الفصل التاسع عشر : بعض الأسئلة

مضى أسبوعان منذ ذلك الاجتماع الأمني الخانق في قصر السامي كايزر درافيون.

أسبوعان من التوتر، والضغط النفسي، والبحث المحموم عن أشباح تُدعى "الفوليدرز الستة"، وعن ممولي التجارب البشرية في قاع إيليزيوم.

​في أحد الأزقة الراقية والمخصصة لمسؤولي الاستخبارات السحرية في القطاع الأوسط، حيث لا تجرؤ حشرات القطاعات السفلية على العبور، كان المطر يتساقط برتابة كئيبة.

قطرات الماء تعكس أضواء النيون الباهتة، وتغسل الإسفلت النظيف.

​كان "آرثر ستيرلينغ"، المحقق البارز في الاستخبارات السحرية، يمشي بخطوات واثقة، مرتدياً معطفه الجلدي الفاخر المضاد للرصاص الإيترالي.

كان يمسك بكوب من القهوة الساخنة بيده اليمنى، بينما يمشي بجواره زميله وصديقه المقرب "ماركوس"، الذي كان يشعل سيجارة ويحتمي بمظلته السوداء.

​"لا أفهم ما الذي يفكر فيه القائد فانس،" قال آرثر بتذمر، وهو يأخذ رشفة من قهوته، والدخان يتصاعد من الكوب ليختلط ببرودة الجو.

"أسبوعان من المداهمات العمياء في القطاع السفلي G، ولم نجد خيطاً واحداً يقودنا للمسؤولين عن تلك المختبرات. الأمر وكأن الأرض انشقت وابتلعتهم."

​نفث ماركوس سحابة من الدخان الأزرق، وابتسم بسخرية.

"القيادة العليا متوترة يا آرثر. بعد أن أهانهم كايزر درافيون في عقر داره، أصبحوا يبحثون عن أي كبش فداء. ألم تسمع؟

حتى فرقة فاليسيرا اللعينة تقوم بتمشيط المجاري بحثاً عن ذلك الفأر الذي يُدعى 'الجوكر الأسود'."

​ضحك آرثر ضحكة خشنة.

"الجوكر؟ مجرد لص نكرة استغل الفوضى. لو وقع بين يدي، سأجعله يتمنى لو أنه لم يولد. سأسلخ جلده وأجعله يعترف بكل قرش سرقـ..."

​لم يكمل آرثر جملته.

ولم يكملها أبداً.

​في جزء من الثانية، أسرع من ارتداد طرفة العين، ومن زاوية مستحيلة في الظلام التام... انطلق الموت.

​لم يكن هناك صوت انفجار بندقية.

لم يكن هناك تحذير سحري.

فقط صوت احتكاك معدني خافت جداً، تبعه اختراقٌ كابوسي.

​ثواك!

​اخترقت رصاصة صامتة، مشبعة بطاقة إيترا سوداء قاتمة كقطعة من فراغ الكون، حاجز الحماية الإيترالي الخاص بآرثر كأنه ورق مبلل.

الرصاصة لم تكتفِ باختراق معطفه المدرع، بل انغرزت بوحشية في أسفل بطنه، ممزقة الأنسجة، والعضلات، والأهم من ذلك... حطمت "نواة الإيترا" الخاصة به في مركز جسده.

​"أُغغغ...!"

​اتسعت عينا آرثر بصدمة مرعبة.

انحنى جسده للأمام بشكل غير إرادي، وسقط كوب القهوة من يده ليتناثر السائل البني الساخن على الإسفلت.

قبل أن يدرك عقله ما حدث، شعر بانقباض مميت في حنجرته، واندفع من فمه شلال من الدم القاني الكثيف، بصقه بقوة ليلطخ الأرضية والمطر.

​"آرثر! ما الذي..." صرخ ماركوس برعب، ورمى سيجارته، ومد يده نحو حزامه ليسحب سلاحه.

​لكن غريزة ماركوس كانت أبطأ من حاصد الأرواح.

​سبلااااش!

​صوت انفجار رطب، مقزز، ومريع ملأ الزقاق.

رصاصة ثانية، انطلقت بنفس الصمت المميت، استقرت مباشرة في جبهة ماركوس.

​لم يسقط ماركوس فحسب؛ بل انفجر النصف العلوي من جمجمته كبطيخة فاسدة ضُربت بمطرقة حديدية.

تناثرت شظايا العظام البيضاء، وأجزاء الدماغ الرمادية، والدماء الحارة لتغطي وجه آرثر الذي كان يترنح من الألم، وتلطخ جدران الزقاق في لوحة دموية سريالية.

