الفصل السابع عشر : المهام اللوجستية
- منظور داميان إيفاريس -
كرانش... كرانش...
صوت قرمشة الجلد المليء بالزيت والتوابل كان يتردد في الفضاء المغلق كأنه طلقات نارية.
كنت أجلس متصلباً كتمثال من الجليد على المقعد الوثير المصنوع من جلد وحش "المينوتور" النادر.
السيارة التي كنا نستقلها لم تكن سيارة عادية؛ كانت أشبه بقصر متنقل. سيارة VIP مصفحة تابعة لقيادة الاستخبارات السحرية ، تعمل بمحركات إيترا صامتة تماماً، وتنزلق على شوارع القطاع الذهبي لمدينة "إيليزيوم" دون أن تصدر حفيفاً.
الزجاج كان أسوداً قاتماً من الخارج، مضاداً للانفجارات السحرية حتى الرتبة A.
في هذه البيئة المعقمة، الفاخرة، والصامتة بشكل مرعب... كان الصوت الوحيد هو صوت مضغ الدجاج المقرمش.
قطرة عرق باردة، بحجم حبة عنب، تشكلت عند منبت شعري، وانزلقت ببطء شديد على جبهتي، ثم على خدي، وصولاً إلى ذقني.
كنت أخشى أن أمسحها. كنت أخشى أن أتنفس بصوت عالٍ.
كنت أخشى حتى أن ترمش عيناي بإيقاع مزعج.
جلست في المقعد الخلفي، محشوراً في الزاوية، وعيناي تختلسان النظرات نحو الفتاة التي تجلس في المقعد المقابل لي، تضع إحدى ساقيها فوق الأخرى بلامبالاة كونية.
"فاليسيرا".
قائدة فرقة الإشراف الخاصة.
شيطانة بملامح ملائكية.
تمتلك شعراً فضياً لامعاً مقصوصاً بدقة ليصل إلى كتفيها، وعينين قرمزيتين تلمعان بلون الدماء الطازجة.
كانت ترتدي زيها العسكري الأسود والفضي الفاخر، والذي يحمل نياشين تجعل جنرالات بشنبات بيضاء يبكون من الحسد.
بيدها اليسرى التي ترتدي قفازاً تكتيكياً، كانت تمسك بهاتفها وتتصفح شيئاً ما بملل.
وبيدها اليمنى العارية... كانت تمسك بقطعة فخذ دجاج مقلية عملاقة، وتقضمها بوحشية تتناقض تماماً مع وجهها الخالي من العيوب.
كيف؟ كيف يعقل هذا؟
كنت أصرخ في داخلي حتى كادت أوتاري الصوتية العقلية تتمزق.
هذه الفتاة، التي تبدو وكأنها لم تتجاوز الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمرها كحد أقصى... تصنيفها هو S-!
رتبة S-! هل تدركون ما يعنيه هذا الرقم في عالم إيليزيوم؟
يعني أنها تستطيع مسح حي سكني كامل بعطسة.
يعني أنها لو أرادت، لقطعت رأسي ورؤوس فرقتي بأكملها باستخدام عود أسنان.
كيف وصلت إلى هذه القوة في هذا العمر؟ هل كانت تتغذى على نوى الوحوش بدلاً من حليب أمها؟
هل ابتلعت زنزانة كاملة وهي في المهد؟
لم أكن أنا وفاليسيرا الوحيدين في هذه السيارة الفخمة.
بجوار فاليسيرا، كان يجلس رجل يجعل مجرد النظر إليه يسبب لك ضيقاً في التنفس.
القائد "كيريون دراثيس".
قائد فاليسيرا المباشر، وأحد أساطير الـ FBI.
رجل في منتصف الأربعينيات، وجهه عبارة عن خريطة من الندوب القاسية، وعيناه رماديتان كعواصف الشتاء.
تصنيفه؟ رتبة S نقية وخالصة. كان يجلس بظهر مستقيم كالمسطرة، يرتدي بدلته العسكرية الرسمية، وهالته وحدها كانت تكفي لجعلي أشعر وكأنني نملة تُسحق تحت حذاء فولاذي.
"لماذا هما غير متوترين؟" سألت نفسي، ومعدتي تتقلص من الرعب.
"نحن لسنا ذاهبين في نزهة! نحن لسنا متوجهين لتفقد زنزانة من الرتبة B!
نحن متوجهون إلى قصر 'كايزر درافيون'! حاكم إيليزيوم! أحد السامين السبعة! حكام هذا العالم!
