الفصل الواحد والعشرون : أسوء كابوس
- منظور كايل فالتير -
كانت رائحة شبكة الصرف الصحي القديمة لمدينة إيليزيوم عبارة عن مزيج مقزز من المياه الراكدة، والجرذان الميتة، والصدأ الذي يأكل الأنابيب المعدنية الضخمة.
لكن بالنسبة لي، في تلك اللحظة، كانت هذه الرائحة هي عطر النجاة.
كنت أزحف.
حرفياً أزحف على بطني، أجرّ جسدي المحطم عبر المياه الآسنة التي تصل إلى مستوى صدري في بعض المنحدرات.
الدم الأحمر اللزج الذي ينزف من كتفي الأيسر الممزق، ومن جرحي في ساقي، كان يختلط بمياه المجاري تاركاً خلفي مساراً قرمزياً قذراً.
كل حركة كانت تتطلب عصراً لما تبقى من إرادتي.
أضلاعي المكسورة كانت تطعن رئتي مع كل شهيق، وأنفاسي تخرج كحشرجة غريق يبتلع الطين.
"يجب... أن أبتعد..." تمتمت لنفسي، وصوتي يتردد بضعف في النفق الدائري المظلم.
لقد نجوت من الزقاق.
تركت إيفا بلاكود تنزف من أحشائها، وهربت مستغلاً سحابة إيترا الظلال.
كنت أظن أنني كسبت بضع دقائق لألتقط أنفاسي وأضمد جروحي.
لكن... في عالم إيليزيوم، الأمل هو مجرد طعم يضعه القدر في فخ من الفولاذ.
طقطق... طقطق...
توقفت عن الزحف. تجمد الدم في عروقي.
لم تكن أصوات أحذية تكتيكية ثقيلة لفرقة مداهمة من الـ FBI.
كانت خطوات خفيفة، رشيقة، وموزونة، تقترب بهدوء مرعب، كأن صاحبتها تمشي على سجادة من الحرير وليس في قاع مجاري متعفنة.
الخطوات كانت تأتي من... أمامي.
رفعت رأسي بصعوبة بالغة، وعيناي القرمزيتان تخترقان الظلام الدامس خلف عدسات قناعي المكسور جزئياً.
في نهاية النفق، حيث يتقاطع مع ممر أوسع، ظهر خيال.
ضوء خافت من شبكة تهوية علوية سلط حزمة باهتة من النور على ذلك الخيال.
لم تكن فرقة كاملة. كان شخصاً واحداً.
فتاة.
شعر فضي قصير يلمع ببريق معدني تحت الضوء الشاحب.
زي عسكري أسود وفضي نظيف جداً لدرجة تتناقض بشدة مع قذارة المكان.
عيون قرمزية... قرمزية كالدماء الطازجة، تنظر إليّ بلامبالاة كونية.
وفي يدها... كانت لا تزال تمسك بعلبة عصير كرتونية صغيرة!
"ماذا كان اسمها...؟" تساءل عقلي المنهك بهلع.
"فاليسيرا؟ أوه... نعم. قائدة وحدة الإشراف."
تباً. تباً. ألف تباً.
لقد هربت في المرة الأولى من إيفا التي هي بالرتبة A بشق الأنفس وبمساعدة الحظ وتفجير قناعي.
وها أنا الآن... بعد أن استنزفت كل قطرة إيترا في جسدي، وبجسد ممزق... أواجه فتاة أخرى.
لكن هذه الفتاة ليست مجرد عميلة قوية.
إنها وحش استخباراتي، رتبتها وصلت إلى S-!
إذا كانت إيفا نمرة مفترسة، ففاليسيرا هي كارثة طبيعية تمشي على قدمين.
الهرب؟ مستحيل. القتال؟ نكتة سامجة.
وقفت فاليسيرا على بعد عشرة أمتار مني، تنظر إلى جسدي الملقى في المياه القذرة.
