الفصل الخامس عشر : النهر الأسود

قاطعت أفكاري الفلسفية السوداوية حاجة بيولوجية ملحة، حقيرة، ولا ترحم.

حقيقة أسقطت كل نظرياتي الكونية إلى الوحل.

​حنجرتي كانت تصدر صوتاً كاحتكاك ورق الصنفرة بخشب جاف.

شفتي كانتا متشققتين، تنزفان دماً تخثر وقشرته بأسناني.

​"أشعر... بالعطش..."

​تمتمت بصعوبة بالغة، ولساني يلتصق بسقف حلقي كقطعة جلد ميتة.

​يا لها من سخرية مريرة! قبل لحظات كنت أفكك عبثية الوجود وأتأمل في حتمية الموت، والآن... الآن أنا مستعد لبيع روحي، وبيع كل أفكاري الفلسفية، والتنازل عن كبريائي، مقابل قطرة ماء واحدة.

الكيان الكوني تركني أعيش، لكن جسدي البشري الهش يقرر أن يقتلني من الجفاف!

​وقفت مترنحاً كسكير فُتح له باب الجحيم. اعتمدت على الجدار الصخري البارد لأسند جسدي المتهالك الذي يرفض إطاعة أوامري.

​أنا ضائع. أنا محطم. أنا عاجز.

لكنني... عطشان جداً.

...

...

​بدأت المشي.

ولم يكن مشياً، بل كان زحفاً عمودياً.

​لم يكن العثور على الماء في جبال إيريبوس أمراً سهلاً كالبحث عن ينبوع في غابة.

هذا المكان ملعون، وحتى ماؤه يختبئ كأنه يخشى وحوشه.

​سرت لساعات. أو ربما لدقائق بدت كساعات. فقدت الإحساس بالزمن.

كانت أقدامي، التي أُذيب باطنها في حريق القصر ومُزقت في الركض الأعمى، تترك بصمات دموية باهتة على الصخور البركانية المدببة.

كل خطوة كانت ترسل صدمة كهربائية من الألم عبر عمودي الفقري.

كنت أجرّ ساقي جراً، أتعثر بالحصى الخشن وأسقط على وجهي، لأنهض مجدداً ويداي تنزفان من محاولة التشبث بالصخور الجليدية.

​الظلام كان يتلاعب بعقلي.

كنت أرى ظلالاً تتحرك في زوايا رؤيتي.

كنت أسمع خطوات ذلك الكيان ذي الأطراف الطويلة خلفي، فألتفت برعب لأجد الفراغ فقط.

العطش والخوف كانا يمزجان الواقع بالهلوسة.

حنجرتي أغلقت تماماً، ولم أعد قادراً حتى على ابتلاع ريقي الذي تحول إلى مادة لزجة كالغرِاء.

​"ماء... أي شيء..." تمتمت في عقلي، لأن شفتي رفضتا الانفراج.

​بعد تسلق شاق ومنهك لتل صخري شديد الانحدار، تمزقت فيه أظافري، وصلت إلى القمة وسقطت على بطني ألهث.

وهناك... التقطت أذني صوتاً.

​لم يكن زئيراً. لم يكن صوتاً كابوسياً. كان صوت خرير قوي، عنيف، لكنه يحمل وعداً بالحياة.

​زحفت على بطني حتى حافة المنحدر ونظرت للأسفل.

كان هناك نهر.

​نهر أسود غاضب، يشق طريقه بعنف بين الصخور، مياهه تتلاطم بقسوة وتتطاير منها رغوة بيضاء تبدو كأنياب كلب مسعور.

لم يكن نهراً هادئاً، بل كان شرياناً متوحشاً ينبض في قلب الجبل.

​تدحرجت على المنحدر، غير مكترث للخدوش التي أضافتها الصخور الحادة إلى جسدي.

سقطت بقسوة على ضفة النهر المغطاة بالحصى الأملس البارد.

​رميت وجهي مباشرة في التيار المظلم.

​شربت.

شربت بجنون حيواني لا يمت للبشر بصلة.

​الماء كان شديد البرودة، بارداً لدرجة أنه صفع دماغي بألم حاد كالمسامير، وطعمه كان ثقيلاً، يحمل نكهة المعادن الحادة، الرماد، وشيئاً من العفونة القديمة.