أنا أكاد أتقيأ أمعائي من مجرد التفكير في أنني سأتنفس نفس الأكسجين الذي يتنفسه، وهما يتصرفان وكأننا ذاهبون لرحلة مدرسية!"
كرانش...
أخذت فاليسيرا قضمة أخرى من الدجاج، ومضغتها بصوت عالٍ، ثم مسحت بعض الزيت من زاوية فمها بإبهامها.
التفت كيريون نحوها ببطء.
عيناه الرماديتان كانتا تقدحان شرراً مكبوتاً.
رمق قطعة الدجاج، ثم رمق الهاتف، ثم تنهد تنهيدة عميقة، تنهيدة رجل استنفد كل طاقته في التربية.
"ما كان عليّ أبداً أن أجعلكِ قائدة لفرقة،" قال كيريون بصوت خشن، منخفض، لكنه يملأ السيارة بالرهبة.
"لم تكوني جاهزة يوماً للقيادة. القوة الجسدية لا تعني النضج العسكري، يا فاليسيرا."
توقفت فاليسيرا عن المضغ لثانية.
لم ترفع عينيها القرمزيتين عن شاشة هاتفها.
بلعت ما في فمها، ثم أخذت رشفة صاخبة جداً من كوب مشروب غازي ضخم كان يستقر في حامل الأكواب بجانبها.
"ليس لي علاقة يا كيريون،" ردت فاليسيرا ببرود مستفز، ونبرتها لا تحمل ذرة من الاحترام المفترض لقائدها.
"لا تلقِ باللوم على مهاراتي القيادية. لقد أعطيتني أسوأ فرقة في تاريخ الـ FBI بأكمله. مجموعة من المغرورين الحمقى الذين يظنون أن تصنيفهم المطبوع على بطاقاتهم يجعلهم منيعين."
ضربت كلماتها صدري كخنجر مسموم.
كانت تتحدث عني وعن زملائي.
أيدن، سيا، إيفا، وأنا. فرقة "ألفا".
تألمت كرامتي، لكن... سحقاً، لم أستطع إنكار كلمة واحدة مما قالته.
لقد مُسح بنا بلاط زنزانة القطاع G بسبب غبائنا وغرورنا، وتم التلاعب بنا في شوارع القطاع السفلي من قبل لص مجاري لا يتجاوز تصنيفه القمامة. لقد كنا نكتة بالفعل.
"هيا يا فاليسيرا،" قال كيريون بحزم، وعقد حاجبيه الكثيفين.
"لا تستخدمي فرقة ألفا كشماعة. أعترفي فقط أنكِ قائدة فاشلة، لا تعرف كيف تقود فريقاً، ولا تعرف كيف تدمج تكتيكاتها مع من هم أضعف منها."
تجاهلته فاليسيرا تماماً، ومدت يدها داخل الكيس الورقي المليء بالبقع الزيتية لتخرج قطعة دجاج أخرى.
"اممم... هذا الدجاج حار جداً اليوم. هل تريد قطعة يا كيريون؟ ربما تحسن مزاجك المكتئب."
أغمض كيريون عينيه بقوة، محاولاً السيطرة على رغبته في إلقائها من نافذة السيارة المدرعة.
"هل تدركين حجم الموقف الذي نحن ذاهبون إليه الآن؟ هل تعلمين أن جميع قادات الـ FBI، وقادات الـ CIA سيكونون في هذا الاجتماع؟"
سأل كيريون بصوت يحمل تحذيراً مبطناً.
لم تجب فاليسيرا، فقط استمرت في التمرير على شاشة هاتفها.
"وأن مدير قسم التحقيقات الفيدرالي بنفسه قادم؟" تابع كيريون، وصوته يرتفع درجة.
"ورئيس الاستخبارات المركزية، ال CIA سيكون هناك أيضاً؟ هذا اجتماع قمة أمنية لمدينة إيليزيوم أمام السامي درافيون لتقديم تقرير عن الفوضى الأخيرة التي حدثت!"
سلووورب...
ردت فاليسيرا وهي تشرب ما تبقى من المشروب الغازي بالمصاصة البلاستيكية، مصدرة ذلك الصوت المزعج للفراغ في قاع الكوب.
"نعم، نعم، أعلم،" قالت بملل، وكأنها تتحدث عن طقس الغد.
"عجائز ببدلات باهظة الثمن سيجلسون حول طاولة ليتبادلوا الاتهامات حول من أضاع المختبر ومن ترك الجوكر الأسود يهرب. مسرحية مملة."