شفطت آخر قطرة من علبة العصير بصوت مزعج، ثم رمت العلبة في المياه الآسنة لتطفو ببطء.
"أيها الجوكر..." تحدثت فاليسيرا بصوت ناعم، لكنه يحمل صدى سلطة مطلقة، وكأنها تتحدث إلى نملة.
"لقد أدهشتني حقاً. أدهشتني لدرجة أنني تركت كيريون وداميان يتخبطان في الزقاق ونزلت إلى هذه المجاري القذرة التي أفسدت حذائي المفضل."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ووضعت يديها في جيوب معطفها.
"كيف أصبتها؟ أقصد إيفا. لم تكن هناك رصاصة في جسدها، لم تخترق درعها، ومع ذلك... تمزقت أحشاؤها من الداخل. كانت خدعة سحرية رائعة جداً، أريد أن أعرف السر."
استندت على الجدار اللزج، وحاولت رفع نصفي العلوي من الماء.
الألم جعلني أعض على شفتي حتى طعمت الدم.
نظرت إليها من خلف قناعي.
أردت أن أسعل، لكنني أجبرت نفسي على إخراج ضحكة خشنة، ساخرة، ومحطمة.
"هل تظنين..." سعلت قليلاً، وتناثرت قطرات من الدم الأسود من فمي.
"هل تظنين أنني سأبدأ بشرح كيف تعمل قدراتي يا فتاة؟ نحن لا نشاهد أنمي رخيصاً يشرح فيه الشرير للخصم كل مهاراته السرية قبل القتال لكي يتم هزيمته."
اتسعت عينا فاليسيرا للحظة، ثم أطلقت ضحكة قصيرة، مرحة، لا تليق بمكان تفوح منه رائحة الموت.
"أنت محق!" قالت فاليسيرا وهي تومئ برأسها إيماءة مقدرة.
"الدراما الكلاسيكية غبية جداً. حسناً، يبدو أنني سأضطر لتقييدك، وسحبك من قدميك ككيس قمامة، واستجوابك في أقبية الـ FBI. وإذا رفضت التحدث..." أمالت رأسها، وعيناها القرمزيتان تضيقان ببريق سادي خبيث.
"فلا ضير من بعض التعذيب الممتع على أي حال. أنا بارعة جداً في جعل الناس يصرخون."
انقبض قلبي.
التعذيب؟ أقبية الاستخبارات؟ لا.
لن أسمح لهم بوضعي في مختبراتهم.
لن أكون فأر تجارب مجدداً.
أصررت على أسناني، وحشدت كل ذرة طاقة غريزية في خلاياي.
استندت على الجدار، ودفعت جسدي ببطء، ببطء شديد، حتى استقمت واقفاً.
ركبتي كانت ترتجف، والمياه القذرة تقطر من معطفي الممزق.
رفعت يدي اليمنى، محاولاً التركيز لاستدعاء "النصل المنسي". السيف الأسود الذي أخذته في الكهف.
حتى لو كان سيستهلك حياتي، سأوجه لها ضربة واحدة أخيرة.
سأقاتل حتى آخر رمق، حتى آخر قطرة دم في قلبي.
"أوه؟ هل لا زلت تنوي المقاومة؟" تنهدت فاليسيرا بملل مصطنع.
أخرجت يدها اليمنى من جيبها.
"يبدو أنني سأحتاج إلى كيّ بعض جروحك لتدرك فارق القوة بيننا. مجرد تذكير صغير."
رفعت فاليسيرا يدها. لم تقرأ تعويذة، ولم ترسم دائرة إيترالية.
مجرد فرقعة بسيطة بأصابعها.
طقطق... فوووش!
اشتعلت النار في كفها.
لكنها لم تكن ناراً حمراء أو صفراء عادية.
كانت ناراً زرقاء.
زرقاء داكنة، مشتعلة، تنبض بإيترا نقية وكاوية، تضيء نفق المجاري المظلم بوهج شيطاني.
توقف الزمن.
توقف الهواء عن الدخول إلى رئتي.