لكنه بالنسبة لي في تلك اللحظة كان أشهى وأطهر من نبيذ الساميين.

شعرت بالماء المتجمد ينزل في مريئي، يطفئ النيران التي كانت تحرق معدتي، ويوقظ خلاياي الميتة.

شربت وشربت، أختنق وأسعل ثم أعود لأشرب، حتى شعرت بأن بطني سينفجر.

​رفعت رأسي أخيراً، أشهق بسعادة بدائية، والمياه السوداء تتقاطر من ذقني وشعري الأسود الملتصق بجبيني.

​تراجعت للخلف، وجلست على الحصى البارد. نظرت إلى قدمي.

الحذاء التكتيكي كان ممزقاً، ذائباً، وملتصقاً باللحم المتقرح.

ببطء شديد، وبألم جعلني أعض على شفتي حتى نزفت مجدداً، خلعت ما تبقى من حذائي وجواربي المدممة.

​كان باطن قدمي عبارة عن لوحة من اللحم المسلوخ والحروق المتقيحة والتقطعات العميقة.

​زحفت نحو حافة النهر، ودليت قدمي الممزقتين في التيار الجليدي.

​"آآآه..."

​أطلقت تنهيدة طويلة، عميقة، محملة بوزن الجبال التي تحيط بي.

البرودة القارسة خدرت النهايات العصبية المشتعلة، وأوقفت النزيف ببطء.

كان ألماً يتبعه ارتياح مقدر.

​أسندت يدي خلف ظهري، وأرجعت رأسي للوراء، أنظر إلى السماء الرمادية الميتة.

​تأملت حالي. تأملت هذا الكيان الجالس على ضفة نهر في الجحيم.

​"انظر إليك يا كايل فالتير..." همست بابتسامة ساخرة، مكسورة، تخلو من أي بهجة.

"الجوكر الأسود العظيم. تجلس هنا، تغسل أقدامك المسلوخة في نهر مجهول، تبكي وتتبول رعباً من ظلال الجبال. هل كان مورفيند سيشعر بالفخر إذا رآك الآن؟ أم كان سيشفق عليك؟"

​تنهدت مجدداً.

تنهيدة رجل أدرك أن القاع الذي وصل إليه يحتوي على قبو تحته.

​لكن... بمجرد أن ارتوت خلاياي وهدأ ألم قدمي، استيقظ وحش آخر في داخلي.

​صوت قرقرة عميق، مؤلم، وممزق انطلق من معدتي.

ألم حاد، يشبه انغراس سكين حار في أمعائي، جعلني أنحني وأمسك ببطني.

​الإيترا التي استهلكتها في الركض الجنوني، والجروح التي التأمت جزئياً بقوة نواة غول الظلال الأرجوانية التي ابتلعتها في الزقاق، كلها كانت تطالب بالثمن.

جسدي يحرق طاقته بسرعة مريضة لكي لا ينهار الخلوياً.

​"أنا... جائع."

​لم يكن جوعاً عادياً لقطعة خبز أو تفاحة.

كان جوعاً أيقظته نواة الوحش التي اندمجت في دمي.

جوعاً حيوانياً، يتوق إلى اللحم.

إلى الطاقة المكثفة. إلى الافتراس.

​نظرت حولي في الوادي المظلم.

لا يوجد شيء. لا نباتات، لا حيوانات عادية.

​ثم... حوّلت نظري إلى المياه السوداء المتدفقة تحت قدمي.

​التيار كان سريعاً، لكن المياه بالقرب من الضفة كانت تشكل بركاً صغيرة ودوامات هادئة نسبياً.

وبينما كنت أحدق في الظلام المائي، لمحت حركة.

​شيء سريع.

ظلال تنزلق تحت سطح الماء بعكس التيار.

أسماك؟

​"في هذا النهر الملعون؟" تمتمت، وغريزة الافتراس تشتعل في عيني القرمزيتين.

​سحبت قدمي من الماء ببطء شديد.

استلقيت على بطني فوق الحصى، وقربت وجهي من السطح، ممدداً يدي اليمنى فوق الماء.

