الفصل الثاني والعشرون: سجن
- منظور كايل فالتير -
أين ينتهي الكابوس وأين يبدأ الواقع؟
بالنسبة لشخص مثلي، عاش حياته يزحف في مسالخ البشر ويشاهد من يحبهم يتحولون إلى رماد، الخط الفاصل بين الحلم واليقظة لم يعد موجوداً.
كلاهما جحيم، لكن بدرجات حرارة مختلفة.
كان أول ما شعرت به هو غياب الألم الحاد.
لا، لم يختفِ الألم تماماً، بل تحول إلى خدر بارد، ثقيل، يسري في عروقي كسم بطيء المفعول.
لم أكن أطفو، ولم أكن أسقط.
كنت أستقر على سطح أملس، بارد جداً، يشبه زجاجاً صُقل بجليد أبدي.
فتحت عيني ببطء، وكأن جفوني تزن أطناناً من الرصاص.
توقعت أن أرى سقف مجاري إيليزيوم المتعفن، أو أضواء غرف الاستجواب البيضاء المسببة للعمى في أقبية الـ FBI، مع أجهزة التعذيب والمحققين الذين ينتظرون سلخ جلدي.
توقعت رائحة المطهرات الكيميائية، أو رائحة الدم الفاسد.
لكن ما رأيته... سحق ما تبقى من عقلي المنطقي.
"أين... أنا؟" تمتمت، وصوتي يخرج كحفيف أوراق ميتة، يتردد صداه في مساحة تبدو وكأنها لا تمتلك حدوداً.
حاولت الجلوس.
عضلاتي صرخت احتجاجاً، وكتفي الأيسر الممزق نبض بألم مبرح ذكرني برصاصة المروحية، لكن الإيترا السوداء كانت قد جمدت النزيف.
استندت على مرفقي السليم، ونظرت حولي.
لم أكن في زنزانة.
لم تكن هناك جدران خرسانية، ولا قضبان حديدية، ولا أبواب مصفحة.
كنت أجلس على منصة دائرية من حجر السبج الأسود اللامع كالمرآة، يبلغ قطرها حوالي عشرين متراً.
وما وراء حافة هذه المنصة... كان العدم.
فراغ مطلق. سماء لا نهائية، لكنها ليست زرقاء ولا سوداء مرصعة بالنجوم؛ كانت تسبح في تموجات من الألوان السريالية الكابوسية:
أرجواني داكن، قرمزي مريض، ورمادي يبتلع الضوء.
لم يكن هناك سقف، ولم تكن هناك أرض تحت المنصة.
كنت معلقاً في بُعد آخر، في جيب زمكاني معزول عن قوانين الفيزياء، والجاذبية، والزمن نفسه.
الهواء هنا كان نقياً بشكل غير طبيعي، بارداً، ومعدوماً من أي رائحة، كأنه لم يُتنفس من قبل.
"هل مت؟" سألت نفسي، والهلع البارد يزحف إلى حنجرتي.
"هل هذا هو الجحيم المخصص لي؟ فراغ أبدي؟"
لكن الألم في ضلوعي المكسورة، وطعم الدم المتبقي في فمي، أكدا لي أنني ما زلت أحمل لعنة الحياة.
رفعت يدي المرتجفة نحو وجهي.
القناع. النصف الأيسر من قناعي الأسود ذي الخطوط الزرقاء كان محطماً، يكشف عن عيني اليسرى وعظام وجنتي المشوهة بالكدمات.
النصف الآخر كان لا يزال يغطي هويتي جزئياً.
وفجأة... تذكرت.
المجاري. المياه القذرة. الفتاة ذات الشعر الفضي.
ثم... النار.
النار الزرقاء.
بمجرد أن ومضت ذكرى ذلك اللهب الأزرق في عقلي، انقبض صدري بعنف.
تنفسي تسارع حتى أصبح لهاثاً هستيرياً. الصور عادت لتضرب جمجمتي كمطارق من الشوك.
جسد مورفيند المحترق، رائحة شواء لحم فيكتور، صراخي في قصر فالتير المنهار.
"لا... لا... لا تشتعلي... أبعدوها!"
بدأت أرتجف.
ارتجاف عنيف، لا إرادي. تقوقعت على نفسي فوق الأرضية الزجاجية السوداء، أضم ركبتي إلى صدري، وأغرس أصابعي في شعري محاولاً طرد الذكريات.
اضطراب ما بعد الصدمة لم يكن يرحمني.
