الفصل الثالث عشر: سفوح إيريبوس
لم أنتظر ثانية أخرى لأتأمل في عظمة ذلك الشلال الدموي أو في مصنع الكوابيس الذي يغلي في الأسفل.
لم أكن بطلاً في رواية ملحمية ليقف ويواجه جيشاً يولد من رحم الجبال؛ كنت مجرد فأر بشري أدرك للتو أنه دخل إلى عرين تنين.
استدرت، وركضت.
ركضت مبتعداً عن حافة الجرف، مبتعداً عن الرائحة النحاسية الثقيلة التي كانت تسد مسام جلدي.
لم أنظر خلفي.
كنت أقفز من صخرة مدببة إلى أخرى، ألتف حول التكوينات البركانية السوداء التي تبدو كأصابع شياطين متحجرة تحاول التشبث بالسماء.
حذائي التكتيكي كان ينزلق على الطحالب الرمادية الميتة، وكل قفزة كانت تتطلب تركيزاً يستهلك ما تبقى من طاقة إيترا الرتبة G الضعيفة في عروقي.
"هاااه... هاااه..."
أنفاسي كانت تخرج كأزيز مرجل بخاري يوشك على الانفجار.
قفزت فوق هوة صغيرة تفصل بين جبلين مصغرين، وهبطت بقسوة على ركبتي لتتمزق أنسجة بنطالي وأشعر بحرقة الاحتكاك بالصخر الخشن.
رفعت رأسي، ونظرت إلى الأفق أمامي.
الجبال السوداء كانت تمتد، وتمتد، وتمتد بلا نهاية. السحب الرمادية المنخفضة كانت تخفي القمم الحقيقية.
"أنا حتى... لم أتعدى بدايته..." بصقت كتلة من اللعاب الممزوج بالدم على الأرض.
"كل هذا الركض، وكل هذا الرعب، ولا أزال في سفوح إيريبوس! يا لها من نكتة كونية سخيفة!"
جلست على صخرة مسطحة نسبياً، أحاول تهدئة قلبي الذي كان يقرع كطبول مجنونة.
مسحت وجهي المغطى بالعرق البارد ودماء الوحوش.
أصابعي لامست سطح القناع الأسود الذي أرتديه.
ذلك القناع الأملس ذو الخطوط الزرقاء الداكنة التي ترسم وجهاً مبتسماً بسخرية.
لمست سطحه البارد، ووسط كل هذا الجحيم والموت الذي يحيط بي، وجدت عقلي يهرب فجأة إلى زقاق ضيق في القطاع السفلي من إيليزيوم.
إلى ذلك المتجر العفن المليء بالخردوات السحرية.
متجر العجوز اللعين... "جدعون".
ذلك الوغد الماكر ذو الأسنان الصفراء المتبقية ورائحة التبغ الرخيص التي تسبقه بمترين!
دائماً ما ينصب عليّ بالسعر، وأنا، كالأبله، أقع في فخه في كل مرة أحاول فيها شراء عتاد رخيص لسرقاتي.
تذكرت يوم اشتريت هذا القناع.
كنت أقف أمامه، أقلب القناع الأسود بشك.
"هذا القناع مستورد من نوفاريون، يا فتى!" قال لي جدعون يومها بثقة لا تشوبها شائبة، وهو يلوح بيده المجعدة وكأنه يعرض عليّ تاج الإمبراطور.
"إنه من صنع الحداد الشهير 'غارنوك'! أسطورة تشكيل المعادن الإيترالية!"
نوفاريون... مجرد نطق الاسم يجعلك تشعر بالفقر.
إيليزيوم تُعرف بأنها عاصمة العالم الجديد، لكن في الحقيقة، العالم الذي نجونا فيه يمتلك ثلاث حواضر عملاقة، ثلاث مدن تمثل آخر معاقل البشرية المحصنة.
إيليزيوم تقع في قارة أمريكا الجنوبية، وهي المدينة التي أعيش (أو أحتضر) فيها.
نوفاريون تقع في قارة أوروبا، وتُعرف بأنها قلعة التكنولوجيا السحرية والحدادة الفاخرة.
وأخيراً، مدينة زيراثيون، وتقع في قارة آسيا.
هذه المدن الثلاث لا يحكمها سياسيون ببدلات أنيقة، بل يحكمها ثلاثة من "السامين السبعة".
