الفصل العشرين : الفرق الشاسع
في ذلك الزقاق الغارق في عتمة القطاع الأوسط، حيث كان المطر يغسل خطايا المدينة دون أن يطهرها، وقف "الجوكر الأسود" كتمثال منحوت من الجحيم فوق جسد المحقق الممزق.
كان الهواء مشبعاً برائحة النحاس الصدئ النابعة من دماء آرثر ستيرلينغ، ورائحة البارود المحترق، والأوزون السحري الذي خلفته طلقات الإيترا السوداء.
آرثر، الذي كان يرتجف في بركة من دمائه وعصارة معدته، نظر إلى القناع المبتسم الذي يحجب وجه جلاده.
عيناه الجاحظتان كانتا تعكسان استسلاماً مريراً، انكساراً لا يمكن جبره.
"ما الفائدة...؟" بصق آرثر كتلة من الدم المتخثر، وصوته يخرج كحشرجة رطبة من حنجرته الممزقة.
"ما الفائدة من إخبارك بأي شيء... إن كنت سأموت على كل حال؟"
كان يلهث، يحاول التشبث ببقايا كرامة لم تعد موجودة.
لقد أدرك أن هذا المقنع لن يتركه حياً سواء تحدث أم صمت.
صمت الجوكر للحظة.
قطرات المطر كانت تنزلق على سطح قناعه الأسود ذي الخطوط الزرقاء الداكنة، وكأن القناع نفسه يبكي بدموع باردة.
ثم... انطلقت قهقهة خافتة، مكتومة، ومريضة جداً من خلف القناع.
قهقهة جعلت ما تبقى من شعر رأس آرثر يقف رعباً.
"يا إلهي..." تحدث الجوكر، ونبرته تحمل شفقة سادية مقززة، كمعلم يوبخ تلميذاً بطيئ الفهم.
"يبدو أنك، يا سيد ستيرلينغ، لم تتعلم شيئاً خلال سنوات خدمتك في الاستخبارات. يبدو أنك لا تعرف الفرق الشاسع، والعميق، والفني... بين الموت الرحيم، والموت البطيء."
انحنى الجوكر ببطء، وحركة معطفه الجلدي تصدر صوتاً خشناً.
"دعني أوضح لك."
رفع الجوكر يده اليسرى، وبسط سبابته وإبهامه.
ومن الفراغ بين إصبعيه، بدأت جزيئات الإيترا السوداء تتكثف.
تجمعت وتصلبت في ثوانٍ، لتشكل "مسماراً". مسماراً معدنياً أسود، طويلاً، وحاداً كإبرة جراحية، ينبض ببرودة كابوسية وتتصاعد منه أبخرة ظلامية خفيفة.
اتسعت عينا آرثر برعب حيواني.
أدرك ما سيحدث.
حاول الزحف للخلف، وجهه يلتوي في تعبير من الهلع المطلق.
أدار وجهه الملطخ بالوحل نحو الجدار، وأغمض عينه اليمنى بقوة كادت تمزق جفنه، يئن ويبكي ويتوسل بلا كلمات.
لكن الجوكر لم يهتم.
الرحمة لم تكن مدرجة في قاموسه منذ أن احترق قصر فالتير.
مد الجوكر يده، وثبت رأس آرثر بقوة ساحقة بحذائه التكتيكي الثقيل.
ثم، ببطء شديد ومتعمد... قرب المسمار الأسود من عين آرثر اليمنى المغمضة.
لم يغرسه دفعة واحدة.
بل أدخل طرف المسمار الحاد فوق جفنه المغمض.
"آآآآآآآآآ!"
اخترق المسمار طبقة الجلد الرقيقة، ومزق الأنسجة العضلية للجفن.
الدم الحار اندفع ليختلط بالمطر.
صرخ آرثر صرخة مزقت أحباله الصوتية، لكن الجوكر لم يتوقف.
