الفصل الرابع عشر: كذبة

كان الوحل البارد يلتصق بوجهي كقناع من الجليد القذر، يخنق أنفاسي ويملأ فمي بطعم الموت المالح.

لم تكن الأرض تحتي مجرد طين وصخر، بل كانت تبدو وكأنها جلد متعفن لجثة كونية أزحف عليها كطفيلي حقير.

دموعي الساخنة كانت تغلي تحت قناعي الأسود، تحفر مسارات يائسة على وجنتي المتجمدتين، وتختلط بدماء الوحوش التي لطختني.

كنت ملقى على بطني، أجرّ جسدي النحيل إلى الخلف، أغرس أظافري المتكسرة في الطين بقوة كادت تقتلعها من جذورها، محاولاً سحب نفسي بعيداً عن الكيان الذي يقف أمامي.

لكن كلما حاولت التراجع، كان الفضاء نفسه يخونني.

الأرض تنكمش. المسافة تُبتلع وتُطوى كقطعة قماش رخيصة في يده.

ثلاثة أمتار.

هذا كل ما تبقى. ثلاثة أمتار فقط كانت تفصل بين نبض قلبي البشري الضعيف، وبين ذلك "الشيء ".

لم يكن يقف أمامي مجرد وحش سيمزق لحمي؛ كان يقف أمامي ثقب أسود يرتدي هيئة كابوس.

كان يقف هناك، يداه الطويلتان ذوات المفاصل المشوهة والملتوية تتدليان بسكون مريض يبعث على الغثيان.

وجهه الأملس، الخالي من أي ملامح أو ثقوب، الجلد الداكن المشدود على عظام جمجمته كطبلة مشدودة... كان موجهاً نحوي مباشرة.

لم يمتلك عينين، لكنني أقسم بكل ذرة إدراك متبقية لدي، أنه كان "يراني".

لم تكن نظرة بصرية؛ كانت عملية سلخ لروحي.

كان يخترق قناعي، وعظام جمجمتي، ويغوص في أعمق وأقذر زوايا عقلي.

كان يقرأ ذكرياتي، مخاوفي، خطاياي، ويقلبها ببرود لا نهائي، كمن يقلب نفايات لا قيمة لها.

في غمرة هذا الرعب الذي شلّ كل أطرافي، ومضت في عقلي فكرة مجنونة، مريضة، ومناقضة لكل قوانين الطبيعة وغريزة البقاء: ماذا لو تقدمت؟

بما أن التراجع للخلف يجعله أقرب ويسحق المسافة، هل إذا زحفت نحوه... هل ستبتعد المسافة؟ هل سيندفع الفضاء للخلف؟ هل هذه هي قاعدة لعبته المريضة؟

لكن بمجرد أن تشكلت الفكرة في ذهني، سحقها الرعب.

رفضت. رفض كل عصب، وكل خلية، وكل قطرة دم في جسدي أن تتجرأ على التقدم مليمترًا واحدًا نحو ذلك الكيان.

مجرد التفكير في تقليل المسافة بإرادتي نحو الموت المطلق، جعل معدتي تنقبض بعنف وكأنني سأتقيأ أحشائي على الأرض.

"هذه هي النهاية..." همس صوت محطم، منكسر، داخل سرداب جمجمتي.

الاستسلام بدأ يزحف إلى قلبي كسمّ بطيء، يخدر أطرافي ويسحب مني الرغبة في المقاومة.

أغمضت عيني نصف إغماضة، واليأس يطبق على صدري كجبل من الرصاص.

هل سأموت هنا؟ في هذا الوادي الملعون المليء بالطين والدم؟

لقد نجوت من ميتم "أمل الفجر".

نجوت من الغرفة ذات الضوء الأحمر، ومن رؤية عين إدغار المتدلية كبندول كابوسي، وسيرين الغارقة في السائل الأخضر تنتفض في سكرات الموت.

لقد نجوت من الحريق السحري الذي التهم قصر فالتير، ونجوت من مشهد جثة مورفيند المعلقة على خازوق الإيترا وفيكتور المحترق تحتها ككومة رماد هشة.

هل قاومت كل ذلك، وعانيت من حروق الروح قبل الجسد، لكي أموت هكذا؟

بصمت؟ كحشرة تُسحق تحت عجلة القدر دون أن يلاحظها أحد؟

لم أحقق أياً من أهدافي.

لم أعد إلى الميتم لأحرقه على رؤوس من فيه وأسمع صراخ السيدة غريس.