يحكم كايزر درافيون إيليزيوم بقبضة من حديد ونار، بينما يدير أوريان كازيث شؤون نوفاريون بذكاء مرعب وقوانين مطلقة، أما لوسيان هاركورت فيتربع على عرش زيراثيون كطيفٍ مهيب لا يُقهر.
أن يخبرني عجوز نصاب في زقاق قذر أن هذا القناع جاء من نوفاريون، ومن صنع حداد شهير هناك، كان كمن يخبرني أنه اصطاد حورية بحر في مجاري الصرف الصحي!
"قناع غير قابل للكسر! أؤكد لك ذلك يا كايل!"
هكذا استمر جدعون في الكذب بوقاحة.
"اضربه! هيا، خذ هذه المطرقة واضربه بكل قوتك!"
وقتها، أخذت المطرقة الحديدية وضربت القناع بكامل قوتي.
لدهشتي، لم ينكسر، ولم يُخدش حتى. ارتدت المطرقة لدرجة أن معصمي كاد ينفصل!
لذلك... ظننت أنه كان صادقاً.
لقد دفعني الغباء واليأس للتفاوض معه.
"خمسون دولاراً!" قلت له بصرامة مصطنعة.
"مائة وعشرون! هذا غارنوك يا غبي!" صرخ بوجهي.
"ستون! ولن أدفع سنتاً إضافياً!"
"مائة! وأنا أخسر فيه!"
"سبعون دولاراً، وهذا آخر كلام عندي يا جدعون!"
"حسناً يا فتى، ثمانون دولاراً، لأنني أشفق على وجهك الكئيب!"
وهكذا، بفضل مهاراتي "الأسطورية" في المكاسرة، دفعت ثمانين دولاراً كاملة!
ثمانون دولاراً كانت تكفي لإطعامي لأسبوعين!
"ذلك الوغد السارق..." تمتمت الآن وأنا أجلس على صخرة في إيريبوس، أبتسم بمرارة تحت القناع.
"حسناً، أنا أيضاً سارق، لكنني لست مثله! أنا أسرق من النقابات الفاسدة، وهو يسرق من يتيم مفلس!"
وعندما قاتلت فرقة الـ FBI اللعينة، وتلك العاهرة ذات الشعر الأسود إيفا بلاكود... انكسر القناع!
رصاصة القناص خدشته، وضربات إيفا صدعته.
أول ما فكرت به بعد أن نجوت بأعجوبة، هو أن أذهب إلى متجر ذلك العجوز، وأسرق كل خردواته انتقاماً، ثم أبرحه ضرباً بعصاه الخشبية!
أيُّ لعنةٍ ستطاردني في أعين الناس إن أنا انهلتُ بالضرب على شيخٍ طاعنٍ في السن؟
حسناً، أنا حقاً لا أهتم لكلام الناس، لكن... ربما لم أرد أن أضره بسبب إنسانيتي؟
نعم، هذا هو السبب المنطقي الوحيد. أنا أمتلك قلباً رحيماً رغم كل شيء...
إنسانية؟ توقفت عن التفكير للحظة.
لكنني سارق لعين! أنا مستعد لقطع عنق أي شخص يقف بيني وبين النجاة!
حسناً، لماذا أفكر بهذا التبرير الأخلاقي السخيف حتى؟
أنا فقط كنت متكاسلاً جداً للذهاب إلى متجره، هذا هو التفسير الحقيقي.
لكن المثير للدهشة، أن القناع... وبطريقة غريبة، سحرية تماماً... تجدد.
بعد أن نمت في شقتي واستيقظت، وجدت الشقوق قد التحمت، والخدوش اختفت، وأصبح وكأنه جديد تماماً! يبدو أن إيترا الظلال التي تتغذى على دمي قد امتزجت بمعدنه. لذلك، غيرت رأيي بشأن ضرب جدعون... مؤقتاً.
عدت إلى الواقع المرير عندما هبت رياح باردة، تحمل معها رائحة مطر يقترب.
نهضت، ونفضت الغبار عن معطفي.
بينما كنت أبحث عن طريق للتقدم عبر هذه السلسلة الجبلية الملعونة للوصول إلى الأنفاق السحيقة، وقعت عيناي على فجوة داكنة في جدار جبل قريب.
كان... كهفاً صغيراً.
