الفصل الثاني عشر: مهمة النظام
فتحت عيني ببطء، وصدري يعلو ويهبط بعنف كأنني كنت أغرق في محيط من الرماد.
رائحة اللحم المحترق والكبريت كانت لا تزال عالقة في حلقي، ترفض أن تغادرني، كأنها لعنة موشومة على جدران رئتي.
جلست على حافة سريري في شقتي الباردة، ومسحت العرق البارد الذي بلل وجهي وقميصي بالكامل.
الذكريات... تلك الذكريات الملعونة التي ظننت أنني دفنتها في أعمق وأظلم بقعة في عقلي، عادت لتطفو على السطح، تسحبني من يدي نحو ذلك الجحيم المشتعل.
تذكرت وجه مورفيند الذي ذاب تحت النيران. تذكرت خصلة شعر فيكتور الشقراء الملطخة بالرماد.
وتذكرت من انتشلني من ذلك الجحيم في اللحظة الأخيرة.
وحدة الإنقاذ السحرية.
أولئك الذين اقتحموا القصر المنهار عندما كنت فاقداً للوعي، أنتظر الموت ليلتهمني.
ومن بينهم... كان شاب يرتدي زي متطوعي الإغاثة، شاب يمتلك هالات سوداء تحت عينيه وعيناً يسرى ترمش بعصبية.
زاك.
نعم، صديقي زاك كان أحد أفراد الفرقة التي سحبت جسدي النحيل المحترق من بين ركام عائلتي.
عندما أتذكر وجهه وهو يصرخ في المسعفين لإنقاذي، يقشعر بدني.
لقد كان زاك هو من أخبرني لاحقاً بنظرياته، بأن الحريق لم يكن حادثاً، وبأن البشر أسوأ من الوحوش.
"أنا جبان..." تمتمت لنفسي في الغرفة المظلمة، وصوتي يرتجف.
"أنا جبان وحثالة. نعم، أعترف بذلك."
منذ ذلك اليوم، ومنذ أن خرجت من المشفى، لم أستطع العودة إلى ميتم "أمل الفجر".
لم أستطع حتى المرور من الشارع الذي يقع فيه. كنت خائفاً.
خائفاً لدرجة أن التفكير في العودة للبحث عن كايلا أو لمعرفة ما حل بباقي الأطفال كان يجعلني أتقيأ دماً من فرط التوتر.
كنت أعلم ما يحدث هناك، وكنت أعلم أنني أضعف من أن أغير أي شيء.
لقد تركتهم في الجحيم، وهربت بجلدي.
لكن... هززت رأسي بعنف، وصفعت خدي بقوة حتى شعرت بالخدر.
"لا يهم... أي من ذلك لا يهم الآن. لا أريد أن أتذكر. لا أستطيع أن أتذكر! الماضي مات، وأنا يجب أن أركز على المستقبل إذا أردت النجاة."
نهضت من السرير، وتوجهت نحو المغسلة، غسلت وجهي بماء مثلج لأوقظ عقلي من غيبوبة الماضي.
نظرت إلى انعكاسي في المرآة المكسورة.
عيناي القرمزيتان كانتا تتوهجان في الظلام، تحملان بروداً جديداً.
لقد استخدمت مهارة [رؤية المستقبل - SSS] للمرة الثانية.
لم أكن أرغب في ذلك، فالألم النفسي الذي تسببه هذه المهارة يكفي لتمزيق عقل إنسان بالغ.
لكنني كنت مضطراً.
في الرؤية الثانية، لم أرَ نهاية العالم المباشرة. رأيت مساراً.
رأيت نفسي أمشي في نفق مظلم، مرعب، تفوح منه رائحة الموت القديم، وفي نهاية ذلك النفق... كان هناك سلاح.
سيف أسطوري، نصله أسود كفراغ الفضاء، لا يُكسر، ولا يصدأ، وينبض بطاقة إيترا مرعبة قادرة على تمزيق نسيج الواقع نفسه.
رأيت نفسي أستل ذلك السيف قبل أن ينهار النفق عليّ.
المشكلة لم تكن في النفق، بل في مكانه.
السيف يقع في مكان ما خلف قمم جبال إيريبوس.
وتلك الجبال اللعينة ليست سوى السور الطبيعي المرعب الذي يسبق... "الغابة الملعونة".