انعدمت الأصوات حولي.
صوت خرير المياه الآسنة، صوت أنفاس فاليسيرا، كلها اختفت.
عيني القرمزيتان، خلف القناع المكسور، اتسعتا حتى كادتا تتمزقان.
بؤبؤ عيني انكمش ليصبح بحجم رأس دبوس.
نار...
نار... زرقاء...
نار... زرقاء... كاوية...
شّشّش... هسسسس... كرااااك!
لم أعد في المجاري.
الجدران اللزجة ذابت، والمياه القذرة تبخرت. فجأة، كنت أقف مجدداً في ممر قصر فالتير المحترق.
الحرارة... الحرارة الخانقة التي تذيب الجلد. الدخان الأسود الكثيف الذي يمزق الحنجرة.
"أبي! فيكتور!" صرخ صوتي الصغير في ذاكرتي.
رأيت تلك الصخرة المسننة العملاقة في منتصف الغرفة.
رأيت جسد مورفيند... والدي... معلقاً عليها، وعموده الفقري محطم.
ورأيت النيران. النيران الزرقاء اللعينة، الشيطانية، التي كانت تأكل لحمه، تذيب جلده، وتطبخ أعضاءه الداخلية.
رائحة شواء اللحم البشري، رائحة احتراق نخاع العظام... عادت لتضرب جيوبي الأنفية بقوة كادت تفجر دماغي.
ورأيت تلك الخصلة الشقراء. خصلة فيكتور. محترقة، متفحمة، مدفونة في الرماد الأزرق.
"كايل... اهرب..." هلوسة صوت مورفيند وهو يحترق حياً مزقت طبلة أذني.
"لا... لا... لا... لاااااا!"
انهار عقلي.
السد الذي بنيته لسنوات، قناع "الجوكر الأسود" الذي اختبأت خلفه، درع اللامبالاة والوحشية... كله تحطم في جزء من الثانية.
تحطم وتحول إلى غبار أمام ذلك اللون الأزرق المشتعل.
سقط السلاح الوهمي الذي كنت أحاول استدعاءه من ذهني.
تراجعت خطوة للخلف، واصطدم ظهري بجدار المجاري.
لكنني لم أكن أشعر بالجدار؛ كنت أشعر بحرارة قصر فالتير.
بدأت أرتجف.
ارتجافاً لم يكن بشرياً.
كان تشنجاً عنيفاً يضرب كل خلية عصبية في جسدي.
يدي ارتفعت نحو رأسي، وغرست أظافري... ليس في القناع، بل في فروة رأسي من خلال شقوق القناع، أخدش جلدي بقوة كدت أقتلع بها شعري.
"أبعدوها... أبعدوا النار... أرجوكم... أرجوكم لا تحرقوهم!"
صرخت بصوت مختنق، متقطع، صوت طفل مرعوب، محطم، يشاهد عائلته تُشوى حية.
عيناي دارتا في محجريهما بهستيريا.
ركبتاي خذلتاني بالكامل، فانهار جسدي ليسقط في المياه القذرة.
بدأت أتلوى في المياه الآسنة كدودة رُش عليها حمض كاوٍ.
انقبضت عضلات معدتي بعنف لا إرادي، واندفع من حنجرتي سيل من القيء الممزوج بالدم الأحمر، يلطخ المياه حولي ويفوح برائحة الموت.
الرعب النفسي... اضطراب كرب ما بعد الصدمة لم يكن مجرد خوف.
كان "تجسداً" لأسوأ كابوس في حياتي.
كنت أشعر بأن النيران الزرقاء تأكل لحمي الآن. كنت أشم رائحة احتراقي.
"مورفيند... فيكتور... أنا آسف... أنا آسف!"
بدأت أضرب رأسي بجدار المجاري القذر.
بام! بام! بام! أردت تحطيم جمجمتي لإيقاف هذه الذكريات الملعونة.