اقتربت منه بحذر.
تفقدت ملامح الصخور حوله.
ليس هو. هذا الكهف لا يشبه أبداً الكهف الضخم الذي رأيته في الرؤية المستقبلية.
"هل من المفترض أن أدخل من هنا لكي أصل إلى هناك؟ هل هذا نفق فرعي؟" تمتمت بحيرة.
"لا أعلم حقاً."
قررت أن أسأل المرشد السياحي الأسوأ في الوجود.
"أيها النظام!" صرخت في عقلي.
"هل هذا هو الطريق الصحيح؟ هل سيؤدي هذا الجحر البائس إلى النصل المنسي؟"
صمت.
"ألو؟ خدمة العملاء الجحيمية؟ أيها النظام اللعين، أجبني!"
لا استجابة. لم تومض الشاشة الحمراء.
لم يظهر أي نص مستفز.
كان النظام يتجاهلني تماماً كعادته عندما أحتاجه، وكأنه يستمتع برؤيتي أتخبط في الظلام.
"اللعنة عليك، وعلى مهامك، وعلى اليوم الذي ظهرت فيه أمامي!" شتمت بصوت عالٍ، وبصقت على الأرض.
لكن الرياح بدأت تشتد، وأصوات زمجرة وحوش بعيدة بدأت تتردد في الوادي. لم يكن لدي خيار. البقاء في العراء يعني الموت.
أصررت على أسناني حتى كادت تنكسر، وسحبت مسدسي الخالي من الرصاص مجدداً، وخطوت داخل الكهف.
"سحقاً... المكان مظلم كقبر أعمى،" تمتمت وأنا أمد يدي اليسرى لأتلمس الجدار الصخري البارد واللزج.
خطوت خطوة... خطوتين... ثلاث. الظلام كان يبتلع الضوء القليل القادم من الخارج.
الهواء هنا كان راكداً، تفوح منه رائحة ذرق الطيور العتيق والعفن الفطري.
وفجأة...
بينما كنت أتقدم ببطء، خطوت برجلي اليمنى للأسفل.
لم يكن هناك أرض.
كان هناك فراغ!
"سحقاً!"
انزلق نصف جسدي في حفرة مخفية في الأرضية.
شعرت بقلبي يسقط في معدتي، وتطايرت أفكاري.
هويت للأسفل، لكن غريزتي كانت أسرع.
ألقيت بجسدي للخلف، وتشبثت يدي اليسرى بحافة الصخرة الخشنة، بينما انغرس حذائي الأيسر في الأرض الصلبة.
توازنت بصعوبة بالغة، ورفعت جسدي لأخرج ساقي اليمنى من تلك الحفرة اللعينة التي لا أعلم مدى عمقها.
جلست على حافة الحفرة، ألهث، وأمسح العرق عن جبهتي.
"يا إلهي... كدت أموت بسبب حفرة غبية. يا لها من نهاية درامية للجوكر الأسود."
أخذت نفساً عميقاً.
المكان هادئ.
لا يوجد أصوات، لا يوجد زمجرة. فقط قطرات ماء تتساقط ببطء في مكان بعيد.
"يبدو أن هذا المكان آمن مؤقتاً..." قلت محاولاً طمأنة نفسي.
رفعت رأسي لأنظر إلى عمق الكهف المظلم.
وفي تلك اللحظة... أضاء الكهف.
ليس بضوء شمس، ولا بوهج سحري.
بل بنقاط حمراء صغيرة.
نقطتان... عشر... خمسون... مئات.
مئات الأعين الحمراء المتوهجة، المليئة بجوع وحشي، فُتحت في سقف الكهف المظلم، تحدق بي مباشرة.
"اللعنة..." تمتمت ، وشعري يقف على رأسي.
سكرررررييييتش!
صوت صرخة حادة، مزعجة، تخترق طبلة الأذن وتدمر الأعصاب، انطلقت من مئات الحناجر في نفس اللحظة.
الخفافيش.
لكنها لم تكن خفافيش عادية. كانت خفافيش إيريبوس.
بحجم كلاب صغيرة، أجنحتها الجلدية تنتهي بمخالب حادة كالشفرات، وأفواهها المليئة بالأنياب تقطر حمضاً أسود.
انقضت جميعها نحوي ككتلة واحدة من الظلام المشتعل بالعيون الحمراء.