سحب المسمار قليلاً للأعلى، ممزقاً الجفن بالكامل كقطعة قماش مهترئة، كاشفاً عن كرة العين البيضاء المحتقنة بالدماء والتي تدور بهستيريا من فرط الألم.
ثم... وبحركة قاسية، لا تحمل ذرة من الإنسانية، أدخل الجوكر المسمار المشتعل بالإيترا الكاوية مباشرة في بؤبؤ العين.
سبلورت...
صوت اختراق السائل الزجاجي للعين كان مسموعاً ومقززاً.
العين انفجرت من الداخل تحت ضغط الإيترا. تناثرت السوائل اللزجة والدم الأسود لتلطخ وجه آرثر.
الإيترا السوداء بدأت تحرق العصب البصري، وترسل موجات من الألم الصافي، النقي، وغير المفلتر مباشرة إلى دماغ المحقق.
"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآععععغغغغغ!"
صرخة آرثر تجاوزت حدود الصوت البشري.
كانت صرخة كائن يُسلخ حياً في قاع الجحيم.
جسده كان يتقوس للأعلى، منتفضاً في الوحل كسمكة أُلقيت في زيت مغلي.
يداه المحطمتان كانتا تضربان الإسفلت بلا وعي، والزبد المدمم يتدفق من فمه.
سحب الجوكر المسمار، الذي تبخر فوراً في الهواء، ونظر إلى فريسته التي تتلوى في عذاب لا يمكن وصفه.
"أعرفت الآن ما الفرق؟" همس الجوكر، وصوته يقطر بروداً يكسر العظام.
استمر آرثر في الصراخ، يشهق ويبكي، وعينه اليمنى عبارة عن فجوة دموية سوداء تنزف بغزارة.
كان الألم قد دمر ما تبقى من قواه العقلية.
وقبل أن يفتح الجوكر فمه ليسأل سؤاله مجدداً، ليعتصر أسماء ممولي المختبرات من هذا الحطام البشري... حدث شيء.
تغير الضغط الجوي فجأة.
الهواء في الزقاق أصبح ثقيلاً.
قطرات المطر بدأت تهتز، ثم تغير مسار سقوطها لتندفع بشكل مائل.
صمت الجوكر، ورفع رأسه المكسو بالقناع نحو السماء المظلمة.
من بين الغيوم الرمادية الكثيفة، برز صوت هدير ميكانيكي مرعب.
صوت شفرات تقطع الهواء بقسوة، يزداد ارتفاعاً في كل ثانية.
ثلاثة.
كانت ثلاثة أضواء كاشفة عملاقة، بيضاء وعميقة كأعين وحوش مفترسة، تخترق الظلام وتُسلط مباشرة على الزقاق.
الرياح العاتية الناتجة عن مراوح المروحيات الثلاث ضربت الأرض، مطيرة حاويات القمامة، وتاركة مياه الأمطار تتناثر كالأعاصير الصغيرة.
ثلاث مروحيات قتالية تابعة للاستخبارات الفدارلية السحرية ، مصفحة باللون الأسود غير العاكس، حاصرت سماء الزقاق كغربان عملاقة تنتظر وليمة.
نظر الجوكر إلى المروحيات، ثم خفض بصره نحو آرثر الذي كان لا يزال يئن تحت قدمه.
"يبدو أنني لن أستفيد منك بعد الآن..." قال الجوكر ببرود تام.
آرثر، بعينه السليمة المتبقية، نظر إلى الأضواء الكاشفة، وابتسامة مشوهة، يائسة ومجنونة ارتسمت على شفتيه الممزقتين.
"سـ... سيتم إمساكك..." تتأتأ آرثر وهو يسعل الدم، والجنون يلمع في عينه.
"لن تفـ... لن تفلت منهم هذه الـ..."
بام!
لم يكمل جملته.
انطلقت رصاصة الإيترا من فوهة مسدس الجلوك، واخترقت جبهة آرثر مباشرة بين عينيه (أو ما تبقى منهما).
انفجرت مؤخرة جمجمته، ليتناثر الدماغ والدم على حائط الطوب خلفه.