كان يمزقني من الداخل، يجعلني أعيش أسوأ ثواني حياتي مراراً وتكراراً.
شعرت بالاختناق، كأن الدخان الأسود عاد ليملأ رئتي.
وبينما كنت أنتفض في نوبة هلع قهرية... تمزق الفراغ أمامي.
لم يكن هناك صوت باب يُفتح.
فقط تموج في نسيج الفضاء الأرجواني، انشق كجرح طولي في الهواء، ومن هذا الشق، خطت خطوة واحدة... للداخل.
فاليسيرا.
كانت ترتدي ملابس مختلفة الآن.
لم تعد ترتدي الزي العسكري الرسمي المعقد للـ FBI. كانت ترتدي بنطالاً أسود مريحاً، وقميصاً أبيض فضفاضاً، وشعرها الفضي القصير لا يزال ندياً كأنها انتهت للتو من الاستحمام.
الشيء الذي تناقض تماماً مع غرابتها ورعبها الكوني، هو ما كانت تحمله بين يديها.
صينية فضية أنيقة، استقر عليها كوب كريستالي مليء بماء نقي تطفو فيه مكعبات ثلج، وصحن يحتوي على شريحة لحم مشوية بعناية تفوح منها رائحة التوابل الدافئة، وبعض الخبز الطازج.
وقفت أمامي مباشرة.
نظرت إليّ من الأعلى، وعيناها القرمزيتان تتأملان جسدي المرتجف، والمنكمش كحشرة مصعوقة.
لم تكن نظراتها تحمل حقداً، ولا شماتة، ولا حتى غضباً لأنني قتلت عملاءها.
كانت نظرة... فضول طبيب يشرح ضفدعاً نادراً.
"لقد استيقظت،" قالت بصوتها الناعم، البارد، الخالي من الاهتمام.
تراجعت للخلف غريزياً، أزحف بظهري على الأرضية السوداء حتى كدت أصل إلى حافة المنصة المطلة على العدم.
"ابتعدي!" هدرت بصوت متقطع، يرتجف رعباً.
"النار... إياكِ أن تشعلي تلك النار اللعينة مجدداً! أقسم أنني سأقتلك... سأمزقكِ!"
كان تهديدي مثيراً للشفقة.
مجرد فأر مكسور الظهر يهدد تنيناً.
فاليسيرا لم ترمش.
مالت برأسها قليلاً، وتنهدت.
تقدمت بخطوات هادئة، وانحنت لتضع الصينية الفضية على الأرضية الزجاجية بجواري.
"اهدأ أيها الجوكر. أو يجب أن أقول... أيها الفتى الباكي؟"
قالت بسخرية خفيفة، وهي تجلس متربعة على الأرض قبالتي، غير مكترثة للدماء والقذارة التي كانت تغطي جسدي.
"لا توجد نار هنا. لقد أطفأتها. انظر، يدي فارغتان."
رفعت يديها لتريني كفيها الخاليين.
عيناي القرمزيتان انتقلتا من يديها إلى وجهها، ثم إلى الصينية.
رائحة اللحم المشوي والخبز الطازج ضربت معدتي الخاوية بقوة.
الجوع الحيواني الذي يسكنني زأر في أحشائي، لكن...
"ما هذا؟" سألت، وصوتي لا يزال يرتجف.
"هل وضعتِ فيه سماً؟ هل هذا مصل اعتراف إيترالي لعين؟"
"سم؟" ضحكت فاليسيرا، ضحكة رنت كأجراس فضية في الفراغ المطلق.
"يا إلهي، أنت تعاني من جنون ارتياب حاد. لو أردت قتلك، لفعلت ذلك في المجاري دون أن أرمش. ولو أردت تعذيبك، فلن أضيع شريحة لحم من أبقار 'الواغيو' السحرية عليك. تناول طعامك واشرب. أنت تنزف، والإيترا في جسدك شبه معدومة. ستموت من الجفاف قبل أن أنهي أسئلتي."
نظرت إلى الماء الكريستالي.
القطرات الباردة تتكاثف على السطح الخارجي للكوب.
كنت أحتضر عطشاً.
حنجرتي كانت كصحراء قاحلة.
لكن... الكبرياء المكسور، والرعب النفسي، وعدم الثقة المطلق في أي كائن يتنفس، جعلني أرفض.
زممت شفتي، وأدرت وجهي بعيداً.