نفد صبر كيريون أخيراً. التفت بالكامل نحوها، ثم أشار بإصبعه... نحوي.
تجمدت في مكاني. توقف قلبي عن النبض.
يا إلهي، لا تدخلني في نقاشكم! أنا مجرد ديكور هنا! أنا مقعد إضافي!
"إذا كنتِ تعلمين أهمية هذا الاجتماع..." هدر كيريون بغضب مكتوم.
"فلماذا بحق الجحيم... داميان موجود هنا؟!"
بلعت ريقي بصعوبة بالغة.
كنت أريد أن أرفع يدي وأقول: نعم! هذا سؤال ممتاز سيدي القائد! أنا أيضاً أريد أن أعرف لماذا أنا هنا! أرجوك أنزلني في أقرب محطة وقود!
"أنتِ تعلمين أن جميع المدعوين لحضور هذا الاجتماع، أضعفهم، أضعفهم على الإطلاق، سيكون تصنيفه A+!"
استمر كيريون في توبيخها، وعيناه تخترقانني كأشعة ليزر.
"وهذا الفتى... داميان... بالكاد اخترق الرتبة A! هالة الإيترا الخاصة به ضعيفة جداً لدرجة أنها قد تنطفئ بمجرد أن يقف حرس كايزر درافيون بجانبه! إحضاره إلى هنا إهانة للبروتوكول!"
كل كلمة قالها كيريون كانت صحيحة، وكانت مؤلمة في نفس الوقت.
نعم، أنا أضعف شخص في هذه السيارة، وسأكون أضعف كائن حي في القصر بأكمله، ربما باستثناء كلاب الحراسة.
توقفت فاليسيرا عن مضغ الدجاج.
أخيراً، رفعت عينيها القرمزيتين المرعبتين، ونظرت إلى كيريون، ثم نقلت نظرها إليّ.
الابتسامة التي ظهرت على شفتيها اللامعتين بالزيت لم تكن تبشر بالخير أبداً.
"أوه، كيريون... أنت تسيء فهمي دائماً،" قالت فاليسيرا بنبرة بريئة مزيفة. "
أنا لم أحضره لأنه قائد، أو لأنه ذو فائدة تكتيكية في الاجتماع. أنا أحضرته لسبب لوجستي بحت."
"سبب لوجستي؟" سأل كيريون بتهكم.
"وما هو؟"
مدت فاليسيرا يدها اليسرى... وأمسكت بالكيس الورقي المليء بعظام الدجاج، والمناديل المتسخة بالزيت، وكوب المشروب الغازي الفارغ.
ثم... رمتها في حضني.
سقط كيس القمامة على بنطال بدلتي الرسمية الفاخرة التي استدنت لشرائها خصيصاً لهذا اليوم.
الزيت بدأ يتسرب ببطء نحو القماش.
"أحضرته ليساعدني في التخلص من القمامة،" قالت فاليسيرا بابتسامة واسعة وهي تمسح يديها بمنديل مبلل.
"أعني، انظر إليه يا كيريون. من سيأخذ هذا الكيس المزعج إذا أردت النزول بكامل أناقتي أمام القصر؟ حاويات القمامة بعيدة عن البوابة الرئيسية. داميان مفيد جداً في هذه الأمور."
اتسع بؤبؤ عين كيريون للحظة، ثم أعاد نظره للأمام، دلك ما بين حاجبيه، وكأنه يتوسل للساميين أن يمنحوه الصبر.
"أنتِ مريضة، فاليسيرا. حقاً مريضة."
أما أنا... فقد كنت أنظر إلى كيس العظام والزيت المستقر في حضني.
نيران الغضب المكبوتة اشتعلت في صدري.
شعرت بالدماء تغلي في عروقي.
أنا داميان! عضو فرقة النخبة الفا!
خريج الأكاديمية العسكرية بمرتبة الشرف!أنا مستيقظ من الرتبة A! الناس في القطاع السفلي يسجدون لي رعباً!
أنا لست عبداً عندك أيتها اللعينة!
صرخت بأعلى صوتي في أعماق جمجمتي.
لست سلة مهملات لفضلاتك! تباً لكِ ولرتبتك! تباً لغرورك!
سأقوم الآن، وأرمي هذا الكيس في وجهك الجميل، وأستقيل من هذه الوظيفة اللعينة!
"داميان؟" قاطع صوت فاليسيرا الجليدي أفكاري الثورية.