سقط الرأس الميت في الوحل، وانتهى أنين المحقق إلى الأبد.
"أمثالك لا يحق لهم العيش،" بصق الجوكر الكلمات باحتقار، وهو يسحب قدمه من فوق الجثة.
رفع الجوكر نظره مجدداً، وعيناه القرمزيتان تضيقان خلف القناع، تحللان الموقف بسرعة حاسوبية وسط الرياح العاتية والأضواء المسببة للعمى.
في الهليكوبتر الأولى، التي كانت تحوم من الجهة الشمالية، رأى ثلاثة قناصة يرتدون دروعاً ثقيلة، يوجهون بنادق إيترالية ضخمة نحوه.
لم يتعرف على أي منهم.
مجرد بيادق استخباراتية.
في الهليكوبتر الثانية، من الجهة الشرقية، كان هناك ثلاثة أشخاص.
لم يتعرف على الاثنين اللذين يمسكان بالرشاشات الثقيلة، لكن عيناه تجمدتا على الشخص الثالث.
كانت تقف عند حافة الباب المفتوح للمروحية، الرياح تضرب معطفها الأسود الطويل.
شعرها الأسود القصير يتطاير بعنف، وعيناها تلمعان بحقد لا يخفى حتى من هذه المسافة.
"إيفا بلاكود."
نعم. العاهرة ذات الشعر الأسود.
المرأة التي كادت تقتله في المرة السابقة، والتي حطمت قناعه وأجبرته على الهروب كجرذ في المجاري.
كانت تمسك ببندقيتها القناصة، وابتسامة انتقام مرسومة على وجهها.
ثم، حول الجوكر نظره نحو الهليكوبتر الثالثة، التي كانت تتمركز في الجهة الجنوبية، تسد مخرج الزقاق.
"اللعنة..." تمتم الجوكر، وقبضته تشتد على مقبض المسدس حتى ابيضت مفاصله.
"هذا خارج الخطة تماماً."
في تلك المروحية، كان يقف ذلك الشاب الأشقر، العميل الذي تظاهر بأنه حبيب إيفا في المهمة السابقة، والذي كاد يفجر رأسه لولا تدخله.
كان يمسك بسلاح هجومي ويبدو متوتراً.
لكن... الكابوس الحقيقي لم يكن هو.
بجوار ذلك الشاب، تجلس على حافة المروحية المفتوحة... فتاة.
فتاة ذات شعر فضي قصير يلمع تحت أضواء الكشافات، وعيون قرمزية كالدماء الطازجة، تشبه عيون الجوكر نفسه.
كانت ترتدي زياً عسكرياً فاخراً، وساقاها تتدليان في الهواء بلامبالاة مطلقة.
بينما كان الجميع يوجهون أسلحتهم نحو الزقاق بوجوه متوترة ومليئة بالغضب الإجرامي، كانت هذه الفتاة... تشرب عصيراً من علبة كرتونية صغيرة باستخدام مصاصة بلاستيكية!
كانت تنظر إلى الأسفل، نحو الجوكر، وكأنها تشاهد عرضاً مسرحياً مملاً، أو حشرة عالقة في برطمان زجاجي. لا سلاح في يدها، لا وضعية قتالية، فقط برود كوني مرعب.
"بحق الجحيم..." ابتلع الجوكر ريقه، وإحساس بالخطر المطلق يقرع أجراس الإنذار في عقله.
"تلك الفتاة... هالتها... إنها ليست بشرية. إنها وحش في هيئة مراهقة!"
وفجأة، عبر مكبرات الصوت الخاصة بالمروحيات، انطلق صوت إيفا بلاكود الحاد:
"أيها الجوكر! لقد انتهت اللعبة! سلم نفسك الآن، أو سنحولك إلى مصفاة من الرصاص!"
"سلم نفسي؟" ضحك الجوكر بهستيريا داخل قناعه.
"للاستخبارات؟ أفضل أن أحرق نفسي حياً."