سقطت جثة ماركوس المقطوعة الرأس على الأرض ككيس قمامة ثقيل، غارقة في بركة من الدماء التي بدأت تختلط بماء المطر.

​"مااااااركوووس!"

​صرخ آرثر بملء رئتيه، صرخة مزقت سكون الليل.

الرعب، الصدمة، والألم الجسدي الكافر تجمعت في عقله لتخلق حالة من الجنون اللحظي.

كان الدم يغلي في فمه، وبطنه ينزف بغزارة لا تتوقف.

​نهض بصعوبة بالغة، يترنح كسكير يحتضر.

وضع يده المرتجفة على الجرح الغائر في بطنه، محاولاً استدعاء طاقة الإيترا الخاصة به لشفاء الجرح أو لبناء درع سحري.

لكن... لا شيء. نواته كانت محطمة تماماً.

كان يشعر ببرودة الموت تزحف في أوردته.

​"من هناك؟! أظهر نفسك أيها الجبان!"

صرخ آرثر، وهو يسحب مسدسه الذهبي من حزامه بصعوبة، ويدور حول نفسه وعيناه تدوران بهستيريا، يبحث في الظلال عن قناص خفي.

​ومن بين الظلال الكثيفة، في نهاية الزقاق، حيث لا يصل نور مصابيح الشارع... تشكل كيان.

​خطوات هادئة، بطيئة، وواثقة بشكل مرعب. صوت ارتطام حذاء تكتيكي ثقيل ببرك الماء.

​تقدم الكيان إلى دائرة الضوء الخافت.

كان يرتدي معطفاً تكتيكياً أسود طويلاً، يقطر منه ماء المطر.

بيده اليمنى كان يمسك مسدس "جلوك" أسود عادي المظهر، لكن الفوهة كانت تنفث خيوطاً من الإيترا السوداء كالظل المشتعل.

​لكن ما جعل الدم يتجمد في عروق آرثر، كان وجهه.

​قناع أسود، أملس، مرسوم عليه ابتسامة سادية غريبة، وخطوط زرقاء داكنة تشع ببرود في الظلام.

​توقف الكيان على بعد أمتار قليلة من آرثر، وأمال رأسه قليلاً، ثم تحدث بصوت خشن، مشوه قليلاً عبر مرشحات القناع، صوت يحمل نبرة مرح جنائزي مريض.

​"مرحباً... آرثر."

​اتسعت عينا آرثر ستيرلينغ، ونبض قلبه توقف للحظة وهو يحدق في هذا الكابوس الذي تجسد أمامه.

لقد قرأ التقارير. لقد رأى الصور المشوشة.

​"الجوكر...؟" همس آرثر، وعدم التصديق يغلف صوته المرتجف.

​قهقه الكيان المقنع قهقهة خافتة، مكتومة، مستفزة لأقصى حد.

رفع مسدسه ببطء وأسنده على كتفه بلامبالاة.

​"أوه... يبدو أنني معروف لدى الكثير من الأشخاص في هذه المدينة الفاسدة،" قال الجوكر بنبرة مسرحية.

"أشعر بالإطراء حقاً، أيها المحقق."

​الألم في بطن آرثر كان يحرق أعصابه، لكن كبرياء الاستخبارات وغضبه على موت صديقه طغيا على ألمه.

​"ماذا تريد أيها اللعين الفاسد؟!" هدر آرثر وهو يبصق الدم من فمه، وصوته يخرج كحشرجة حيوان مذبوح.

​ثم نظر إلى بطنه الممزق، وإلى جثة ماركوس، وعاد لينظر إلى الجوكر بعينين مليئتين بالذهول المرعب.

"وكيف... كيف أصبتني بحق الجحيم؟! أنا محقق من الرتبة A! معطفي مضاد للإيترا المتقدمة! لا أظن أن حثالة مثلك من الرتبة G قادر على إطلاق إصابة بهذه القوة لتخترق الرصاصة جسدي وموانعي بهذه السهولة! كيف فعلتها؟!"

​صمت الجوكر للحظة.

​ثم... وبحركة بطيئة، مستفزة، ومسرحية جداً... رفع يده اليسرى الحرة، ووضع سبابته المغطاة بقفاز أسود مقطوع الأصابع على فم القناع، حيث يفترض أن تكون شفتيه.

​"سِرّ..." همس الجوكر بصوت يقطر ظلاماً وبروداً.