لم أعلم قط من كان يمول تلك التجارب البشرية البشعة ويحوّل الأيتام إلى وحوش في قاع الأنابيب.

ولم أكتشف هوية الوغد الذي أرسل النيران الزرقاء ليحرق عائلتي الوحيدة ويتركني يتيماً للمرة الألف.

الموت هكذا؟ بلا إجابات؟ بلا قطرة دم واحدة أسفكها انتقاماً؟

لماذا كانت حياتي هكذا من الأساس؟ منذ أن فتحت عيني في هذا العالم، بدا وكأن الكون بأسره قد صاغ مسرحية دموية خصيصاً لتعذيبي.

ماذا فعلت لأستحق هذا الجحيم المتصل؟ أنا لست شريراً عظيماً لأسقط في ملحمة، ولست بطلاً مختاراً لأموت فداءً للبشرية.

أنا مجرد نكرة! مستيقظ قذر من الرتبة J، أمضى ثماني سنوات من العذاب المهين، يجمع الفتات، ينام في الأزقة، ويقاتل فئران الزنزانات، فقط ليرتقي إلى الرتبة G.

ثماني سنوات لكي أصل إلى مستوى يسمح لي بالكاد بأن أُعامل كإنسان من الدرجة الثالثة!

وحتى عندما ابتسم لي القدر ابتسامته الساخرة والمريضة، وأعطاني مهارة أسطورية... مهارة [رؤية المستقبل - SSS].

ما الفائدة منها؟ ما الفائدة من أن تمنح أعمى عينين ليرى نيزكاً يسقط على رأسه دون أن يمتلك ساقين للهرب؟

ما الفائدة من رؤية الكارثة إذا كنت أعجز عن إيقافها أو حتى تغيير حرف واحد من مسارها؟

وفي تلك اللحظة، بينما كنت أراقب وجه الكيان الأملس، سقطت كل أقنعتي.

ليس القناع المادي الذي أرتديه، بل القناع الذي غلفت به روحي الممزقة.

تذكرت كلماتي لنفسي.

تذكرت ذلك الغرور الزائف الذي ارتديته كدرع واقٍ في شقتي المتهالكة.

لقد فكرت "بشجاعة" مصطنعة عندما رأيت نهاية العالم.

قلت لنفسي بثقة مقززة إنني سأكون "الجوكر الأسود". سأرقص في الجحيم.

سأنتظر حتى تسقط أعظم نقابات العالم وتُسحق جماجم أبطالها من الرتبة S أمام الكيانات الكونية، ثم سأتسلل كالظل الماكر لأجمع غنائمهم، وأسرق كنوزهم، وأعيش كملك متوج على عرش الأنقاض.

يا لي من كاذب... يا لي من كاذب حقير ومثير للشفقة.

الآن، وأنا أرتجف في الوحل وأتبول على كبريائي أمام هذا المخلوق الطويل، أدركت الحقيقة العارية التي لطالما هربت منها.

"الجوكر الأسود" لم يكن سوى كذبة نسجتها من خيوط رعبي.

تلك "الشجاعة" وذلك "الجنون" اللذان ادعيتهما، لم يكونا سوى بطانية مهترئة يسحبها طفل مرعوب فوق رأسه في ليلة مظلمة، ليوهم نفسه أن الوحوش في خزانته لا تستطيع رؤيته.

لقد خلقت شخصية اللص الماكر لأن "كايل فالتير" كان أضعف وأهش من أن يتقبل حقيقة أنه عاجز تماماً أمام قسوة الوجود.

كنت أوهم نفسي بأنني ذئب يتربص في الظلام، ينتظر سقوط الأسود لينهش لحمها... بينما في الحقيقة، لم أكن سوى دودة بائسة، تدلّس على نفسها وتحلم بوراثة جثة العالم.

كيف خططت لسرقة أبطال سقطوا أمام كائنات كهذه؟ كيف اعتقدت، بغبائي المطلق، أنني سأنجو في ساحة معركة تعبث فيها هذه الساميين المشوهة؟

أنا أعلم... في أعماق قلبي، في تلك الغرفة المظلمة التي أخفي فيها جبني، أنا أعلم الحقيقة المطلقة.

حتى لو نجوت اليوم، حتى لو حصدت ملايين البشر بمهارتي اللعينة، حتى لو شربت دماء النقابات كلها وتطورت ووصلت إلى الرتبة S... فلن أستطيع فعل شيء.