"لن آكل شيئاً من قمامتكم، ولن أشرب. إما أن تقتليني الآن، أو تتركيني أتعفن. أنا لا أقبل صدقات من كلاب الحكومة."
في الحقيقة، أردت أن أشرب الكوب دفعة واحدة وألتهم اللحم كذئب جائع، لكنني كنت أعلم أن الاستسلام لغرائزي أمامها يعني تسليمها زمام السيطرة النفسية بالكامل.
إنها تريد ترويضي كمجرد حيوان أليف، ولن أمنحها هذا الرضا.
رفعت فاليسيرا كتفيها بلامبالاة.
"كما تشاء. الجوع صديق جيد يعلم الفلسفة. لكن لا تتذمر لاحقاً عندما تبدأ معدتك بهضم نفسها."
ساد صمت طويل، ثقيل.
أخذت نفساً عميقاً، محاولاً السيطرة على ارتجاف يدي. يجب أن أفهم الموقف.
يجب أن أجمع المعلومات.
هذه هي الطريقة الوحيدة للنجاة من فخ محكم كهذا.
"أين أنا؟" سألت، محاولاً جعل صوتي يبدو أجشاً وقوياً، رغم أنه كان ضعيفاً ومتقطعاً.
"هل هذه إحدى زنزانات المقر الرئيسي للـ FBI؟ هل تستخدمون السحر المكاني لاحتجاز المطلوبين من الرتب العليا؟"
نظرت فاليسيرا حولي، إلى السماء الأرجوانية والعدم المتموج، وابتسمت ابتسامة هادئة، لكنها مرعبة جداً في دلالاتها.
"مقر الـ FBI؟" قالت باستهزاء خفيف.
"أرجوك، لا تهن ذوقي. تلك الأقبية القذرة والمصممة من الخرسانة لا تليق بي. لا. أنت لست في إيليزيوم. ولست في نوفاريون. ولست في أي نقطة على خريطة هذا الكوكب."
انحنت للأمام قليلاً، وعيناها القرمزيتان تلتمعان بضوء خطير.
"هذا المكان... هو بُعدي الجيبي الخاص. 'ملاذ الفراغ'. فجوة في نسيج الزمكان أمتلكها أنا وحدي. لا مدير الاستخبارات، ولا قادة الـ CIA، ولا حتى كايزر درافيون نفسه يعلم بوجود هذا المكان، أو يمكنه تتبعه."
اتسعت عيناي.
بُعد خاص؟ لا أحد يعلم به؟
الرسالة المبطنة في كلماتها ضربت عقلي كقنبلة.
إذا لم يكن أحد يعلم بهذا المكان، وإذا كانت قد أخذتني سراً... فهذا يعني أنني لست معتقلاً رسمياً. أنا لست في سجلات الـ FBI.
"لذلك..." تابعت فاليسيرا، ونبرتها تنخفض لتصبح فحيحاً شيطانياً يداعب أذني.
"عليك الحذر الشديد يا كايل. أو يا جوكر. أياً كان اسمك. في أقبية الاستخبارات، هناك قوانين، بروتوكولات، ومحققون آخرون. أما هنا؟ لا توجد قوانين. إذا قتلتك هنا، وقطعتك إلى ألف قطعة، ورميتك في هذا العدم... فلن يعلم الكون بأسره أنك وُجدت يوماً. لن يُسجل موتك في أي ورقة. ستُمحى من الوجود ببساطة كأنك لم تكن."
...
البرودة التي سكنت جسدي تضاعفت. كانت محقة.
هي لا تحتاج لاستجوابي قانونياً.
هي تحتجزني كحيوان تجارب شخصي!
ابتلعت ريقي الجاف بصعوبة.
"إذاً..." قلت، محاولاً التظاهر بالثبات.
"ماذا تريدين مني؟ لماذا لم تسلميني للحثالة خارجاً؟ لماذا أنا حي في هذا البُعد اللعين؟"
جلست فاليسيرا باعتدال، وشبكت أصابعها أمامها.
"لأنك لغز مزعج، وأنا أكره الألغاز التي لا أملك حلها،" أجابت ببرود.
"لقد قلبت القطاع الأوسط رأساً على عقب. أهنت فرقة ألفا، سرقت مختبرات، وقتلت محققين. لكن هذا ليس ما أثار فضولي."
أشارت بإصبعها نحوي.
"لقد قتلت المحقق آرثر ستيرلينغ، ومساعده ماركوس."