لم يكن آرثر يعلم أن الجوكر لم يطلق النار عليه مباشرة. الجوكر، بمهارته الجديدة المرعبة [تمزيق الظلال - الرتبة S-]، قد أطلق رصاصة الإيترا السوداء على "ظل" آرثر الممدد على جدار الزقاق. الرصاصة اخترقت الظل، فانعكس الضرر الجسدي الفوري والساحق على جسد آرثر المادي، متجاوزاً كل دروعه الفيزيائية والسحرية. لقد ضُرب من حيث لا يمكن لأحد أن يدافع.

​الغيظ أعمى بصيرة آرثر. زأر كوحش جريح، ورفع مسدسه الذهبي محاولاً إطلاق النار على الجوكر.

"سأقتلك أيها الحشرة!"

​لكنه كان بطيئاً جداً. ضعيفاً جداً.

الرصاصة التي مزقت نواته الإيترالية جعلت جسده ثقيلاً ككتلة من الإسمنت.

​لم يطلق الجوكر النار. بدلاً من ذلك، اختفى من مكانه كطيف، تاركاً خلفه خيطاً من الدخان الأسود.

​قبل أن يدرك آرثر أين ذهب خصمه، ظهر الجوكر بجانبه الأيمن تماماً.

وبحركة جسدية مرنة وقاسية، سدد الجوكر ركلة جانبية وحشية بحذائه التكتيكي الثقيل مباشرة إلى الجرح المفتوح في بطن آرثر.

​"آآآآآآآغغغ!"

​دوى صراخ آرثر في الزقاق وهو يطير في الهواء لمترين، ليصطدم بقسوة بحاويات القمامة المعدنية ويسقط في الوحل.

انهار على الأرض، يتقيأ دماً وعصارة معدية، وجسده ينتفض في تشنجات لا إرادية من الألم الذي لا يمكن لعقل بشري أن يتحمله.

​اقترب الجوكر بخطوات هادئة، ووقف فوق جسد المحقق المنهار، ينظر إليه من الأعلى كسامي يتأمل حشرة مسحوقة.

​"لا تقلق يا آرثر،" قال الجوكر بصوت هادئ، ودي، ومخيف جداً.

"لن أقتلك فوراً. لدي فقط بعض الأسئلة الخفيفة... دردشة صغيرة بيني وبينك."

​حاول آرثر الزحف للخلف، وجهه مغطى بالوحل والدم، وعيناه تفيضان برعب حقيقي لأول مرة في حياته المهنية.

​"وماذا... ماذا تريد؟" قال آرثر بصوت غاضب، يرتجف، ومشمئز في نفس الوقت.

"أتظن أن الاستخبارات ستتركك حياً بعد قتلك لماركوس؟ سيبحثون عنك في كل قبو..."

​لم يكمل آرثر تهديده.

​بحركة خاطفة، انحنى الجوكر، وأمسك بفك آرثر بقسوة ساحقة كادت تخلعه من مكانه.

ثم... أدخل فوهة الجلوك الساخنة، والتي لا تزال تفوح منها رائحة البارود والدم والموت، مباشرة في فم آرثر.

​اصطدمت الفوهة المعدنية بأسنان المحقق، ممزقة شفتيه.

طعم المعدن، والزيت، ودماء صديقه ماركوس التي تطايرت على السلاح، ملأ فم آرثر، جاعلاً إياه يكاد يختنق.

​"شّشّش..." همس الجوكر، ووجهه المقنع قريب جداً من وجه آرثر المذعور.

"عليك أن تتعلم كيف تتحدث بأدب، يا سيد ستيرلينغ. عليك أن تتحدث جيداً جداً إن كنت تريد أن تتنفس دقيقة أخرى في هذا العالم القذر."

​أرتجف آرثر. الحدقات في عينيه انكمشت من الهلع المطلق.

كان يحاول أن يتحدث، يحاول أن يصرخ، يحاول أن يتوسل، لكنه لم يستطع إصدار سوى أصوات غرغرة مختنقة وأنين مثير للشفقة بسبب فوهة الجلوك الغليظة المحشورة في حلقه، والدم الذي يسيل من جرح بطنه.

دموعه اختلطت بالمطر على وجهه.

محقق الاستخبارات البارز، تحول إلى طفل مرعوب يبكي طلباً للرحمة.

​انتظر الجوكر لثوانٍ، يتلذذ برؤية الرعب المطلق في عيني فريسته. ثم، سحب المسدس ببطء من فم آرثر.

​آرثر سعل بعنف، يلهث لالتقاط أنفاسه، ويبصق اللعاب المدمم.