عندما ينزل ذلك "النصف المظلم" من السماء الحمراء، وعندما تمشي هذه الكيانات الكونية على الأرض، لن يوقفها أحد.

لا أنا، ولا وحوش الاستخبارات، ولا جاكسون ريد برصاصاته، ولا الساميين السبعة بعظمتهم الكاذبة.

كلنا، من رتبة J إلى رتبة SS، مجرد غبار كوني ينتظر مكنسة الفناء.

لقد كنت أرفض الاستسلام طوال حياتي، أقاتل كفأر محاصر في زاوية. لكنني الآن... انكسرت.

أستسلم. أستسلم أمام مخلوق ربما لا يكون حتى الكارثة النهائية، بل مجرد ظل من ظلالها.

استسلمت لأن روحي التي رممها مورفيند، قد طُحنت أخيراً وتحولت إلى رماد لا يمكن إشعاله مجدداً.

كنت أرتجف بعنف يهدد بتحطيم مفاصلي.

أسناني تصطك ببعضها البعض بقوة كادت تكسر طبقة المينا.

كنت أخشى أن أتحدث بكلمة، أخشى أن أتنفس، أخشى أن يسمع نبضات قلبي اليائسة.

كنت كجثة تتنفس، أنتظر فقط اللحظة التي يقرر فيها هذا الشيء أن يمحو وجودي.

بقي المخلوق العملاق ينظر إليّ بوجهه الأملس.

الصمت المطلق، ذلك الصمت الذي سرق صوت المطر والرياح، كان يضغط على طبلة أذني حتى شعرت بالدماء الحارة تسيل منها ببطء على رقبتي.

لثوانٍ بدت كالقرون الثقيلة، بقينا هكذا.

هو يجسد كمال الموت، وأنا أجسد ذلّ العدم.

ثم...

طقطق... كراااك...

الصوت الوحيد الذي سُمح له باختراق هذا الفراغ الصامت والمقدس في بشاعته.

التفت رأس المخلوق ببطء ميكانيكي، عائداً إلى وضعه الطبيعي.

لم يفعل شيئاً.

لم يرفع يده الطويلة ذات المفاصل البشعة.

لم يمزقني إلى أشلاء.

استدار بظهره النحيل، والمقوس بشكل مرضي يخالف كل تشريح.

وبخطوة واحدة، خطوة هادئة انزلقت في الفضاء كأنها تبتلع المسافة أمامه دون أن يتحرك جسدياً، ابتعد.

وفي الخطوة الثانية، ذاب في ستارة المطر والضباب والظلام.

اختفى تماماً، كأنه هلوسة كونية لم تحدث قط.

انتهى الضغط الجوي فجأة، وانكسر جدار الصمت المطلق.

عاد صوت المطر يضرب الصخور كالمطارق، وعاد صوت الرعد يعوي في السماء كوحش جريح.

حاولت سحب الهواء إلى رئتي المفرغتين، لكن الأكسجين العائد ضرب حنجرتي الجافة كحمض مشتعل.

شهقت بقوة، وتقيأت عصارة معدتي الخاوية على الوحل، ثم سعلت بعنف هستيري وأنا أخدش صدري كالمجنون.

لم أستطع التفكير في سبب تركه لي. لم أستطع تحليل إهانة نجاتي.

لأن الظلام كان قد التهم ما تبقى من وعيي المنهار.

انطفأت عيناي، وغرقت في غيبوبة من السواد الرحيم.

...

...

...

​برودة قاسية، لا تنتمي لعالم الأحياء، كانت أول ما سحبني من قاع غيبوبتي. برودة تلسع النخاع الشوكي كإبر من الجليد المسموم.

​فتحت عيني بصعوبة بالغة، وكأن جفوني قد خُيطت ببعضها بخيوط من الطين الجاف والدم المتخثر.

سماء إيريبوس كانت لا تزال غارقة في رمادية داكنة، لكن المطر الغزير الذي كاد يغرقني قد توقف، تاركاً خلفه رذاذاً خفيفاً ورياحاً تعوي بين الشقوق الصخرية كأرواح أطفال تُعذب في الجحيم.

كان الوقت متأخراً من الليل، والظلام يلتهم كل شيء.

​جلست ببطء مرعب، وعضلاتي تصرخ من ألم يتجاوز التمزق؛ كان ألماً يشبه انسلاخ اللحم عن العظم.

