيند المحترق، محمية بظل قدم والده.
خصلة من شعر أشقر لامع. خصلة كانت تخص شقيقه، توأمه في الألم، وصديقه الوحيد... فيكتور.
فيكتور، الذي كان يضحك قبل ساعات فقط.
فيكتور، الذي حلم بأن يكون السيف الذي يحمي أخاه.
الآن، أصبح مجرد بقايا مشوهة، رماداً ولحماً تالفاً تحت جثة والده الممزقة.
سقط كايل على ركبتيه المحترقتين، والدم يختلط بالرماد تحته.
لم يتبق في عينيه دموع ليبكي.
الصدمة ابتلعت كل شيء.
عقله، الذي كان يحاول دائماً تحليل الأمور وفهمها، تحطم كزجاج ضُرب بمطرقة ثقيلة.
كان يحدق في الخصلة الشقراء الملطخة بالرماد. يحدق في وجه مورفيند الذي ذابت ملامحه بالكامل ولم يتبق منه سوى جمجمة مكشوفة جزئياً، بفك مفتوح كأنه لا يزال يصرخ صرخته الأخيرة لحماية ولده.
الرعب النفسي الذي عاشه في الميتم عاد ليضرب بآلاف الأضعاف.
الميتم أراه قسوة البشر على الغرباء، لكن هذا الهجوم أراه أن الكون نفسه يستمتع بتعذيبه ببطء.
في كل مرة يبني فيها قلعة من الأمل، يتم سحقها وتلطيخها بدم من يحبهم.
في كل مرة يجد فيها الدفء، يُحرق بهذا الدفء حتى يتحول إلى رماد.
الكراهية لنفسه لأنه شك في مورفيند للحظة كانت تنهش روحه كحمض كاوٍ.
وضع كايل يديه المرتجفتين على رأسه.
أصابعه انغرزت في شعره الأسود بقوة كادت تقتلع فروة رأسه.
كان يهز رأسه للأمام والخلف بحركة هستيرية، مريضة.
فتح فمه. لم يكن هناك أكسجين، كان هناك فقط هواء مشبع بالموت ورائحة شواء عائلته.
انطلقت من حنجرته صرخة.
لم تكن صرخة طفل خائف، ولا صرخة إنسان يتألم.
كانت صرخة كيان يُسحب حياً إلى قاع الجحيم. صرخة وحش يولد من رحم العذاب الصافي.
صرخة مزقت أحباله الصوتية، واختلطت بصوت انهيار سقف الغرفة المحترق.
صرخة حملت كل كراهية الكون، وكل الظلام الذي كان مورفيند يحاول عبثاً إبعاده عنه.
كان يصرخ ويصرخ، وعيناه القرمزيتان تحدقان في بقايا عائلته المشوية، الدم يسيل من حنجرته الممزقة، حتى تحولت رؤيته إلى السواد المطلق.
انهار جسده النحيل على الأرضية الساخنة بجوارهم، أغمي عليه، والنيران الزرقاء تقترب ببطء، تزحف لتلعق أطراف ملابسه، منهية حلم عائلة فالتير، وتاركة خلفها طفلاً لن يعرف في حياته القادمة سوى لغة الرماد، والدماء، والانتقام المجنون.