الفصل الثالث والعشرون: إقتراح
في قلب ذلك الفراغ الأرجواني المتموج، حيث لا يوجد زمن ولا سماء، كنت أجلس على الأرضية الزجاجية السوداء.
ابتلعت آخر قطعة من اللحم المشوي، وشربت ما تبقى من الماء الكريستالي. الدفء بدأ يعود إلى أطرافي المتجمدة، وطاقة الإيترا الضعيفة بدأت تتسرب ببطء لترميم خلاياي المحطمة.
وقفت فاليسيرا أمامي، تراقبني بعينيها القرمزيتين الباردتين، تنتظر مني أن أنهي طعامي لتبدأ في إملاء شروطها لاستخدامي كأداة في يديها.
كانت تظن أنها تسيطر على مجرى اللعبة بالكامل.
لكنني، وبعد أن استعدت جزءاً من وعيي، أدركت أن البقاء كـ "شبح" مختبئ في بُعدها الجيبي لن يمنحني الوصول الذي أحتاجه لتدمير شبكة الخونة.
أحتاج إلى غطاء.
أحتاج إلى تصريح للمشي في النور بينما أذبح في الظلام.
مسحت فمي بظهر يدي الملطخة بالدماء الجافة، ورفعت رأسي لأنظر إليها مباشرة.
"لدي اقتراح،" قلت بصوت هادئ، استعاد بعضاً من خشونته المعتادة.
رفعت فاليسيرا حاجباً واحداً بفضول ساخر.
"اقتراح؟ من فأر مجاري يحتضر؟ تفضل، أطربني."
"أريد الانضمام إلى الاستخبارات السحرية. أريد أن تتوسطي لي لأصبح عميلاً رسمياً في الـ FBI، تحت إمرتك."
ساد صمت مميت لثانيتين.
ثم... انفجرت فاليسيرا في الضحك. لم تكن ابتسامة باردة هذه المرة، بل ضحكة حقيقية، رنانة، وكأنني ألقيت أطرف نكتة في تاريخ البشرية.
أرجعت رأسها للخلف، ووضعت يدها على بطنها من شدة الضحك.
"أنت؟" قالت وهي تمسح دمعة وهمية من زاوية عينها.
"تريدني أن أتوسط لشخص من الرتبة G للانضمام إلى النخبة في الـ FBI؟ يا إلهي... لو رأوني أحضرك للمقر للمرة الأولى، وبجانبي هذا الجسد النحيل الذي يبدو وكأنه سيُكسر إذا هبت ريح قوية، سيظنون أنني أحضرت منظفاً خاصاً، أو عامل بوفيه جديد لمكتب كيريون اللعين!"
لم أبتسم. بقيت أراقبها ببرود.
"كيريون دراثيس،" قلت، ناطقاً اسم قائدها ببطء.
"أحد نخبة الـ FBI. رجل أسطوري اخترق الرتبة S ويُعتبر من أعمدة الاستخبارات في إيليزيوم. نعم، أعرف من هو. وأعرف أن مجرد الوقوف في حضرته يتطلب هالة قوية. لكن..."
استندت بيدي على ركبتي ووقفت ببطء، رغم ألم ضلوعي.
"هذا الشخص الضعيف من الرتبة G الذي تسخرين منه... هو من تلاعب بفرقة 'ألفا' التابعة لكِ وجعلهم يبدون كمجموعة من الهواة. هذا الـ G هو من قتل آرثر ستيرلينغ، المحقق من الرتبة A. وهو من فجر رأس زميله ماركوس، الذي كان من الرتبة B. وهذا المنظف الضعيف... كان ليهرب من بين أيديكم جميعاً، لولا تدخلكِ الشخصي والمفاجئ. الأرقام والحروف لا تعني شيئاً يا فاليسيرا، وأنتِ أكثر من يعلم ذلك."
تلاشت الابتسامة عن وجه فاليسيرا تدريجياً. نظرت إليّ بتقييم جديد.
كلماتي كانت دقيقة كشفرة جراح.
لقد أثبتُّ عملياً أنني أمتلك قيمة تكتيكية تتجاوز تصنيفي المثير للشفقة.
"حتى لو افترضنا أنني تجاهلت تصنيفك،" قالت فاليسيرا، وعادت نبرتها للبرود الجليدي.
"كيف أوظف قاتلاً سادياً في مؤسسة لإنفاذ القانون؟ الـ FBI ليست نقابة اغتيالات رخيصة."
"لم أقتل سوى من استحق القتل،" رددت بثبات، وعيناي تلمعان خلف القناع المحطم.
"آرثر وماركوس كانا تاجري بشر، يرسلان الأطفال لمختبرات الموت. لقد قمت بعملكم الذي عجزتم عنه."
ضاقت عيناها القرمزيتان.
"وماذا عن محاولتك لقتل إيفا بلاكود؟ هل كانت تاجرة بشر أيضاً عندما فتحتَ فجوة في أحشائها؟"
— "إيفا... لم تمت إذاً. اللعنة! كنت أرجو أن تنزف حتى الموت،" فكرت في نفسي، لكنني حافظت على هدوئي.
"رد الثأر،" أجبت ببساطة، ونبرتي خالية من أي ندم.
"تلك العاهرة حاولت قتلي في المهمة السابقة، وحطمت قناعي، وكادت تفجر رأسي بقناصتها. هي من بدأت. في عالمنا، من يسحب الزناد أولاً، يجب أن يكون مستعداً لتلقي رصاصة في ظله. كان هذا ثأراً شخصياً، وقد استرددته."
مشت فاليسيرا بضع خطوات حولي، تتفحصني كبضاعة معيبة.
"لنفترض أنني قبلت هذا العذر الوقح،" توقفت أمامي، وكتفت ذراعيها.