"اللعنة!" شتمت وأنا أرتدي معطفي التكتيكي الأسود، وأتأكد من تلقيم مسدسي الجلوك المشبع بالإيترا.
"لم يكن عليّ الذهاب إلى الغابة الملعونة أو ما جاورها. كان يجب أن أبقى بعيداً عن تلك الجبال التي تصرخ تضاريسها محذرة إياك من الاقتراب."
للوصول إلى الغابة الملعونة والأنفاق المحيطة بها، هناك طريقتان فقط لا ثالث لهما في هذا العالم المشوه.
إما اجتياز قمم جبال إيريبوس الفتاكة، أو شقُّ أهوال المحيط المجهول.
والمحيط... أسوأ بكثير من هذه الجبال.
أسوأ بمليون مرة. يكفي أن نعلم أنه قد تم رصد بوابات سحرية فُتحت في قاع المحيط الهادئ... بوابات من الرتبة SS!
أتعرفون ما يعني ذلك؟ يعني أن هناك طفرات وكوابيس بحرية بحجم مدن كاملة تسبح في الظلام.
لولا أن تلك الوحوش مقيدة بطريقة ما ولم تخرج من المحيط الهادئ نحو اليابسة، لما تمكن أحد على وجه هذه الأرض من ردعهم.
ربما باستثناء "السامين السبعة"... أولئك البشر الذين اخترقوا مستوى SS وكسروا سقف الوجود.
المحيط انتحار مؤكد. لذا، لم يتبق لي سوى الجبال.
لماذا عليّ من الأساس الذهاب إلى هناك والمخاطرة بحياتي التي بالكاد أنقذتها؟ لماذا لا أكتفي بالسرقة من النقابات في المدينة؟
لسببين. الأول: السلاح الأسطوري الذي رأيته في الرؤية، والذي سأحتاجه بالتأكيد لقتل وحوش الرتب العالية عندما يحين يوم القيامة.
والثاني... وهي الكارثة الأكبر: مهمة النظام اللعينة!
أعني، بحق الجحيم، ما الذي أريده بسيف سيعرض حياتي للخطر الآن وأنا مجرد رتبة G قذرة؟ لكن النظام لم يترك لي خياراً.
ظهرت الشاشة الحمراء الوامضة في عقلي مجدداً، تستفزني بكلماتها المريضة:
[مهمة إجبارية: استعادة النصل المنسي]
[الموقع: سلسلة جبال إيريبوس - المدخل المؤدي للأنفاق السحيقة.]
[ملاحظة النظام:] > هذه مهمة أساسية قبل أن نجعلك تعتمد على نفسك، أيها اللعين عديم الفائدة! ربما نكلفك ببضعة مهام أخرى لنجعلك تعتمد على نفسك، أو ربما تكون هذه هي الأخيرة ونتركك تواجه مصيرك. تحرك.
[المكافأة:] ستحصل على مهارة هجومية فريدة إذا أتممت المهمة بنجاح.
[عقوبة الفشل:] المـوت.
[عقوبة تجاهل المهمة أو التأخير:] المـوت الإكلينيكي وسحب الإيترا بالكامل.
[تحذير أخير:] لا تفكر في الهرب.
"لا أفكر في الهرب؟" سخرت بمرارة وأنا أغلق باب الشقة خلفي.
"أنا أركض نحو مقبرتي بقدمي."
...
...
...
سلسلة جبال إيريبوس تُعد من أخطر الأماكن على وجه الكوكب.
حتى أعتى فرق النقابات لا تقترب منها إلا بجيش صغير.
يكفي وجود أساطير ونظريات مرعبة تقول إن هناك وحوشاً من الرتبة SS تتخذ من قممها عشاً لها.
وقفت عند بداية المرتفعات.
كان المشهد أمامي يسحق الروح.
جبال سوداء فاحمة، صخورها مدببة ومسننة كأنها أنياب تنانين ميتة تخترق الأرض نحو السماء.
أين هي أعلى قمة؟ لم أستطع رؤيتها.
إنها تخترق السحاب الرمادي الكثيف، وتضيع في طبقات الغلاف الجوي العليا المحملة بعواصف الإيترا البنفسجية التي تومض كالبرق..
الهواء هنا كان خفيفاً، بارداً، ومحتقناً بضغط إيترا بدائي يجعل التنفس يبدو وكأنك تبتلع زجاجاً مطحوناً.
"حسناً..." سحبت الجلوك بيدي اليمنى، وأخرجت سكيناً تكتيكياً طويلاً بيدي اليسرى.