"لا لا لا لا!"
استدرت، وركضت بأقصى سرعة نحو مخرج الكهف الذي كنت أرى ضوءه الخافت.
كنت أركض، والأصوات الحادة تقترب من ظهري، أسمع خفقان أجنحتها الجلدية.
وفجأة...
بام!
تعثرت قدمي اليمنى!
أين؟
في نفس الحفرة اللعينة التي كدت أسقط فيها قبل دقيقة!
سقطت على وجهي بقسوة، واصطدم قناعي بالصخر.
"تباً لغبائي!" صرخت وأنا أتدحرج على الأرض.
مخالب خفاش مزقت كتف معطفي، وشعرت بحرقة حمضية تلامس جلدي.
ركلت الهواء بقدمي، وضربت خفاشاً آخر بمؤخرة مسدسي فسمعت صوت تحطم جمجمته.
نهضت بصعوبة، وأنا أترنح، ورميت نفسي حرفياً خارج الكهف.
تدحرجت على التراب خارجاً، ونهضت مسرعاً للاختباء خلف صخرة ضخمة.
الخفافيش اندفعت من مخرج الكهف كدخان أسود، وتابعت طيرانها في السماء الرمادية، باحثة عن فريسة أسهل في هذا الوادي المفتوح.
جلست خلف الصخرة، ألهث، وأمسك بكتفي الذي كان ينزف ببطء.
"يا لها من رحلة سياحية ممتعة..." سخرت من نفسي بمرارة.
نظرت إلى السماء. كانت تمطر.
ليس رذاذاً خفيفاً. بل كان سيلاً غزيراً. قطرات بحجم حصى صغيرة تضرب الصخور بقسوة.
وفوق كل ذلك...
كرااااااك! بووووم!
برق بنفسجي مرعب مزق السماء الرمادية، تبعه رعد جعل الجبال تهتز تحت قدمي.
البرق لم يكن يضرب لثانية ويختفي، بل كان يمتد كعروق متوهجة تضيء الظلام الدامس الذي بدأ يحل على إيريبوس. كان منظراً مهيباً، رائعاً كغضب الساميين.
"رائع! حقاً رائع!" صرخت محاولاً التغلب على صوت الرعد.
"كيف أحتمي من المطر الآن؟ إذا بقيت هنا، سأتجمد حتى الموت، أو سيصطادني صاعق سحري!"
يجب أن أتحرك.
بدأت أمشي بحذر شديد بمحاذاة جدار جبل عملاق، صخوره سوداء وملساء كأنها مصقولة.
كنت أبحث عن أي تجويف آمن، أي شق صخري لا يحتوي على كوابيس بأجنحة.
المطر كان يعمي بصيرتي، والرياح تعوي كأرواح معذبة.
التففت ببطء حول جانب الجبل العملاق، ممسكاً بمسدسي بيد ترتجف، والمطر يجلد زجاج قناعي.
وعندما تجاوزت الزاوية الصخرية... نظرت للأمام.
وميض برق بنفسجي هائل، كعرق نابض في سماء ميتة، أضاء المنطقة بأكملها للحظة واحدة، قاسية، وباردة.
وتجمد الكون.
أوه لا... يا إلهي... لا...
على بعد خمسين متراً تقريباً... كان يقف "شيء".
لم يكن غولاً، ولم يكن كلباً رمادياً، ولم يكن ينتمي لأي كابوس بيولوجي يمكن للعقل البشري أن يتقبله.
كان تجسيداً لخطأ في نسيج الواقع نفسه.
كان كائناً عملاقاً، طوله يتجاوز عشرين متر، لكنه كان نحيفاً بشكل يبعث على الغثيان الفوري.
نحيفاً كأن جسده مجرد قفص عظمي مُدّت عليه طبقة من الجلد البشري الداكن، المشدود بقوة مرعبة حتى كادت حواف العظام الحادة تمزقه من الداخل.
لم يكن يمتلك عضلات، ولا تفاصيل تشريحية منطقية.
كان يقف بانحناءة غير طبيعية، كعمود إنارة مكسور.
لكن يداه... يا إلهي، يداه!
كانتا طويلتين جداً، ممتدتين خارج أي تناسب بيولوجي، تتدليان بجانبه حتى تكاد أصابعه تلامس الأرض الصخرية.