"هل هناك مشكلة في حمل الكيس؟"
التقت عيناي بعينيها القرمزيتين.
الهالة التي تسربت منها في تلك اللحظة... كانت ثقيلة لدرجة أنني شعرت بوزن سيارة تضغط على رئتي.
الموت كان يرقص في حدقتيها.
بالطبع لم أقل ما فكرت فيه بصوت عالٍ.
لو فعلت... لما رأيت نور الشمس مرة أخرى. كانت ستحولني إلى دجاجة مقرمشة إضافية في وجبتها.
"لا... لا توجد أي مشكلة على الإطلاق، يا سيدتي،" قلت بصوت مهتز، وابتسامة غبية ملتصقة بوجهي، وأنا أضم كيس القمامة إلى صدري كأنه طفلي الأول.
"شرف لي أن أخدم قيادتي في جميع المهام... اللوجستية."
أعادت فاليسيرا نظرها إلى هاتفها، وكيريون اكتفى بتنهيدة أخرى.
وأنا جلست هناك، بكرامة مسحوقة، وبدلة ملطخة بالزيت، وروح تبكي دماً.
...
...
توقفت السيارة بانسيابية تامة.
فتح السائق الباب، والهواء البارد النقي لقمة تلة إيليزيوم صفع وجهي.
خرج كيريون أولاً، بكامل هيبته، تلته فاليسيرا التي قفزت بخفة ورشاقة، شعرها الفضي يتطاير مع نسيم الليل.
ثم نزلت أنا... أحمل كيس الزبالة المليء بعظام الدجاج.
عندما نظرت إلى الأمام، نسيت الزيت، ونسيت العظام، ونسيت كرامتي.
قصر كايزر درافيون لم يكن مجرد بناء؛ كان نصباً تذكارياً للقوة المطلقة.
يمتد القصر على قمة التلة الوسطى لإيليزيوم، تحيط به أسوار من "التيتانيوم الإيترالي" الأسود التي ترتفع لعشرات الأمتار، تتوهج بنقوش زرقاء داكنة تمنع أي اختراق جوي أو سحري.
البوابة الرئيسية كانت مصنوعة من الذهب الأبيض، ضخمة لدرجة أن تنيناً بالغاً يمكنه المرور عبرها دون أن يمس الحواف.
وعلى جانبي السجاد الأحمر العريض الممتد نحو المدخل، كان يقف الحرس.
بلعت ريقي بصعوبة. حرس السامي درافيون.
كانوا يرتدون دروعاً ثقيلة باللونين الأسود والقرمزي، ولا تظهر وجوههم خلف الخوذات المغلقة.
لكن الهالات التي كانت تنبعث منهم... يا إلهي!
كل حارس منهم... كل واحد من هؤلاء العشرات المصطفين كالتماثيل... كان يبث إيترا تتجاوز الرتبة A+ بسهولة!
بعضهم كان يلامس الرتبة S-! حراس بوابة!
مجرد حراس بوابة يمتلكون قوة قادة الـ FBI!
شعرت بركبتي تصطكان.
الإيترا الخاصة بي، إيترا الرتبة A، كانت تنكمش داخل جسدي كقطة مرعوبة تختبئ تحت السرير.
كنت أتنفس بصعوبة، وأنا أجر قدمي خلف كيريون وفاليسيرا.
"ارمِ هذا الشيء في الحاوية هناك، ثم الحق بنا بسرعة ولا تقف كالأبله،" همست فاليسيرا دون أن تلتفت، مشيرة بإصبعها نحو حاوية مذهبة — نعم، حاوية قمامة مذهبة! — مخصصة للمدعوين.
ركضت بسرعة، تخلصت من الكيس الملعون، ومسحت يدي بمنديل، ثم لحقت بهما أهرول كجرو ضائع.
دخلنا عبر الأبواب الضخمة إلى قاعة الاستقبال الرئيسية.
إذا كان الخارج مهيباً، فالداخل كان يعمي البصر.
ثريات عملاقة تتدلى من سقف مزين بلوحات ملحمية تحكي قصص السامين السبعة وهم يسحقون الكوارث.
الأرضية من رخام أسود نقي يعكس الوجوه كالمرآة.
القاعة كانت تغص بـ "الحيتان".
جنرالات ببدلات عسكرية مزينة بالنياشين، رجال أعمال نقابيون يرتدون بدلات من حرير العنكبوت السحري، ووجوه مألوفة مرعبة.