ركزت ما تبقى لدي من إيترا الظلال في يدي، لتشكل طبقة رقيقة وقاسية حول أصابعي كقفاز غير مرئي.

​راقبت الظلال تحت الماء.

كانت تتحرك بحركات متعرجة، حادة.

​انتظرت. انتظرت حتى اقترب أحد الظلال من السطح في الدوامة القريبة.

​بسرعة وحشية لا تمت للبشر بصلة، ضربت بيدي في الماء المتجمد.

أصابعي انغلقت بقوة ساحقة على شيء لزج، عضلي، وصلب كالصخر.

​الشيء انتفض بعنف مجنون، وكاد يسحب ذراعي إلى الداخل.

لكنني صرخت، وسحبته بقوة، ملقياً به على الحصى خلفي.

​استدرت بسرعة لأنظر إلى "صيدي".

​وتراجعت للخلف باشمئزاز أثار غثياني.

​لم تكن سمكة.

لقد كنت في إيريبوس، حيث لا شيء طبيعي.

​الكائن الذي كان يتلوى على الحصى كان عبارة عن كابوس مائي مقزز.

طوله يقارب ذراعاً بشرياً.

لم يمتلك حراشف، بل كان مغطى بصفائح عظمية رمادية تتداخل كالدروع.

لم يكن له ذيل سمكة، بل مجسات لحمية تنتهي بشفرات عظمية صغيرة تضرب الأرض بعنف.

​والأسوأ من ذلك كله... لم يمتلك عينين.

بل كان رأسه عبارة عن فم دائري ضخم، ينفتح وينغلق بسرعة، كاشفاً عن صفوف دائرية من الأسنان الحادة كالإبر، تدور كمنشار آلي صغير.

كان يصدر صوتاً يشبه فحيح الأفعى، ويقذف لعاباً أسود يذيب الحصى تحته.

​كان هذا طفيلياً شيطانياً، وليس سمكة.

​انقض الكائن نحوي، محاولاً غرس فمه الدائري في ساقي.

​"ابتعد أيها المسخ!"

​ركلته بقوة بقدمي، ثم سحبت مسدسي الفارغ، وبكل ما أوتيت من قوة ويأس وجوع، هويت بمؤخرة المسدس المعدنية الثقيلة على رأسه.

​كراااك!

​تهشمت الصفائح العظمية. ضربته مرة أخرى. وثالثة.

ورابعة.

حتى توقف عن الحركة، واندلق من رأسه المحطم دم لزج، أسود ومائل للزرقة، تفوح منه رائحة الوحل الفاسد والصديد.

​ألقيت المسدس جانباً.

كنت ألهث.

​نظرت إلى جثة الكائن المقزز.

رائحته كانت تدفع للقيء الفوري.

​لكن... الجوع في معدتي زأر.

نواة الغول في دمي كانت تصرخ مطالبة باللحم.

​لا أمتلك ناراً لطهيه.

وحتى لو امتلكت، فأنا أرتعب من النار، وضوؤها سيجذب كوابيس الجبال إليّ.

​أمسكت بالكائن من وسطه.

كان لزجاً وبارداً.

استخدمت سكيني التكتيكي المكسور الحافة لأشق بطنه المدرع بصعوبة.

انفتحت أحشاؤه، لتتدلى أعضاء داخلية سوداء وصفراء، تنبض ببطء مقزز.

​أغمضت عيني بقوة حتى لا أرى البشاعة.

حبست أنفاسي كي لا أشم الرائحة.

​رفعت اللحم النيئ، المغطى بالدم الأسود، إلى فمي.

​وغرزت أسناني فيه.

​"مــــغغغغ..."

​أصدرت صوتاً مكتوماً وأنا أمضغ. الطعم كان جحيماً. كان مطاطياً، مقرفاً، كأنني أمضغ إطار سيارة متعفناً ومغموساً في دم فاسد.

اللحم كان بارداً ولزجاً، والدماء السوداء لطخت شفتي وذقني.

​معدتي تقلصت محاولة طرد هذا السم، لكنني أجبرت نفسي على الابتلاع.

ابتلعته بقوة، والدموع الساخنة تنهمر من عيني.

​أخذت قضمة أخرى، وثالثة.

كنت أبكي وأنا آكل لحماً نيئاً لمسخ شيطاني في الظلام.