الزبد المدمم الأبيض والوردي بدأ يتدفق من فمي، يغطي شفاهي وذقني تحت القناع المكسور.
تقوسَ ظهري للخلفِ في تشنجٍ كزازيٍّ مرعب، وأطرافي كانت تنتفض بعنف كأنني أصعق بتيار كهربائي عالي الفولتية.
لم أعد الجوكر الأسود. لم أعد قاتل الاستخبارات. كنت كايل فالتير، الطفل ذو الخمس سنوات، المحترق والمحطم.
...
...
توقفت فاليسيرا في مكانها.
النار الزرقاء لا تزال تشتعل في كفها، لكن عينيها القرمزيتين كانتا متسعتين بذهول حقيقي، نادر، ومطلق.
"ماذا... بحق الجحيم... يحدث له؟" تمتمت فاليسيرا، والدهشة تشل لسانها السليط عادة.
لقد أشعلت مجرد شعلة صغيرة جداً من لهب الإيترا لتخويفه.
لم تهاجمه. لم تطلق عليه أي تعويذة ذهنية.
لم تلمسه حتى بشعرة!
لكن... الوحش الذي كان قبل دقائق يبيد عملاء الـ FBI بدم بارد، والقاتل الذي يمتلك مهارة مرعبة مجهولة الهوية... كان الآن ملقى تحت قدميها، يتلوى في المجاري كمسخ يحتضر.
كان يصرخ بكلمات غير مفهومة، يبكي بحرقة تمزق القلب، يتقيأ دماً وزبداً، ويضرب رأسه بالحائط بهستيريا مجنونة أدت إلى تشقق القناع أكثر ونزف جبينه.
المشهد لم يكن مثيراً للشفقة فحسب؛ كان مقززاً، مرعباً، وموحشاً للغاية.
كان تجسيداً لانهيار العقل البشري بالكامل.
"أبعدوا النار... مورفيند... لا تحرقوهم..." استمر في الهذيان والبكاء، وجسده يتشنج بعنف حتى بدأت عظامه تطقطق.
وفجأة...
شهق شهقة أخيرة، عميقة ومختنقة، ثم توقف عن التشنج.
ارتخت عضلاته بالكامل، وسقط وجهه في المياه الضحلة، وفقد الوعي تماماً.
انزلق في غيبوبة فرضها عقله كآلية دفاعية أخيرة لمنعه من الموت رعباً.
ساد صمت مميت في المجاري، لا يقطعه سوى صوت خرير المياه.
وقفت فاليسيرا متصنمة لعدة ثوانٍ.
هل هذه خدعة؟ فخ؟
لكن حواسها ذات الرتبة S- كانت تخبرها بالحقيقة المطلقة.
نبضه كان ضعيفاً جداً، متسارعاً بشكل غير منتظم.
تنفسه كان ضحلاً.
لقد أُغمي عليه فعلاً من صدمة نفسية قهرية!
أغلقت فاليسيرا كفها بسرعة، فأخفت النار الزرقاء في لمح البصر، كأنها أدركت أن الشعلة هي السبب، رغم عدم فهمها للرابط.
تلاشت الابتسامة الساخرة عن وجهها.
اقتربت منه بخطوات حذرة، وتجاهلت قذارة المياه التي تلطخ حذاءها باهظ الثمن.
ركعت بجانبه في الوحل. كانت تنظر إليه بنظرة حائرة، معقدة، مليئة بالفضول والاستغراب.
"مجرد شعلة زرقاء جعلت أعظم المطلوبين للاستخبارات ينهار كطفل؟" فكرت في نفسها.
نظرت إلى وجهه المغطى بالقناع.
القناع الأسود ذو الخطوط الزرقاء كان قد تحطم جزئياً من الجانب الأيسر بسبب ضربه المتكرر لرأسه بالجدار.
الدماء كانت تغطي الجانب المكسور، مختلطة بالزبد المدمم ومياه المجاري القذرة.
ترددت فاليسيرا للحظة. الأوامر كانت صريحة: القبض عليه وتسليمه للـ FBI.