لم تكن أصابع عادية، بل كانت كتلة من المفاصل المشوهة والملتوية التي تبدو وكأنها كُسرت وأُعيد جبرها عشرات المرات بشكل خاطئ.
والأبشع من كل ذلك... عندما ضرب وميض برق آخر، رأيت "رأسه".
كان رأسه بيضاوياً، مغطى بنفس الجلد الداكن والمشدود.
لم يمتلك أي ملامح! لا عينين... لا أنف... لا فم. لا ثقوب حتى للتنفس.
مجرد قناع أملس، صامت، وميت من الجلد الذي يبدو وكأنه نُزع من وجوه آلاف الجثث وصُهر معاً.
وفجأة...
وسط هدير العاصفة، وصوت المطر الذي يصم الآذان، حدث شيء مسح عقلي تماماً.
الصوت... اختفى.
ليس مجرد هدوء.
بل انعدام مطلق للصوت.
المطر كان لا يزال يسقط، وأرى قطراته ترتطم بالصخور، لكنني لم أعد أسمع شيئاً.
كأن هذا الكائن قد ابتلع ذبذبات الهواء نفسها.
ضغط جوي مرعب هبط على صدري، كأنني غصت فجأة في قاع محيط مظلم.
رغم أنه لا يمتلك عينين... شعرت به. شعرت بوزن نظرة ميتة، ساحقة، تخترق قناعي، تخترق جمجمتي، وتفتش في أعمق وأقذر زوايا عقلي.
رأسه الخالي من الملامح... التفت ببطء ميكانيكي.
طقطق... طقطق... كان هذا هو الصوت الوحيد الذي شق جدار الصمت المطلق. صوت تكسر عظام رقبته الجافة.
التفت حتى أصبح وجهه الأملس موجهاً نحوي مباشرة.
الشلل المطلق ابتلعني.
لم أستطع الرمش.
لم أستطع التنفس.
هذا لم يكن رعباً من وحش يريد تمزيق لحمي. هذا كان "رعباً كونياً".
رعب الوقوف أمام كينونة تعبث بأساسيات وجودك.
شعرت بغثيان كوني، رغبة هستيرية في التقيؤ، ليس من معدتي، بل من روحي.
"لا تتحرك..." همس جزء صغير جداً ومحتضر من عقلي المنطقي.
"إنه أعمى... ربما لا يراك. إذا تحركت، سيمزقك."
لكن غريزتي... تلك الغريزة الحيوانية التي صُقلت في الميتم ، كانت تصرخ بهستيريا تصم الآذان، تضرب جدران جمجمتي من الداخل: "لا تنظر إليه! لا تدع ظله يلامسك! اهرب! اهرب الآن!"
الرعب كان يحركني كدمية معلقة بخيوط من الهلع. استدرت بالكامل.
أعطيته ظهري. خطيئة مميتة في قوانين الصيد، لكنني لم أعد صياداً، كنت فريسة فقدت عقلها.
وانفجرت أركض.
ضخخت كل قطرة من إيترا الرتبة G الضعيفة في عضلات ساقي.
كنت أركض عائداً من حيث أتيت، محاذياً الجبل الأسود الأملس.
المطر يجلد وجهي، والوحل يتناثر خلفي.
كنت أدفع الأرض بقوة كادت تكسر عظام قدمي. لم أكن أركض للنجاة بجسدي، كنت أركض للنجاة بعقلي.
ركضت لمدة عشرين ثانية متواصلة.
عشرون ثانية من الركض الجنوني الأعمى.
كان يجب أن أكون قد قطعت مسافة آمنة جداً. كان يجب أن أكون قد تجاوزت منحنى الجبل بالكامل واختفيت عن أنظاره.
يلهث صدري كمنفاخ مثقوب.
الرؤية مشوشة من العرق والدموع التي لا أعلم متى بدأت تنهمر.
التفت برأسي قليلاً لأنظر إلى الجدار الصخري بجانبي لأقيس المسافة.
تجمد الدم في أوردتي.
أنا... لم أتجاوز الجبل.
بالكاد تحركت أمتاراً قليلة.
"هاه؟" سعلت، والارتباك يغمرني، محولاً الخوف إلى ذعر جنوني.
"ماذا... لماذا المسافة أصبحت أبعد؟ الجدار... الجدار يبدو وكأنه يتمدد!"