"فلنبدأ هذا الانتحار."
بدأت التسلق والمشي عبر الممرات الجبلية الضيقة.
لم أكد أقطع الكيلومتر الأول، حتى بدأ الاستقبال.
من بين الشقوق الصخرية ومن تحت الرماد البركاني البارد، بدأت العيون تلمع.
لم تكن واحدة أو اثنتين. كانت العشرات. ثم المئات.
وحوش من الرتبتين J و H.
كانت تُسمى "كلاب الرماد" و"غيلان الصخر الضعيفة".
كانت بأحجام الذئاب الكبيرة، جلودها عبارة عن قشور صخرية رمادية، وأفواهها تقطر لعاباً حمضياً يذيب الثلج تحت أقدامها.
بالنسبة لصياد من الرتبة A أو B، هذه الوحوش مجرد حشرات تُسحق بنظرة.
لكن بالنسبة لي؟ أنا في الرتبة G.
أي أنني أقوى منهم بقليل فقط، وعددهم كان... مرعباً.
"أتمنى أن تبقى الوحوش هكذا..." همست من خلف قناعي الأسود (الذي أصلح من تلقاء نفسه) ذي الابتسامة الزرقاء المتوهجة.
"إذا ظهر شيء من الرتبة C هنا، فسأكون عشاءً له."
زأر أحد كلاب الرماد، واندفع نحوي كقذيفة صخرية.
بام!
رصاصة واحدة مشبعة بالإيترا السوداء من الجلوك اخترقت عينه وانفجرت داخل جمجمته الصخرية، لتحول رأسه إلى غبار أسود ورماد تناثر في الهواء.
لكن هذا كان مجرد جرس البداية لمذبحة لم أتوقع قسوتها.
انقضت البقية دفعة واحدة.
كأمواج من اللحم والصخر الفاسد.
...
...
بدأتُ القتال—ولم يكن قتالًا نزيهًا، بل مجزرةً دمويةً وحشيةً تقشعرّ لها الأبدان.
التففت بخصري لتفادي هجوم غول صخري قفز نحو رقبتي، وغرست سكيني التكتيكي في الفراغ اللحمي الضعيف تحت إبطه.
دفعت الإيترا في نصل السكين، وقمت بسحبها بقوة للأعلى، ممزقاً أحشاءه وأضلاعه.
تناثرت الأمعاء السوداء والصفراء الكريهة الرائحة لتغطي معطفي، واندلقت الدماء اللزجة كالوحل على قناعي.
بام! بام! بام!
كنت أطلق النار بيدي اليمنى بدقة جراحية، كل رصاصة تحصد روحاً، وأقطع وأمزق بيدي اليسرى.
عندما نفدت ذخيرة الجلوك، لم يكن لدي وقت للتلقيم.
استخدمت المسدس كأداة لتحطيم الجماجم.
ضربت بكل قوتي وجه كلب رماد انقض عليّ، شعرت بعظام أنفه وفكه تتحطم تحت المعدن المشبع بالإيترا، واخترقت أسنانه لحم يدي، لكنني تجاهلت الألم وكسرت رقبته بركلة وحشية.
الدم كان يغطي كل شيء.
الأرض الصخرية تحولت إلى بركة زلقة من الأشلاء والعصارات الهاضمة والدماء الفاسدة.
كنت أقف في المنتصف، ألهث كوحش كاسر، أقطع ذراعاً هنا، وأسحق رأساً هناك.
الدماء الحارة كانت تتطاير وتتبخر في الهواء البارد، لتخلق ضباباً قرمزياً حولي.
عندما سقط آخر غول صخري أمامي، وتوقفت حركته بعد أن دست على جمجمته بقوة حذائي... توقفت لألتقط أنفاسي.
رئتاي كانتا تحترقان.
عضلات ذراعي كانت تصرخ من تراكم حمض اللاكتيك.
جسدي كان مغطى بالكامل باللحم المفروم والصديد.
"هل... هل انتهوا؟" سألت نفسي بصوت متقطع.
لكن الجبال أجابتني بصدى مرعب.
من بين الصخور المرتفعة أمامي، ومن خلف الضباب... ظهر المزيد.
ليس المئات هذه المرة.. بل الآلاف.
موجة جديدة، تزمجر وتتقاطر لعاباً، عيونهم تلمع بجوع لا ينضب.