​"لا زلت... حياً؟"

​تمتمت، وصوتي يخرج مبحوحاً، خشناً، ومكسوراً كصوت احتكاك حجري رحى يطحنان الهواء.

لم يكن في نبرتي أي فرح بالنجاة، بل كان هناك استنكار مرير.

نجاة بطعم الإهانة المطلقة.

​رفعت يدي المرتجفة نحو وجهي.

أصابعي المخدرة تلمست حواف القناع الأسود ذي الابتسامة الزرقاء الساخرة.

سحبته ببطء وألقيته بجانبي في الوحل.

تنفست الهواء البارد النقي، غير المفلتر بمرشحات القناع الذي كنت أختبئ خلفه.

الصقيع صفع وجهي العاري، مؤكداً لي أنني لم أغادر هذا الجحيم بعد.

جسدي ما زال هنا، لكن روحي... روحي بقيت هناك، مسحوقة تحت أقدام ذلك الكيان.

​نظرت إلى يدي الأخرى.

كنت لا أزال أقبض على مسدسي الجلوك بقوة تشنجية أوقفت تدفق الدم في مفاصلي.

رفعته في الظلام الخافت، وسحبت المخزن ببطء.

​فارغ. لا توجد فيه رصاصة واحدة.

​لقد أفرغته بالكامل في جماجم كلاب الرماد والغيلان الصخرية.

أعدت المخزن الفارغ إلى مكانه بتراخٍ تام.

مسدس؟ رصاص مشبع بالإيترا؟ تكتيكات قتالية؟ ما أسخف هذه الأشياء!

إنها مجرد ألعاب أطفال بلاستيكية حاولنا، نحن البشر المغرورين، أن نقنع بها أنفسنا أننا نملك فرصة.

قطعة الخردة المعدنية هذه لا وزن لها في ميزان الكيانات الكونية التي تطوي الفضاء كقطعة ورق.

​"سأكون رصاصاً من الإيترا لاحقاً..." تمتمت بابتسامة باهتة وميتة، أسخر من وعودي السابقة لنفسي.

أي إيترا؟ إيترا الرتبة J التي صعدت بها إلى G؟ إنها مجرد شمعة تحاول إضاءة ثقب أسود.

​أسندت ظهري المنهك إلى الصخرة الباردة والمبللة خلفي، وجلست متربعاً في الطين.

عقلي التحليلي، الذي أُغلق تماماً بسبب صدمة الرعب، بدأ ينبض ببطء مريض، يحاول تجميع شظايا اللغز الذي كاد يمحو وجودي قبل قليل.

​ماذا كان ذلك الشيء؟

​هل كان وحشاً من الرتبة SS؟ إذا كان كذلك، فإن تصنيفات البشر هي مجرد نكتة سامجة.

الرتب من A وما دونها تتعامل مع القوة الفيزيائية، وتدمير المباني، وحرق الغابات.

إنها كوارث، نعم. لكن الأساطير التي كانت تُهمس في أزقة إيليزيوم عن الرتبة S وما فوقها (SS و SSS) كانت تتحدث عن شيء مختلف.

الكيانات من هذه المستويات لا تكسر الصخور... بل تكسر القوانين.

تكسر الرياضيات. تكسر حدود المنطق.

​فكرت في تلك اللحظات الكابوسية.

هل كان مصادفة أنه كلما نظرت إليه... أضاء الرعد البنفسجي السماء؟

لا يمكن.

البرق لم يكن ظاهرة جوية وقتها؛ كان وكأن العالم نفسه، بكل ذل وعبودية، يضيء كالمسرح لتسليط الضوء على وجود هذا الكيان.

كأن الطبيعة ذاتها كانت راكعة تجبرني على رؤيته.

​وماذا عن فقداني لحاسة السمع؟

المطر كان يجلد الوحل، والرياح كانت تعوي، لكنني لم أسمع سوى الصمت الميت.

الصمت المطلق... باستثناء صوت واحد فقط: طقطقة عظام رقبته.

لقد سمعت تكسر عظام رقبته الجافة من مسافة خمسين متراً بوضوح تام!

​هذا مستحيل فيزيائياً.

لم يكن صمماً أصابني؛ بل كان "اغتصاباً للواقع".

لقد قرر ذلك المخلوق أن يسرق كل الأصوات من حولي، وجرد العالم من تردداته، وسمح لي فقط بسماع ما أراده هو أن يُسمع.

لقد شوه المكان، محا المسافة، واقترب دون أن يخطو خطوة واحدة.