كان هناك مدير الاستخبارات المركزية ، يقف مع مجموعة من قادته ذوي الرتب S، يتحدثون بهدوء ويشربون الشمبانيا الفاخرة.
وفي الجهة المقابلة، كان يقف مدير الـ FBI، رئيسنا الأعلى، يتوسط مجموعة من قادة الفصائل.
كان رجلاً في أواخر الخمسينات، بملامح قاسية حفرتها سنوات من السلطة، وشعر رمادي مصفف بعناية، وعينين باردتين تزن كل شيء.
العداء التاريخي بين الـ FBI، المسؤولين عن الأمن الداخلي والجرائم، والـ CIA، المسؤولين عن العمليات الخارجية والاغتيالات والتجسس، كان واضحاً.
كانوا يقفون كجيشين يستعدان للمعركة، والنظرات المتبادلة بينهم كانت كافية لإشعال حريق.
بمجرد دخول كيريون وفاليسيرا، التفتت بعض الرؤوس.
"كيريون!" نادى جنرال ضخم الجثة من جهة الـ FBI، يحمل خمس نجوم على كتفه.
"أخيراً وصلتم. هل هذه هي الفتاة المعجزة؟"
اقترب الجنرالات والقادة لتبادل التحيات.
كانت الابتسامات مرسومة، لكن النبرات كانت حادة، والكلمات مبطنة بالسموم السياسية.
"أهلاً بك، جنرال هارولد،" قال كيريون بصوته الرزين، وصافحه بقوة.
"نعم، هذه هي فاليسيرا. قائدة وحدة الإشراف."
كان من المفترض أن تبتسم فاليسيرا.
كان من المفترض أن تلقي تحية عسكرية.
كان من المفترض أن تظهر أي ذرة من الاحترام لجنرالات بضعف عمرها وأعلى منها منصباً —حتى لو كانت تعادلهم قوة— لكنها لم تفعل.
لكنها... كانت لا تزال تشاهد هاتفها.
"سحقاً..." تمتمت في نفسي، وأنا أقف خلف كيريون، أحاول الاختفاء.
فاليسيرا لم تكن تقرأ تقريراً.
كانت تلعب لعبة إلكترونية!
أقسم أنني سمعت صوت الموسيقى الخاصة بلعبة مطابقة الألوان تنبعث بخفوت من جهازها.
الجنرال هارولد عقد حاجبيه، ومد يده الخشنة نحوها ليصافحها.
"سعدت بلقائك يا ابنتي. سمعت الكثير عن..."
لم ترفع رأسها.
لم تمد يدها. خطت خطوة جانبية ببرود، متجاهلة يده الممدودة في الهواء تماماً، وسارت نحو طاولة المقبلات الفاخرة لتلتقط حبة فراولة مغطاة بالذهب الصالح للأكل.
ساد صمت مميت في تلك البقعة من القاعة.
يد الجنرال هارولد بقيت معلقة في الهواء لبضع ثوانٍ، ووجهه تحول إلى اللون الأحمر القاني.
الأوردة في رقبته برزت كأنها ستنفجر.
لو فعل أي شخص آخر هذا، لكان الجنرال قد سحقه في مكانه. لكنها فاليسيرا.
رتبة S- في سن المراهقة. وحش استخباراتي استثنائي لا يمكن المساس به.
ابتلع الجنرال إهانته، وأنزل يده ببطء.
كيريون أغلق عينيه مجدداً، وكأنه يقرأ صلاة الصبر في سره.
وأنا كنت أرتجف، أتمنى أن تنشق الأرض الرخامية وتبتلعني قبل أن يلاحظني أحد وأتحمل غضب هؤلاء العمالقة ككبش فداء.
"حسناً..." كسر مدير الـ FBI الصمت بحنكة سياسية، مشيراً بيده نحو الأبواب الداخلية الضخمة.
"أعتقد أن الوقت قد حان. قاعة الاجتماعات الكبرى قد فُتحت. لنأخذ أماكننا قبل أن يصل السامي."
بدأ التحرك. تدفقت الحشود، هذه النخبة من الوحوش البشرية، عبر الأبواب المذهبة نحو "المسرح الحقيقي".
تبعتهم بصمت، أحرص على أن أبقى في ظل كيريون الضخم.
دخلنا قاعة الاجتماعات.
يا لها من قاعة. لم تكن مجرد غرفة؛ كانت تبدو وكأنها مبنية للساميين وليس للبشر.