"اللعنة!" صرخت بغضب يائس.
تلقمت مسدسي بسرعة فائقة، واندفعت نحوهم. استمرت المجزرة.
ساعة، ساعتان... لا أعلم كم مر من الوقت. فقدت الإحساس بالزمن.
كل ما كنت أفعله هو القتل. أقتل وأقتل وأقتل. تمزق معطفي، وجُرحت في فخذي وكتفي.
مخالبهم القذرة تركت ندوباً عميقة تنزف على جسدي.
كنت أستخدم مهارة الإيترا السوداء لتغطية جروحي مؤقتاً، لكن طاقتي كانت تُستنزف بسرعة مرعبة.
"ألا ينتهون؟!" صرخت وأنا أقتلع فك أحد الغيلان بيدي العاريتين بعد أن انكسرت سكيني.
"كيف يوجد هذا العدد الهائل من الوحوش الضعيفة في مكان واحد؟ هذا غير منطقي بيولوجياً! يجب أن يموتوا من الجوع أو يأكلوا بعضهم!"
عندما أدركت أن القتال المباشر سيعني موتي من الإرهاق حتى لو كنت أقوى منهم، قررت الهرب.
ركضت. ركضت بأقصى سرعة تمتلكها ساقاي المتعبتان.
غيرت اتجاهي نحو ممر جانبي ضيق بين جبلين أسودين عملاقين، محاولاً الالتفاف حول هذا الوادي الملعون.
كنت أتجاوز الصخور المدببة، أنزلق، وأسقط، وأنهض مجدداً.
الوحوش كانت تلاحقني، لكنني كنت أسرع بفضل إيترا الرتبة G التي تركزت في ساقي.
ركضت حتى شعرت أن قلبي سينفجر من قفصي الصدري.
الضباب بدأ ينقشع قليلاً في هذا الممر.
لم أعد أسمع زمجرتهم خلفي بنفس الكثافة.
"لقد هربت..." لهثت، واستندت على صخرة كبيرة لأرتاح.
لكن... بمجرد أن رفعت رأسي، تجمد الدم في عروقي.
لم أهرب. لم أبتعد عن الجحيم. لقد زحفت بيدي وقدمي إلى أعمق نقطة فيه.
نظرت حولي.
الصخور هنا لم تكن سوداء.
كانت حمراء داكنة، تنبض بحرارة مريضة.
الأرض تحت حذائي لم تكن ترابية أو صخرية، بل كانت زلقة، رطبة، ومغطاة بطبقة سميكة من مادة هلامية تشبه المشيمة الفاسدة.
كان هناك صوت... صوت هدير عظيم، يشبه صوت شلال ضخم، لكنه لم يكن صوت ماء نقي يضرب الصخر.
كان صوتاً أثقل، ألزب، وأكثر رعباً؛ كصوت ملايين الحناجر التي تتغرغر بدمائها وتختنق في نفس اللحظة.
تقدمت بضع خطوات نحو حافة الجرف الداخلي للممر، ونظرت إلى الأسفل، ثم رفعت نظري ببطء ومقاومة مرعبة نحو الأعلى حيث مصدر الصوت.
وما رأيته هناك... كان مشهداً سحق عقلي، ودمر كل منطق بيولوجي أو فيزيائي تعلمته.
جعلني أركع على ركبتي في الوحل اللزج، أرتجف كطفل يرى ساميا مشوهاً يمزق السماء.
كانت لوحة سريالية من الرعب الخالص، تحفة فنية من الوحشية والجنون الأبدي.
"يا إله السماوات..." تمتمت ، وفكي يرتجف، بينما سقط مسدسي الجلوك من يدي المرتخية.
من أعلى قمة الجبل التي تخترق السحاب الرمادي، لم تكن تنزل مياه.
كان هناك شلال هائل من الدماء.
نعم. نهر عملاق، هائل الحجم، من الدماء الحمراء القانية واللزجة، يتدفق من بطن السماء نفسها كأن الجبل مجرد خنجر نُحر به وريد الكون.
الدماء كانت تغلي، تتصاعد منها أبخرة قرمزية سامة تعانق الغيوم، وتتدفق بقوة وشراسة مرعبة على المنحدرات الصخرية السوداء.
الشلال كان يسقط من ارتفاع آلاف الأمتار، يضرب الصخور مصدرًا رذاذًا دمويًا يحرق الوجه كالحمض، ليتجمع في الأسفل مكوناً هوة ضخمة... بحيرة عملاقة لا نهاية لها من الدم المتخثر.