لكن الفضول، ذلك المرض الذي يصيب الأقوياء، تغلب عليها.
من هو هذا الجوكر؟ من هو هذا الوحش الذي يحمل كل هذا الرعب في داخله؟
مدت يدها المرتدية القفاز الأسود ببطء شديد.
التوتر كان يملأ الهواء المحيط بها.
أمسكت بحافة القناع من الأسفل، وعند الذقن.
ببطء... وحذر... رفعت القناع عن وجهه.
كليك... انفصل القناع، وكشف عن الحقيقة المخفية.
توقعت فاليسيرا أن ترى رجلاً في الأربعينيات، مجرماً مشوهاً، أو مرتزقاً بوجه مليء بندوب المعارك.
لكن ما رأته... جعل أنفاسها تتوقف للحظة.
كان... مجرد شاب.
بالكاد يبلغ العشرينيات من عمره، إن لم يكن أصغر.
وجهه كان شاحباً كالموتى، ملامحه متعبة، هشة، وتحمل وسامة باهتة دمرها العذاب المستمر.
كان يبدو صغيراً جداً، ضعيفاً جداً، ليكون هو ذلك القاتل السادي الذي أرعب المدينة.
"هذا هو الجوكر؟" تمتمت فاليسيرا، وعقدت حاجبيها الفضيين.
"مجرد فتى؟"
بحثت في ذاكرتها الفوتوغرافية المرعبة.
ذاكرة قائدة الاستخبارات التي تحفظ ملفات الآلاف من المجرمين والمستيقظين.
لا شيء. لم تتعرف عليه. لا توجد أي صورة لهذا الوجه في قاعدة بيانات الـ FBI.
إنه نكرة تماماً.
شبح حقيقي.
لكن... كان هناك شيء غريب.
نظرت إلى عينيه. كانتا مفتوحتين جزئياً، لكنهما كانتا قد ارتفعتا للأعلى تماماً بسبب نوبة التشنج العنيفة والإغماء.
لم يكن يظهر منهما سوى بياض العين المليء بالشعيرات الدموية المتفجرة.
مدت فاليسيرا إصبعها السبابة ببطء، ولمست جفنه العلوي برفق، ورفعته لترى لون قزحيته.
كانت العين لا تزال متجهة للأعلى، ولا يمكنها رؤية القزحية بشكل كامل وواضح.
لكنها، في طرف الزاوية... لمحت لوناً.
لوناً غريباً. غير طبيعي.
"هل هو... محمر؟" تمتمت فاليسيرا، وهي تقترب بوجهها أكثر، غير مصدقة.
"قرمزي... ربما؟"
نعم، كان هناك لون قرمزي باهت جداً، خالي من أي بريق أو إيترا نشطة لأن البؤبؤ كان طافياً وميتاً بسبب الإغماء.
عيون قرمزية؟ مثل عيونها؟
في عالم إيليزيوم، ألوان العيون السحرية كالقرمزية والذهبية والبنفسجية نادرة جداً، وغالباً ما ترتبط بسلالات قوية، أو طفرات إيترالية مرعبة، أو... بكيانات معينة.
تجمدت فاليسيرا في مكانها لعدة ثوانٍ.
تنظر إلى الفتى المحطم، وإلى ذلك اللون القرمزي الميت في عينه.
وفجأة...
تغيرت ملامح فاليسيرا تماماً.
اختفى الفضول، واختفت اللامبالاة.
حل محلهما تعبير من الانزعاج الشديد، والغضب المكتوم.
لم تكن تنظر إلى الفتى الآن، بل كانت تنظر إلى "العدم".
"اسكت." همست فاليسيرا بصوت حاد، يخلو من أي مشاعر.
صمتت لثانية، وكأنها تستمع لشخص يتحدث داخل جمجمتها.
"قلت لك اسكت!" رفعت صوتها قليلاً، وعيناها تلمعان بغضب خطير وهي تنظر للفراغ أمامها.