طاولة مستديرة هائلة الحجم مصنوعة من خشب "شجرة الإيترا المظلمة"، سوداء لامعة، تتوسط الغرفة التي تتسع لمئات الأشخاص.
الكراسي حول الطاولة كانت مرقمة، والإضاءة كانت خافتة ودرامية.
أخذ القادة العظام أماكنهم حول الطاولة الرئيسية. مدير الـ FBI، مدير الـ CIA، الجنرالات البارزون، كيريون، وفاليسيرا، التي رمت هاتفها أخيراً على الطاولة وتثاءبت بملل.
أما أنا، وباقي المساعدين أو الرتب الأدنى (الذين كان معظمهم A+ أو S-)، فوقفنا خلف كراسي قادتنا كالتماثيل.
كنت أقف خلف كرسي فاليسيرا، أحاول السيطرة على تنفسي.
الهالات المجتمعة في هذه الغرفة كانت كافية لخلق ضغط جوي يمكن أن يسحق العظام.
الهواء كان ثقيلاً، مشبعاً بالتوتر والعداء المكتوم بين الفصائل المختلفة التي تنتظر فرصة لنهش بعضها البعض.
لكن، ورغم كل هذا الحضور الطاغي... كان هناك كرسي واحد فارغ.
الكرسي في صدر الطاولة. أضخم وأفخم من البقية.
كرسي مصنوع من عظام وحش حقيقي من الرتبة SS ومغطى بالذهب والحرير الدموي.
عرش صغير.
عرش كايزر درافيون.
كان غائباً.
مرت خمس دقائق من الصمت المطبق.
لا أحد تجرأ على الهمس.
لا أحد تجرأ على شرب الماء من الأكواب الكريستالية أمامه.
التوتر كان يرتفع كمنسوب المياه في غرفة مغلقة.
الجميع ينتظر الحاكم.
الجميع ينتظر السامي الذي يمسك بزمام أرواحهم.
عشر دقائق.
بدأت أتعرق مجدداً. التوتر كان يقتلني. هل سيتأخر؟ هل قرر إعدامنا جميعاً؟
وفجأة...
الضغط الجوي في الغرفة... انعدم.
لم يكن انعداماً كالذي يسبق العاصفة.
كان وكأن الغرفة بأكملها قد نُقلت في جزء من الثانية من كوكب الأرض إلى قاع خندق ماريانا.
الهواء أصبح صلباً، كثيفاً كالإسمنت الرطب.
الجنرال هارولد، الذي كان يغلي غضباً قبل قليل، شحب وجهه حتى أصبح بلون الورق.
مدير الـ CIA توقف عن التنفس. حتى فاليسيرا، التي كانت تلعب بأظافرها، توقفت حركتها، واختفت الابتسامة المتمردة عن شفتيها، وحل محلها تركيز حاد كالأنصال.
لم نسمع صوت فتح الأبواب.
لم نسمع صوت خطوات.
لقد كان فقط... هناك.
الظلال في الغرفة تجمعت وتكثفت عند مدخل القاعة، ومن بين تلك الظلال، ظهر شكل بشري.
خطا خطوة واحدة داخل القاعة.
بوووم!
لم يكن صوتاً مادياً.
كان نبضاً مرعباً من الإيترا النقية، المطلقة، والساحقة التي ضربت عقولنا مباشرة.
جسدي البشري الضعيف من الرتبة A لم يتحمل.
سقطت على ركبة واحدة خلف كرسي فاليسيرا، وعيناي جاحظتان، والدم بدأ يسيل ببطء من أنفي.
لم أكن الوحيد. العديد من المساعدين ذوي الرتب A+ جثوا على ركبهم فوراً كأن جاذبية الأرض قد تضاعفت عشر مرات.
الوحوش الجالسة على الطاولة، قادة الرتب S، كانوا يرتجفون.
كانوا يحاولون الحفاظ على ظهورهم مستقيمة، لكن العرق البارد كان يغطي وجوههم.
لم أستطع رفع رأسي لأنظر إليه مباشرة.
كان ذلك كالتحديق في الشمس الساطعة بعينين مجردتين؛ سيعميك.
رأيت فقط حذاءه الجلدي الأسود الأنيق وهو يتقدم ببطء، بخطوات موزونة، نحو الكرسي الفارغ في صدر الطاولة.
كايزر درافيون، السامي الذي يحكم إيليزيوم، قد وصل.
ومعه، دخل الموت إلى الغرفة وجلس كضيف شرف.