"إطلاق حُر!" صرخ صوت قائد من إحدى المروحيات.
انفتح باب الجحيم.
تاتاتاتاتاتا! بوووم! كرااااش!
لم تكن طلقات نارية عادية. كانت زخات من رصاص الإيترا المتفجر.
المروحيات الثلاث بدأت تمطر الزقاق بوابل من الرصاص السحري.
قفز الجوكر كفهد أسود، متدحرجاً خلف حاوية قمامة معدنية ضخمة في اللحظة التي تحول فيها المكان الذي كان يقف فيه إلى حفرة محترقة.
الرصاص كان يمزق الإسفلت، ويحطم جدران الطوب كأنها بسكويت هش.
الشظايا الصخرية والمعدنية كانت تتطاير في كل مكان كالسكاكين الساخنة.
"اللعنة! اللعنة على عملاء الـ FBI!" صرخ الجوكر وهو ينكمش خلف الحاوية التي بدأت تئن وتتمزق تحت وابل الرصاص.
"لماذا يستمرون بملاحقتي كأنني قتلت آباءهم؟! حسناً... هذه المرة، أنا من أتيت إليكم!"
انقض الجوكر من خلف الحاوية، مستغلاً خفة حركته وسرعته التي تعززت بإيترا الظلال.
كان يركض بطريقة متعرجة، يتسلق الجدران لثوانٍ معدودة ثم يقفز للأسفل، متجنباً خيوط الرصاص المضيئة.
فويييش!
رصاصة قناصة كادت تقتلع أذنه، مرت بجوار قناعه وأحدثت خدشاً ساخناً في خده.
"آغغ!" تأوه الجوكر، وشعر بالدم الدافئ يسيل تحت القناع.
بام!
رصاصة رشاش ثقيل من الهليكوبتر الأولى اخترقت كتفه الأيسر.
"آآآآك!"
سقط الجوكر على ركبته بقوة، وتطاير الدم الأسود من كتفه ليلطخ الجدار.
الألم كان حارقاً، كأن جمرة من نار جُعلت في لحمه.
الإيترا المتفجرة كانت تحاول تمزيق عضلات كتفه من الداخل.
أسرع بضخ إيترا غول الظلال خاصته ليعادل الانفجار الداخلي ويرقع الجرح مؤقتاً.
كان ينزف بشدة. تنفسه أصبح حاداً ومتقطعاً كحيوان يحتضر.
نظر للأعلى. الهليكوبتر الثانية اقتربت من الأرض قليلاً، وفجأة...
قفزت إيفا بلاكود من المروحية.
هبطت برشاقة مرعبة من ارتفاع عشرة أمتار، مستخدمة الإيترا الزرقاء لتخفيف سقطتها.
انحنت على ركبة واحدة في منتصف الزقاق، على بعد ثلاثين متراً منه، ورفعت بندقيتها القناصة بسرعة البرق، وعيناها السوداوان تشتعلان بلهفة القتل، موجهة الفوهة نحو رأسه.
في تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن، حانت الفرصة.
عقل الجوكر التحليلي كان يصرخ به: "اهرب! طلقات التعذيب على آرثر قد استنزفت الكثير من مخزون الإيترا الخاص بك! كتفك ينزف! إذا استخدمت مهارة [ تمزيق الظلال ] الآن وهي مهارة من الرتبة S-، لن يتبقى لك سوى مخزون ضئيل جداً للهرب! مخزون لا يكفيك لخمس دقائق من تفعيل التخفي! اهرب الآن واستخدم الدخان!"
كان يعلم ذلك. كان يدرك تماماً أن إطلاق هذه الطلقة هو قرار غبي، متهور، وقد يكلفه حياته.
لكن... نظر إلى إيفا. إلى تلك العينين السوداوين اللتين تفيضان بالغرور.
عليّ أن أسترد ثأري.
هل كان قراراً غبياً؟ بكل تأكيد. لكن الحقد... الحقد المشتعل في صدره، الظلام الذي التهمه في إيريبوس، كان أقوى من أي منطق استراتيجي.