المنظر كان جلالاً كابوسياً. الشلال كان يصدر هديراً يصم الآذان، واللون الأحمر القاني للدماء كان يتناقض بشكل مفزع مع سواد الجبال ورمادية السماء.
كان جميلاً بجمال الكوابيس، ومروعاً بروعة نهاية العالم.
رائحة الهواء كانت مزيجاً خانقاً من الحديد الصدئ، اللحم المتعفن، والكبريت؛ رائحة "رحم" نجس يلد الموت بلا توقف.
لكن الرعب الحقيقي، الرعب الذي يجعلك تتمنى اقتلاع عينيك بأصابعك حتى لا ترى المزيد، لم يكن في الشلال نفسه.
بل فيما كان يحدث في البحيرة الدموية التي تجمعت في الأسفل.
الوحوش لم تكن تتكاثر.
لم تكن تأتي من بوابات سحرية.
كانت تُصنع هنا.
أمام عيني مباشرة.
حدقت في البحيرة الدموية الغليظة، وعقلي يرفض استيعاب البشاعة.
كانت سطوح البحيرة تغلي، تفقس فقاعات هائلة بحجم منازل صغيرة.
وعندما تنفجر الفقاعة، كانت تصدر صوتاً مقززاً كتمزق الأغشية اللحمية، لتنبعث منها غازات صفراء وسوداء.
من وسط الدماء المغلية والحمأة الحمراء، كانت تبدأ عملية التخلق الكابوسية.
رأيت قطعاً من العظام البيضاء القذرة تندفع من تحت الدم، تتصادم ببعضها البعض بقسوة، تصدر أصوات طقطقة وكسر وهي تلتحم لتشكل هياكل عظمية مشوهة.
العظام كانت حية، تنمو كأغصان أشجار شيطانية.
ثم، كأن خيوطاً غير مرئية من سحر أسود تنسجها، بدأت الأنسجة الحمراء الدامية والعضلات النابضة تتسلق تلك العظام.
كانت العضلات تتلوى وتتداخل كديدان شريطية عملاقة، تخيط اللحم بالعظم في مشهد جسدي يجعل المعدة تنقلب.
الدماء الزائدة كانت تتخثر في الهواء البارد لتشكل قشوراً صخرية وجلوداً قاسية تغطي تلك العضلات العارية.
رأيت مقل عيون فارغة تتشكل بداخلها كرات عينية هلامية، تدور بجنون في محاجرها قبل أن تستقر وتشع بنور الجوع البدائي.
في أقل من دقيقة واحدة، يكتمل تشكيل الوحش.
ينبثق غول صخري أو كلب رماد من بركة الدم، مغطى بمشيمة من السوائل اللزجة.
يفتح فمه المشوه المليء بأسنان لم تكتمل تسويتها بعد، ويزأر زئيراً يمزق حنجرته المتشكلة حديثاً، نابذاً كميات من الدم الفاسد من رئتيه، ثم يسحب نفسه بصعوبة من المستنقع الأحمر ليلحق بآلاف الوحوش الأخرى التي تصطف على ضفاف البحيرة.
كلاب رماد، غيلان صخرية، مسوخ بعشرات الأطراف، ووحوش أخرى عمياء تزحف كالعناكب... كلها تولد من هذا الشلال الملعون.
جيش لا نهاية له، جيش لا يحتاج إلى طعام ليتكاثر، لأنه يُخلق مباشرة من دماء الجبل.
"هذا... هذا هو سبب عدم انتهائهم..." ارتجف صوتي، والدموع الباردة تختلط برذاذ الدم على وجهي.
"إنهم لا ينتهون لأن هذا المكان هو رحم الموت نفسه. الشلال يلد جيشاً لا نهائياً... في كل ثانية."
كنت أقف على الجرف، مجرد حشرة مجهرية تراقب مصنعاً ساميا لإنتاج الكوابيس.
نظرت إلى الشلال الهائل الممتد إلى السحاب.
إذا كان هذا مجرد "طريق" أو "مدخل" يؤدي إلى الغابة الملعونة... فما هو الشيء الذي ينزف كل هذه الدماء من الأعلى؟ أي كيان كوني ذُبح، أو يُعذب على تلك القمة ليخلق هذا الشلال الأبدي؟