توقفت للحظة، وعيناها تخترقانني كأشعة سينية.
"سؤالي الأول: لماذا؟ لماذا اخترت آرثر تحديداً لقتله بوحشية في ذلك الزقاق؟"
ثم أمالت رأسها، والتساؤل الحقيقي يبرز في نبرتها.
"وسؤالي الثاني، وهو الأهم: كيف استطعت هزيمته؟ آرثر كان محققاً متمرساً من الرتبة A. يرتدي دروعاً إيترالية، ويمتلك نواة سحرية قوية. وأنت... أنا أستطيع رؤية هالتك، أو بالأحرى، انعدامها. أنت بالكاد تتشبث بالرتبة G. كيف لقمامة من الرتبة G أن تقتل رتبة A دون أن تلمسه؟ لقد تفقدت إصابة إيفا أيضاً... أحشاؤها تمزقت من الداخل. كيف تفعل ذلك؟"
صمتت، وانتظرت.
كانت تملك كل الأوراق.
أنا جريح، محبوس في بُعدها، ولا أملك أي طاقة للإيترا.
عقلي بدأ يعمل بسرعة جنونية.
إذا قلت لها إنني مجرد قاتل مأجور، ستقتلني.
إذا رفضت الإجابة، ستعذبني ثم تقتلني. الميزة الوحيدة التي أملكها الآن... هي "المعلومات".
أمتلك معلومات تخص الفساد داخل الاستخبارات.
إذا أدركت فاليسيرا أنني أمتلك خيوطاً للعبة أكبر، فقد تُبقيني حياً لاستخدامي!
عليّ أن أساومها. سأرمي لها طعماً.
نظرت إليها من خلف قناعي المحطم، ورسمت ابتسامة خافتة، متعبة، لكنها تحمل ثقة مزيفة.
"لماذا قتلت آرثر؟" رددت سؤالها، وأنا أسعل سعلة خفيفة.
"لقد كان سؤالاً يجب أن تطرحيه على آرثر نفسه قبل أن أرسله للجحيم. ذلك اللعين... كان يستحق أكثر من رصاصة في رأسه. كان يجب أن أسلخ جلده ببطء."
عقدت فاليسيرا حاجبيها.
"تجنب المماطلة. أجبني."
"آرثر..." بدأت أتحدث ببطء، أختار كلماتي بعناية.
"لم يكن مجرد محقق يبحث عن المجرمين. كان يمولهم. ذلك الوغد ببدلته الأنيقة، له علاقة مباشرة بالتجارب البشرية البشعة التي تحدث في القطاع السفلي. المختبرات... المسوخ... الأطفال الذين يختفون من المياتم. كان آرثر جزءاً من سلسلة التوريد. كان وسيطاً يسلم اللحم البشري لأسياده المجهولين."
اتسعت عينا فاليسيرا قليلاً.
الصدمة كانت حقيقية، لكنها اختفت في جزء من الثانية ليعود البرود الجليدي لملامحها.
"آرثر؟ محقق استخبارات يتورط في خطف الأطفال والتجارب البيولوجية؟" سألت بشك.
"هل تتوقع مني أن أصدق هلوسات مجرم لتبرير جرائمه؟"
"صدقي أو لا تصدقي، هذا لا يهمني،" أردفت بسخرية لاذعة.
"لقد اعترف لي بذلك ودموعه تختلط بالوحل، بينما كنت أقتلع عينه ببطء. كان يبكي كطفل مرعوب."
لاحظت تغيراً طفيفاً في هواء الغرفة.
فاليسيرا كانت تفكر بسرعة. الاجتماع الأخير الذي حضرته مع كايزر درافيون — والذي لا أعلم عنه شيئاً بالطبع — كان يدور حول الفوليدرز الستة وتمويلهم للمختبرات. كلامي هذا تقاطع فجأة مع أهم أسرار الاستخبارات العليا.
"وكيف استطعت قتله؟" ضغطت فاليسيرا على سؤالها الثاني، متجاهلة مؤقتاً قنبلة المعلومات التي رميتها.
"كيف تجاوزت دفاعاته؟"
ابتسمت تحت القناع. هذه المهارة... [تمزيق الظلال]، هي ورقتي الرابحة، وسري الأعظم. إذا عرفت كيف أقاتل، سأفقد ميزتي التكتيكية الوحيدة.
"كيف استطعت قتله؟" كررت كلماتها، وأضفيت على صوتي نبرة غرور كاذبة، نبرة الجوكر الأسود القديمة.