​"يبدو أنك بدأت تفهم قواعد اللعبة أخيراً،" قال الجوكر، وهو يمسح فوهة مسدسه بمعطف آرثر الفاخر.

"إذاً... لندخل في صلب الموضوع. سؤالي الأول لك، وبسيط جداً..."

​توقف الجوكر للحظة، وانخفض صوته ليصبح فحيحاً شيطانياً يمزق الأعصاب:

​"هل تعرف... السيدة 'غريس'؟"

​في تلك اللحظة، تجمد كل شيء.

​لو أن الجوكر سأله عن أسرار الدولة، أو عن شيفرات الـ FBI، لكان رد فعل آرثر أقل صدمة.

لكن هذا الاسم... هذا الاسم بالتحديد... كان بمثابة قنبلة نووية سقطت في وعي آرثر.

​اتسعت عينا المحقق حتى كادتا تتمزقان.

نسي ألم بطنه. نسي موت صديقه.

نسي السلاح المصوب نحو رأسه.

​"غـ... غريس؟" تلعثم آرثر، ووجهه الشاحب تحول إلى اللون الرمادي كلون الموتى.

"من هذ...؟"

​بام!

​دوى صوت طلقة الرصاصة الإيترالية في الزقاق كالرعد.

​لم يرف للجوكر رمش.

لم يتردد لثانية واحدة.

قبل أن يكمل آرثر كذبته، أطلق الجوكر رصاصة مباشرة على كف يد آرثر اليمنى الممدودة على الأرض.

​"آآآآآآآآآآآآعععغغغ!"

​صرخة آرثر هذه المرة لم تكن بشرية.

الرصاصة لم تخترق يده فقط؛ طاقة الإيترا السوداء المتفجرة فتتت عظام كفه بالكامل.

تحولت يده اليمنى إلى كومة من اللحم الممزق، والأوتار المقطوعة، والشظايا العظمية البيضاء التي تبرز من بين الدماء الكثيفة.

أصابعه طارت في الهواء لتسقط في بركة المياه القذرة.

​الجوكر نظر إلى اليد المحطمة ببرود مقزز، ثم وجه الفوهة التي لا تزال تدخن نحو جبهة آرثر الملطخة بالعرق والدم.

​"عليك أن تعرف شيئاً مهماً عني يا آرثر،" قال الجوكر بصوت جليدي، خالي من أي عاطفة.

"أنا لا أحب الكذب. أكرهه بشدة. كذبة أخرى تخرج من فمك... والرصاصة التالية ستكون في رأسك، لتنضم إلى صديقك ماركوس."

​آرثر كان ينتفض بجنون على الأرض، يمسك بمعصمه المقطوع بيده اليسرى، يبكي وينتحب بصوت عالٍ، والدموع والمخاط يسيلان على وجهه المحطم.

الألم كان يفوق قدرته على الاحتمال.

روحه انكسرت تماماً.

​"نـ... نعم! نعم! أعرفها!" صرخ آرثر يتأتئ بهستيريا، وهو يرتجف رعباً من الفوهة المصوبة بين عينيه.

"أعرفها! أعرفها جيداً جداً! السيدة غريس... مديرة ميتم 'أمل الفجر'! أرجوك لا تقتلني!"

​تحت القناع، اتسعت ابتسامة كايل فالتير، لكنها لم تكن ابتسامة فرح.

كانت ابتسامة وحش وجد طريدته أخيراً بعد سنوات من الجوع في الظلام.

​"هكذا بدأت تعجبني، يا آرثر. صريح ومباشر،" قال الجوكر بنبرة استحسان مريضة.

"إذاً... طالما أننا أصبحنا أصدقاء صادقين. السؤال الثاني: من هو المسؤول الرئيسي عن هذه التجارب البشرية؟ من هو ممول ذلك المسلخ الذي تسمونه ميتماً؟"

​آرثر، الذي كان يتنفس بسرعة جنونية محاولاً عدم فقدان الوعي من الألم، نظر إلى الجوكر بعينين غائمتين.

​"تـ... تجارب؟ تجارب ماذا؟" تلعثم آرثر، محاولاً كسب الوقت، أو ربما الغباء قد أعماه حقاً للحظة.

​بام!

​رصاصة ثانية مزقت هدوء الزقاق.

​هذه المرة، اخترقت الرصاصة ركبة آرثر اليسرى.

​طاقة الإيترا السوداء فجرت مفصل الركبة من الداخل.