لقد سئم من الهروب كجرذ. سئم من تلقي الضربات.
ابتسم الجوكر تحت قناعه ابتسامة مجنونة، مرعبة، والدم يقطر من فكه.
رفع مسدسه الجلوك، الذي تبقى فيه رصاصة واحدة فقط من الإيترا النقية المكثفة.
ركز كل ما تبقى لديه من طاقة سحرية، وكل قطرة من مهارة [تمزيق الظلال].
لكنه... لم يصوب نحو إيفا.
فوهة المسدس كانت موجهة نحو الأرض، بعيداً عن جسد إيفا بحوالي مترين إلى اليمين.
نظرت إيفا من خلال منظار قناصتها، ورأت وضعية يده. ابتسمت بسخرية.
"لقد فقد عقله من الألم، أو أن الجوكر أصبح سيئاً جداً في القنص،" فكرت إيفا باحتقار، ووضعت إصبعها على الزناد لتنهي حياته.
بام!
أطلق الجوكر النار.
انطلقت الرصاصة السوداء بسرعة لا تُرى، وضربت الإسفلت المبلل.
لا... لم تضرب الإسفلت.
لقد ضربت "الظل".
ظل إيفا بلاكود الممتد على الأرض بفعل الأضواء الكاشفة القوية للمروحيات.
الرصاصة السوداء اخترقت الظل المظلم، وتلاشت داخله كأنها سقطت في ثقب أسود. تمزق الظل في تموج كابوسي.
في جزء من الألف من الثانية، لم يحدث شيء. إيفا ضغطت على الزناد...
لكن...
"آآآآآآآآآغغغغغغ!"
صرخة مكتومة، مليئة بالصدمة والألم الساحق، انطلقت من حنجرة إيفا.
توسعت عيناها السوداوان حتى كادتا تخرجان من محجريهما.
بندقيتها القناصة سقطت من يديها لترتطم بالأرض.
انحنت للأمام، وسقطت على ركبتيها، ويداها ترتجفان وهي تمسك ببطنها.
"هاه...؟"
نظرت إيفا إلى الأسفل، وعقلها عاجز تماماً عن استيعاب الواقع.
"ما معنى هذا...؟" تمتمت بصوت يختنق بالدم.
لم تكن هناك رصاصة في الهواء.
لم يقترب منها أي شيء مادي.
ومع ذلك... كانت هناك فجوة دموية بشعة، بحجم قبضة اليد، قد تفتحت للتو في أحشاء بطنها!
الدم الساخن كان يتدفق بغزارة، ينسدل على أصابعها المرتجفة ويلطخ زيها العسكري.
الأنسجة الداخلية كانت ممزقة، وكأن رصاصة غير مرئية قد اخترقتها من الداخل للخارج.
"اللعنة..." سعلت إيفا، وسقطت على جانبها في الوحل، تتلوى من ألم فاق كل تصوراتها.
لم تكن تفهم كيف ضُربت.
السحر الذي استخدمه الجوكر كان شيئاً لا ينتمي لفهم الاستخبارات التقليدية.
في المروحية الثالثة، الشاب داميان، صرخ بهلع هستيري:
"إيفا! تباً، لقد أُصيبت إيفا! فريق الإخلاء، تحركوا! انزلوا بالحبال فوراً!"
أما الفتاة ذات الشعر الفضي، فاليسيرا... فقد توقفت عن شرب العصير. أنزلت العلبة ببطء، وعيناها القرمزيتان ضاقتا بتركيز مرعب وهي تنظر إلى الجوكر، ثم إلى ظل إيفا.
لأول مرة، ظهرت على وجهها ملامح الاهتمام الحقيقي، وكأنها رأت لغزاً يستحق الحل.
في الأسفل، لم يكن لدى الجوكر وقت للاحتفال بثأره.
المعركة الحقيقية، المذبحة الدموية، بدأت لتوها.