"لي طريقي في ذلك. الأشباح لا تشرح كيف تخترق الجدران يا قائدة. لِنقل فقط أنني وجدت... نقطة عمياء في قوانينكم الإيترالية الغبية. نقطة لا يمكن لأي درع أن يصدها. وهذا هو السبب في أنكم لم تستطيعوا الإمساك بي."
حدقت فيّ فاليسيرا لعدة ثوانٍ.
كان بإمكانها إجباري، سحقي، وكسر أصابعي واحداً تلو الآخر حتى أتحدث.
لكنها اختارت مساراً آخر.
"كيف له علاقة بالتجارب؟" سألت فاليسيرا، وعادت للتركيز على النقطة الأهم، ونبرتها تحمل جدية مخيفة.
"هل هو جاسوس يعمل لصالح جهات خارجية؟ هل يعمل لصالح نقابة معادية؟"
أدركت أن الطعم قد عُلق في فمها بقوة.
حان الوقت لأرمي القنبلة الكبرى.
ضحكت ضحكة مجنونة، ضحكة متقطعة قاطعتها سعلة من الدم.
"جاسوس؟" قلت باحتقار.
"الاستخبارات السحرية بأكملها عبارة عن غربال مثقوب! نعم، هو جاسوس، أو بالأحرى خادم مطيع لأسياد في الظلام. لكن المفاجأة يا سيدتي القائدة... أنه ليس الوحيد."
وقفت فاليسيرا ببطء من مكانها.
الهالة حولها بدأت تتكثف بشكل غير إرادي، مما جعل الهواء في بُعد الفراغ يثقل فجأة.
"ماذا تقصد؟" سألت، وصوتها يخرج حاداً كشفرة سيف.
"أقصد..." استندت إلى الجدار الزجاجي ورفعت رأسي لأنظر إليها بتحدٍ.
"أقصد أن آرثر ليس الخائن الوحيد في الـ FBI. هناك العديد منهم. شبكة كاملة تتغلغل في صفوفكم. ضباط، محققون، وربما قادة يجلسون على نفس الطاولة التي تجلسين عليها، يمررون المعلومات والأطفال كبضائع لتلك المنظمات المجهولة."
صمتت فاليسيرا. عيناها القرمزيتان كانتا تتفحصانني، تحاولان قراءة أي علامة للكذب.
تابعت حديثي، أضرب على الوتر الحساس:
"أوه... هل نسيت أن أخبرك؟ لقد صرخ آرثر ببعض الأشياء المثيرة للاهتمام قبل أن أطير رأسه. أنا أعرف بعضاً من مقارهم السرية. أعرف أين يخبئون الشحنات، وأين يلتقون بوسطائهم. أنا أملك خريطة الخيانة التي تنهش مؤسستكم من الداخل."
كذبة.
نصف كذبة على الأقل. آرثر لم يخبرني بالمواقع؛ لم يمتلك الوقت لقول كل شيء قبل أن تداهمنا المروحيات.
أخبرني فقط أن هناك وسطاء، وأن الشبكة أكبر منه. لكنني كنت أقامر بحياتي، والمقامر اليائس يجب أن يخادع بأوراق وهمية ليفوز باللعبة.
لكنني كنت حذراً.
"للتوضيح فقط،" أضفت بسرعة، وأنا أتذكر فرقة ألفا التي كانت تلاحقني، وعلى رأسهم إيفا وداميان الغبي.
"هؤلاء الحمقى من فرقة ألفا الذين تترأسينهم؟ لا، ليسوا خونة. هم أضعف وأغبى من أن يكونوا جواسيس مفيدين."
بمجرد أن أنهيت جملتي، تحول المكان إلى برودة قاتلة.
فاليسيرا لم تتحدث لفترة طويلة.
التفتت، ومشت بضع خطوات نحو حافة المنصة السوداء المطلة على العدم المتوهج بالألوان السريالية.
وقفت هناك، ويداها خلف ظهرها، تبدو كملكة تتأمل دمار إمبراطوريتها.
"شبكة جواسيس داخل الـ FBI..." تمتمت فاليسيرا لنفسها.
"وسطاء... تجارب بشرية... الفوليدرز الستة. إذا كان هذا الحثالة الصغير يقول الحقيقة، ولو بجزء بسيط منها، فهذا يفسر كيف تتبخر المعلومات، وكيف تختفي المختبرات قبل أن نصل إليها."