تطايرت قطع غضروفية وشظايا عظمية حادة لتمزق بنطاله الفاخر، وتحولت ساقه إلى قطعة لحم متدلية لا يربطها بجسده سوى بعض الأنسجة الممزقة.

​صراخ آرثر هذه المرة تلاشى إلى أنين مكتوم، لأن أحباله الصوتية تمزقت من شدة الصراخ السابق.

جسده كان يرتعش في تشنجات الصدمة العصبية. كان يموت ببطء شديد وبأبشع الطرق.

​"يبدو أنك لا تتعلم الدرس أبداً،" تنهد الجوكر، ونبرته تحمل خيبة أمل سادية، وهو يضع قدمه الثقيلة على ساق آرثر السليمة ليثبته في الأرض.

"لا تتظاهر بالجهل معي. ولا تكذب. أنت تعرف قصدي تماماً. سأعيد السؤال مرة أخيرة، وأتمنى أن تكون إجابتك مقنعة."

​انحنى الجوكر، وقرب وجهه المقنع من وجه آرثر الذي يحتضر.

​"من هو المسؤول عن هذه التجارب؟ من الذي يطلب الأطفال ليحولهم إلى وحوش؟"

​آرثر، بعينين جاحظتين تملؤهما الدموع واليأس، والزبد المدمم يخرج من فمه، هز رأسه بصعوبة بالغة.

​"لا... لا أعلم... أقسم لك أنني لا أعلم!" همس آرثر بصوت يختنق بدمائه.

​الجوكر نظر إليه ببرود، ولم يتحدث.

​بام!

​رصاصة ثالثة.

​اخترقت يد آرثر اليسرى، اليد الوحيدة السليمة المتبقية له.

ثقبت راحة كفه وثبتتها في الإسفلت تحته.

​آرثر لم يعد يصرخ. كان يشهق فقط، يبكي كنحيب طفل ملعون، وجسده ينتفض في بركة دماء اتسعت لتغطي الزقاق بأكمله.

​"أقـ... أقسم لك!" صرخ آرثر باكياً، متوسلاً، والدموع الساخنة تغسل بعض الوحل عن وجهه.

"أنا لا أعرف حقاً! أرجوك صدقني! كيف يمكن لوضيع مثلي... لمجرد محقق قذر ينفذ الأوامر... أن يعرف من هو المدبر الأساسي؟! نحن نتعامل مع وسطاء! نجمع الأطفال من غريس ونسلمهم لوسطاء مقنعين لا نرى وجوههم!

المدبر الحقيقي هو كيان أو منظمة تتجاوزنا جميعاً! أقسم لك بحياتي أنني لا أعرف اسمه!"

​كان آرثر يقول الحقيقة.

الهلع في عينيه، ورائحة اليأس النقي التي تفوح منه، أكدت لكايل أن هذا المحقق التافه هو مجرد حشرة صغيرة في قاع سلسلة غذائية مرعبة، لا يملك معلومات عن الرأس المدبر الحقيقي.

​بقي الجوكر صامتاً لثوانٍ، يتأمل هذا الكائن المحطم الذي كان قبل دقائق يتباهى بقوته ومكانته.

الدم، اللحم الممزق، والأنين... مشهد كان ليجعل أي إنسان طبيعي يتقيأ.

لكن كايل فالتير، الذي مشى في أروقة إيريبوس ورأى شلال الدماء، لم يشعر سوى بالاشمئزاز من هشاشة هؤلاء البشر الذين يتنمرون على الأيتام، ثم ينهارون كزجاج رخيص عند أول طلقة.

​الجوكر نهض ببطء، ونظر إلى آرثر من الأعلى.

​"إذاً... أنت لا تعرف الرأس المدبر،" قال الجوكر بصوت هادئ ومخيف.

"لكنك تعرف القطيع الذي تعمل معه."

​وجه الجوكر فوهة مسدسه نحو صدر آرثر الممزق، وأمال رأسه بابتسامة زرقاء متوهجة تحت المطر.

​"إذاً، أريد أن تخبرني عن باقي الأفراد المتورطين في هذه الشبكة من قطاعك. أريد أسماء... أريد رتباً... وما هي المناطق المهمة والحيوية لكم؟ والأهم من ذلك..."

​همس الجوكر، وعيناه القرمزيتان تشتعلان خلف القناع، تحملان جحيم عشر سنوات من الحقد المتراكم:

​"أين يقع موقعكم الرئيسي؟ أين تخفون ما تبقى من أطفال 'أمل الفجر'؟ تحدث يا آرثر... وسأمنحك هدية الموت السريع."

2026/04/22 · 41 مشاهدة · 2175 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026