ألقيت الحبال من المروحيات، وبدأ ثمانية عملاء من النخبة، يرتدون دروعاً ثقيلة وأقنعة تكتيكية، بالانزلاق بسرعة نحو الزقاق لسد المداخل وحصاره تماماً.
"لقد انتهى وقت اللعب،" قال الجوكر لنفسه، وهو يضغط بيده اليمنى على جرح كتفه النازف، بينما يده اليسرى تسحب سكيناً تكتيكياً ممزق الحواف.
هبط العميل الأول أمامه مباشرة.
قبل أن يتمكن العميل من رفع بندقيته، اندفع الجوكر كحيوان مفترس محشور في زاوية.
غاص تحت فوهة البندقية، وبحركة وحشية، غرس السكين التكتيكي في الفجوة غير المدرعة تحت إبط العميل.
"أغغغ!" تأوه العميل، لكن الجوكر لم يتوقف.
لف ذراعه السليمة حول عنق العميل من الخلف، واستخدم جسده المدرع كدرع بشري.
تاتاتاتا!
رصاصات العملاء الآخرين مزقت جسد زميلهم الذي استخدمه الجوكر كدرع.
تناثرت الدماء الحارة لتغطي قناع الجوكر وتملأ الهواء برائحة الموت.
ركل الجوكر الجثة الممزقة نحو عميلين آخرين ليوقعهما أرضاً.
وبقفزة بهلوانية مشبعة باليأس، انقض على أحدهما.
غرس أصابعه المغطاة بقفازاته المعدنية في خوذة العميل، وضغط بكل ما تبقى له من إيترا الظلال.
كراااك!
تهشمت الخوذة والجمجمة معاً في صوت مقزز.
لكن الكثرة تغلب الشجاعة، والعملاء لم يكونوا مبتدئين.
ضربة قوية بعقب بندقية من عميل رابع ارتطمت بظهر الجوكر، محطمة أحد أضلاعه.
سقط الجوكر على وجهه، وسعل كتلة من الدم الأسود.
"أمسكوه! حطموا أطرافه لكن أبقوه حياً!" صرخ أحد القادة وهو يوجه سلاحه نحو رأس الجوكر الملقى على الإسفلت.
نظر الجوكر إلى أعلى، والدم يعمي إحدى عينيه خلف القناع المتصدع.
جسده كان يصرخ متوسلاً الراحة. الرؤية بدأت تتشوش، والظلام يزحف إلى أطراف عينيه.
كان محاصراً تماماً. خمسة عملاء يحيطون به، والمروحيات تسلط الأضواء كشمس حارقة.
اقتلع قنبلة دخانية سحرية من حزامه، وسحب فتيلها بأسنانه الملطخة بالدم، وابتسم ابتسامة باهتة تحت القناع المكسور جزئياً.
الجوكر الأسود لم يمت في ميتم أمل الفجر، ولم يمت في حريق القصر، ولم يمت في جبال إيريبوس، ولن يموت اليوم من رصاص هؤلاء الحمقى.
ألقى القنبلة بقوة تحت قدميه.
بوووم!
انفجر الزقاق بسحابة سوداء كثيفة، لزجة، ومظلمة بشكل غير طبيعي.
لم يكن دخاناً عادياً؛ كان دخاناً مشبعاً بإيترا الظلال الكثيفة التي تعطل الرؤية الحرارية، والسحرية، وتخنق الأنفاس.
"اللعنة! لا أرى شيئاً! أطلقوا النار! أطلقوا النار في كل مكان!"
صرخ العملاء بهلع، وبدأوا يمطرون الدخان الأسود بوابل عشوائي من الرصاص.
وفي قلب ذلك العمى التام، حيث الرصاص يمزق الفراغ وصراخ العملاء يملأ المكان، ابتلع الظلام الجوكر.
جرّ جسده المحطم، وساقه التي تنزف، وضلعه المكسور، متسللاً عبر فجوة ضيقة في جدار الزقاق قادته إلى شبكة الصرف الصحي القديمة لإيليزيوم.