"أنا أعلم ما عليّ فعله! لا تملي عليّ الأوامر أيها اللعين الطفيلي! أنا لست دمية عندك لتوجهني متى شئت!"
كانت تتجادل... مع نفسها.
أو بالأحرى، مع شيء يسكن داخلها. نظام؟ كيان طفيلي؟ شيطان؟ أياً كان، فقد كان يأمرها بشيء يخص هذا الفتى الملقى أمامها.
زفرت فاليسيرا بقوة، محاولة السيطرة على أعصابها التي نادراً ما تفلت.
مسحت وجهها بيدها، ونظرت إلى كايل فالتير المغمى عليه مجدداً.
أعادت القناع المكسور إلى وجهه ببرود، وأخفت ملامحه واللون القرمزي في عينيه.
وقفت ببطء. نظرت يميناً ويساراً في ممر المجاري.
سمعت أصواتاً خافتة تقترب من بعيد.
أصوات أحذية العملاء الذين نزلوا للبحث.
كيريون وداميان والآخرون يقتربون.
"يجب أن أمحوه من هنا قبل أن يروه..." فكرت فاليسيرا.
رفعت يدها اليمنى في الهواء، وقامت بحركة تمزيق بسيطة كأنها تفتح ستارة.
ززييب!
صوت احتكاك سحري رافق شقاً أسود، حوافه مضيئة بلون فضي، انفتح في الهواء أمامها.
كانت هذه "بوابة بعدية" صغيرة، قدرة نادرة جداً حتى بين أصحاب الرتب S.
نظرت إلى الجوكر بقرف مصطنع من قذارة المجاري التي تكسوه، ثم رفعته بقوة سحرية غير مرئية — إيترا الجاذبية —، وألقته داخل البوابة السوداء كأنه كيس فحم.
بمجرد أن دخل جسده، أغلقت يدها، فتلاشت البوابة تماماً، ولم تترك خلفها سوى قطرات الدم الأسود في المياه.
بعد أقل من دقيقة، ظهرت أضواء الكشافات اليدوية من النفق المقابل.
ركض كيريون، وبندقيته جاهزة، وتبعه داميان الذي كان يلهث وتبدو عليه علامات الرعب والإرهاق من المعركة في الأعلى.
"فاليسيرا!" نادى كيريون، وعيناه تمسحان المكان.
"أين هو؟ هل وجدتِ الجوكر؟ لقد تتبعنا أثر دمه إلى هنا!"
التفتت فاليسيرا إليهم ببطء.
كانت ملامحها قد عادت إلى البرود واللامبالاة المعتادة.
وضعت يديها في جيوبها، وتجاهلت بقع الدم في المياه تحتيها.
"لم أجده." كذبت فاليسيرا بسلاسة تامة، وبصوت لا يحمل ذرة من التردد.
"يبدو أن الفأر قد وجد جحراً أصغر لينزلق فيه. هذه المجاري مليئة بالتفرعات القديمة."
نظر كيريون إلى بقع الدم عند قدميها بشك. "لكن الدم..."
"إنه دمه، نعم،" قاطعته فاليسيرا بملل، وهي تخطو متجاوزة إياهم للمغادرة.
"لقد وصل إلى هنا، ثم فقدت أثره. ربما غطس في مياه الصرف الصحي ليهرب. أياً كان، أنا لن أستمر في تلطيخ حذائي بالوحل من أجل مجرم نكرة. تولوا أنتم البحث."
تركتهم ومشت مبتعدة، شعرها الفضي يتأرجح ببطء في الظلام.
داميان نظر إلى كيريون، ثم إلى المياه القذرة.
بينما كانت فاليسيرا تمشي، ابتسمت ابتسامة غامضة، خطيرة، وباردة جداً.
الجوكر الأسود لم يُسجن في الاستخبارات، ولم يُقتل.
بل أصبح الآن في مكان لا يعلمه إلا "هي"... والكيان اللعين الذي يسكن داخلها.