​"لم يكن يطاردني..." تمتمت، وشعور بالغثيان الفلسفي يغمرني، غثيان إدراك حقيقة حجمنا في هذا الكون.

"لقد كان يلعب بالمسافة. لقد طوى الواقع، وسرق الصوت، وتلاعب بالبرق... ثم تركني أعيش. لماذا؟ أين المنطق؟"

​لا يوجد منطق. هذا هو الدرس الأقسى.

​"لا يوجد أي شيء منطقي في هذا العالم المريض..." مسحت وجهي بيدي القذرتين، ملطخاً إياه بطين إيريبوس.

"القوانين الفيزيائية، المعادلات، استراتيجيات النجاة، طموحات البشر، النقابات... كلها مجرد هياكل ورقية نبنيها لنخفي بها حقيقة أننا نعيش في مسلخ تديره ساميين مجنونة."

​نظرت حولي في الظلام الحالك. الجبال السوداء كانت تحيط بي كأسوار سجن أبدي.

​وهنا، صفعني رعب من نوع آخر. رعب الضياع المطلق.

​أين أنا؟

​لقد ركضت بعمى تام.

ركضت بهستيريا هرباً من وجهه الأملس، ولم أنظر إلى أي علامة، ولم أحفظ أي طريق.

لا أعرف أين أنا الآن في سلسلة جبال إيريبوس الواسعة.

​تذكرت المهمة الإجبارية اللعينة.

استعادة النصل المنسي في الأنفاق السحيقة.

"الأنفاق السحيقة..." ضحكت ضحكة جافة، يائسة. "أين هي؟ هل هي قريبة من الشلال الدموي الذي تركته خلفي؟ هل ركضت مبتعداً عنها؟ أم أنني ركضت نحوها دون أن أدري؟ أنا أعمى يتخبط في أحشاء وحش لا يعرف أين يقع قلبه."

​لا أعرف إن كنت على بعد أمتار من هدفي، أو على بعد مئات الكيلومترات في الاتجاه المعاكس.

أنا ضائع تماماً في أخطر بقعة على وجه الكوكب.

​سؤال واحد، ثقيل ومسموم، طفا على سطح وعيي: هل أكمل؟

​وهل يوجد خيار حقاً؟

​تأملت في الموقف. أنا أقف في ممر مظلم مجهول الهوية داخل متاهة كونية.

أمتلك طريقين فقط، وكلاهما ليس فيهما مخرج حقيقي.

​"طريقان..." همست للرياح التي تداعب شعري المبلل، وصوتي يحمل حكمة اليأس الخالص.

"الطريق الأول هو الاستسلام. العودة للخلف أو البقاء هنا حتى أتجمد أو تفترسني كلاب الرماد. وهذا يعني أن النظام سيعتبرني فاشلاً. سيسحب إيترا جسدي، وسأموت موتاً إكلينيكياً مهيناً بقرار من شاشة حمراء."

​ابتلعت ريقي الجاف، الذي كان كشفرات حلاقة في حلقي.

​"والطريق الثاني... هو التقدم في هذا العمى. المضي قدماً للبحث عن نفق لا أعرف مكانه، قد يكون محروساً بجيش من الشلال الدموي، أو بكيانات أسوأ من ذلك ذي الأطراف الطويلة... لكي أحصل على سيف قد لا أعيش لألمس مقبضه."

​أغمضت عيني، مستسلماً لحقيقة موقفي.

​كلا الطريقين لا يؤديان إلى النجاة. كلاهما يؤديان للموت.

الأمر أشبه بأن تكون محبوساً في زنزانة زجاجية تغرق بالماء ببطء، ويقف سجانك في الخارج ممسكاً بمطرقة، ويخيرك بابتسامة سادية: هل تفضل الغرق ببطء واختناقاً؟ أم تفضل أن أكسر الزجاج فوق رأسك لتسحقك شظاياه ويمزقك التيار؟

​أنت لست مخيراً في بقائك على قيد الحياة، أنت مخير فقط في شكل الكفن الذي سترتديه.

​لكن... الموت بقرار من نظام إلكتروني زرع نفسه في عقلي، يبدو مهيناً بشكل لا يُحتمل.

إذا كان عليّ أن أموت، فلتمزقني وحوش إيريبوس.

سأترك جثتي لهم، لكنني لن أعطي الشاشة الحمراء متعة تنفيذ حكم الإعدام فيّ.

2026/04/20 · 48 مشاهدة · 2219 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026