​هذا هو أنا الآن. كايل فالتير. هذا ما أصبحت عليه لكي أنجو.

تخليت عن إنسانيتي، وأصبحت وحشاً يفترس الوحوش في قاع العالم. لم أعد أختلف عنهم.

​عندما التهمت ما يكفي لإسكات الصراخ في معدتي، رميت البقايا المقززة في النهر لتجرفها المياه.

غسلت وجهي ويدي في الماء الجليدي، محاولاً إزالة طعم الدم الفاسد من فمي.

​شعرت بطاقة خفيفة، قذرة ولكنها ضرورية، تسري في عروقي.

اللحم كان يحتوي على إيترا ضعيفة، لكنها كافية لتبقيني واقفاً.

​نهضت ببطء. ربطت قطعاً من قميصي الممزق حول باطن قدمي لأتمكن من المشي، وارتديت ما تبقى من حذائي.

​نظرت إلى مسار النهر المظلم.

​إلى أين يذهب هذا الشريان المتوحش؟

​بدأت أتبع مجرى النهر.

كان التيار يزداد سرعة وعنفاً، والصوت يرتفع.

وبعد مسيرة نصف ساعة تقريباً، لاحظت تغيراً في التضاريس.

​النهر لم يكن يجري في وادٍ مفتوح. بل كان يمر مباشرة، كسكين يقطع اللحم، بين جبلين أسودين عملاقين.

الجبلان كانا متقاربين جداً، كأنهما بوابتان هائلتان لعالم سفلي، يقفان كحارسين صامتين، والنهر الهائج يتدفق بينهما في خانق ضيق ومظلم.

​الرياح هنا كانت تعوي بصوت يشبه النواح، والضباب الكثيف يتصاعد من اصطدام المياه بالصخور.

​"هذا المكان يبدو... كمدخل." تمتمت، وأنا أتقدم بحذر شديد على الحافة الصخرية الزلقة المحاذية للنهر.

​اقتربت من الفجوة بين الجبلين.

الجدران الصخرية كانت ترتفع عمودياً، سوداء وملساء.

النهر كان يلتف في هذا الخانق الضيق، ينحني بشدة حول قاعدة الجبل الأيمن.

​تابعت المسير، متجاوزاً الانحناء الصخري بحذر لكي لا أسقط في المياه الغاضبة.

​وعندما تجاوزت زاوية قاعدة الجبل الأيمن... توقفت أقدامي، واتسعت عيناي.

​خلف الانحناء، مخفياً بمهارة خلف ستارة من الضباب المائي الكثيف، والصخور المدببة المتدلية كأنياب، كان هناك شيء.

​لم يكن مجرد شق في الجبل.

​كان كهفاً.

​كهف هائل الحجم، فم أسود يبتلع الضوء والمياه معاً.

النهر بأكمله كان يتدفق بقوة ليصب في هذا الفم السحيق، يختفي في ظلام لا قعر له.

الهواء الذي كان يندفع من الكهف لم يكن بارداً فقط؛ كان قديماً، يحمل رائحة عصور ميتة، ورائحة إيترا ثقيلة جداً لدرجة أنها جعلت الهواء نفسه يبدو لزجاً ومرئياً.

​فتحت شاشة النظام الحمراء في عقلي، أقرأ المهمة مجدداً.

​[الموقع: سلسلة جبال إيريبوس - المدخل المؤدي للأنفاق السحيقة.]

​نظرت إلى الكهف الأسود الذي يبتلع النهر.

​"الأنفاق السحيقة..." تمتمت، وشعور بالرهبة القاتلة يغمرني.

​هذا هو. لم أحتج للعودة إلى الشلال الدموي.

هذا الكهف المخفي خلف الجبل، والذي يبتلع النهر الأسود... هو طريقي.

هو المكان الذي يقبع في أعماقه السيف الأسطوري، وربما... أشياء أخرى لا يعلمها سوى الموت.

​وقفت أمام الفم الأسود، أستمع إلى صدى المياه وهي تندفع نحو أحشائه. لقد وجدت الباب.

لكن هل أمتلك الشجاعة، أو بالأحرى، الجنون الكافي لأعبره؟

2026/04/21 · 42 مشاهدة · 1620 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026