توقفت للحظة، قدماي غائصتان في الوحل البارد، والبرودة تأكل عظامي.
لم أستطع مقاومة الرغبة المريضة.
التفت للخلف لأنظر.
الوميض البنفسجي أضاء المشهد مجدداً.
الكائن... لم يكن يتحرك.
يداه الطويلتان ذوات المفاصل البشعة لا تزالان متدليتين.
ساقاه النحيفتان لم تخطوا خطوة واحدة. كان يقف ثابتاً تماماً كالتمثال الملعون، وجهه الأملس لا يزال مصوباً نحوي.
لكنه... كان أقرب.
لقد كان على بعد خمسين متراً.
الآن... أصبح على بعد ثلاثين متراً فقط.
"مـ... ماذا؟" تمتمت، والصوت يخرج من حلقي كأنين طفل يحتضر.
عقلي بدأ يتمزق، يرفض معالجة ما تراه عيناي.
كيف أصبح أقرب وهو لم يحرك عضلة واحدة؟ هل كانت الأرض تنزلق بي نحوه كبساط ملعون؟
هل كان المكان ينكمش؟ نظرت إلى الصخور بيني وبينه... كانت تبدو "مضغوطة".
مشوهة هندسياً.
كأن المسافة المادية نفسها تُسحق تحت وطأة وجوده.
الرعب كسر كل جدران صمودي.
السيطرة على مثانتي كادت تفلت.
الدموع الساخنة والمحترقة تدفقت من عيني، تحرق وجهي البارد تحت القناع الساخر.
أعطيته ظهري مجدداً، وهذه المرة، لم أركض فقط.
كنت أقفز، أدفع الأرض بكل قوتي، أصرخ صرخة مكتومة ومبكوحة من فرط الجهد والرعب.
عضلات ساقي كانت تتمزق من الداخل حرفياً، شعرت بألياف اللحم تتقطع.
ضغط الدم ارتفع في رأسي حتى شعرت بقطرات دافئة ولزجة تسيل من فتحتي أنفي وتسقط على شفتي.
"ابتعد! ابتعد عني!" كنت أصرخ في داخلي، واللعاب يسيل من فمي المفتوح.
ركضت حتى كادت رئتاي تنفجران وتطيران من قفصي الصدري.
ركضت كحيوان يفر من مسلخ، يجر أطرافه المكسورة.
لا بد أنني قطعت مائة متر على الأقل! لا بد! لقد ركضت بكل ما أوتيت من قوة!
تعثرت بحجر حاد لم أره.
سقطت بقسوة بالغة.
ارتطم وجهي المقنع بالوحل والمياه الآسنة. طعم التراب والدم ملأ فمي.
كنت أبكي.
أشهق بصوت مسموع ومثير للشفقة. لا أستطيع السيطرة على ارتعاش جسدي.
أظافري كانت تغرس في الطين محاولة سحب جسدي للأمام كدودة مقطوعة النصف.
رفعت رأسي ببطء... ببطء شديد، وركبتي ترتجفان.
التفت للخلف للمرة الثالثة، وعيناي نصف مغمضتين، أصلي ألا أراه.
البرق ضرب بقوة كادت تعمي بصري، جاعلاً الظلال سوداء كحبر مسكوب.
كان يقف على بعد خمسة أمتار فقط.
لم أعد أرى مجرد ظل.
كنت أرى التفاصيل الآن.
تفاصيل ستجعلني أفضل فقء عيني على رؤيتها مجدداً.
رأيت كيف أن الجلد الداكن على وجهه الأملس يرتجف ببطء.
رأيت أن الأصابع الطويلة جداً التي تلامس الأرض كانت تتلوى، تنبض بحياة شيطانية، والمفاصل المشوهة تنقبض وتنبسط كأنها تتذوق الهواء.
لم يتحرك. لم يخطُ. لكن المسافة الميتة بيننا مُحيت كأنها وهم.
إنه لا يركض خلفك.
إنه لا يطاردك. إنه يجلب الفضاء الذي تقف عليه إليه.
إنه يطوي الواقع كقطعة ورق رخيصة، وأنت مجرد حشرة عالقة في طياتها.
وأنا... ملقى في الوحل، أنزف، أبكي كطفل، وعقلي ينهار... لم يعد لدي طاقة لخطوة واحدة أخرى.