"ما الذي قد أستفيده منك بوضعك رسمياً في الاستخبارات؟ أستطيع إبقاءك هنا ككلب صيد سري دون أن أتحمل عبء إدخالك في السجلات."
ابتسمت تحت القناع.
حان وقت كشف الورقة الرابحة الثانية.
"إذا أبقيتني هنا، سأكون أعمى. أحتاج إلى ملفاتكم، شبكتكم الداخلية، لأعرف من أصطاد. وبالمقابل... سأعطيكِ ما لا يملكه أحد في الاستخبارات بأكملها."
اقتربت منها قليلاً، وخفضت صوتي.
"هل تذكرين عندما قلت لك إن آرثر اعترف لي بأسماء ومواقع قبل أن أقتله؟"
"نعم."
"لقد كذبت."
عقدت فاليسيرا حاجبيها بغضب مفاجئ.
"ماذا؟"
"آرثر لم يعترف بشيء مهم. لقد كان مجرد حشرة خائفة لا يعرف من يديره. لكن..."
رفعت يدي اليمنى، وتلاعبت ببعض الإيترا السوداء بين أصابعي.
"أنا أمتلك مهارة فريدة جداً. مهارة لم أشرحها لكِ. هل سمعتِ بمهارة [الدموي - حصاد بني الجلد]؟"
نفت برأسها ببطء، فالمهارات الاستثنائية لا تُسجل في الكتب.
"إنها مهارة نظامية ملعونة،" تابعت بنبرة سوداوية.
"في البداية، ظننت أنها تمنحني القوة الجسدية لمن أقتله فقط. النظام اللعين لم يشرح لي الميزة الخفية فيها. لم أكتشفها إلا عندما قتلت 'ماركوس'، صديق آرثر. عندما أُنهي حياة إنسان، وأحصد طاقته... إذا كان دماغه لا يزال سليماً في لحظة الموت... فإن المهارة تسمح لي بتمزيق وسحب 'أجزاء من ذكرياته' الأخيرة."
استطعت رؤية الصدمة الحقيقية تومض في عيني فاليسيرا الرائعتين والمخيفة.
"قراءة الذكريات من الجثث الطازجة؟" همست فاليسيرا، كمن وجد منجماً من الذهب الصافي.
"نعم،" أكدت كلامي، رغم أن وصف العملية كان يجعلني أشعر بالغثيان. تذكرت لحظة موت ماركوس، كيف تدفقت ومضات من حياته، من اجتماعاته السرية، ومن وجوه شركائه إلى عقلي كفيلم مشوه وملطخ بالدماء.
"عندما قتلت ماركوس، رأيت بعضاً من مقارهم السرية. رأيت وجوهاً مألوفة في أروقة الـ FBI. إذا أدخلتني إلى الاستخبارات، فأنا لن أكون مجرد قاتل. سأكون 'آلة كشف كذب' تمشي على قدمين. كل خائن أقتله، سيعطيني اسم الخائن الذي يليه. سأفكك شبكة المسؤولين من الداخل إلى الخارج."
صمتت فاليسيرا. الفائدة التكتيكية التي أقدمها كانت لا تقدر بثمن.
لكن فجأة... حدث شيء غريب.
ملامح فاليسيرا تشنجت. أغمضت عينيها بقوة، ورفعت يدها لتمسك برأسها وكأن صداعاً نصفياً حاداً قد ضربها.
شفتيها كانتا تتحركان بكلمات غير مسموعة.
كانت تبدو وكأنها تمسك أعصابها بصعوبة بالغة.
كان هناك صراع يدور في داخلها. وكأن شخصاً آخر... أو كياناً آخر... يصرخ في جمجمتها، يزعجها، ويحاول إجبارها على شيء ترفضه.
— اقبلي! أدخليه النور! دعي المذبح يمتلئ بالدماء!
هكذا تخيلتُ الصوت الذي يهمس لها، بناءً على تعابير وجهها التي تحولت إلى غضب مكتوم.
"اسكت..." همست فاليسيرا من بين أسنانها، وهي تضغط على صدغيها.
ثم فتحت عينيها. تنفست بعمق، وعاد البرود ليغلف ملامحها، كأن ذلك الصراع لم يحدث قط.
"حسناً، يا كايل فالتير،" قالت فاليسيرا، ناطقة اسمي الحقيقي بوضوح جعلني أرتجف.
"لقد حصلت على وظيفتك. لكن تذكر... أنت تعمل عندي. إذا اكتشفت أنك تلعب لعبة مزدوجة، سأحرقك من الداخل إلى الخارج."
أومأت برأسي، وابتسامة مريضة ترتسم تحت قناعي.
"خطوتنا الأولى،" أضافت وهي تستدير لفتح البوابة الزمكانية.
"اخلع هذا القناع السخيف. واستحم، رائحتك كجثة متعفنة. غداً صباحاً، سيتم تقديم 'المجند الجديد' لفرقة ألفا."
(في صباح اليوم التالي - المقر الرئيسي للاستخبارات السحرية FBI)
القطاع الذهبي، مدينة إيليزيوم.
المقر الرئيسي للـ FBI لم يكن مجرد مبنى، بل كان قلعة من الزجاج الفولاذي الأسود والتيتانيوم الأبيض، يرتفع لمئات الأمتار في السماء، يعكس شمس الصباح ببرود متعجرف.
حول المبنى، كانت هناك حواجز سحرية غير مرئية تمنع أي إيترا غير مصرح بها من الاقتراب.
كنت أقف أمام البوابات الإلكترونية الضخمة، أرتدي بدلة رسمية سوداء بسيطة، وقميصاً أبيض بلا ربطة عنق.
شعري الأسود كان مصففاً بشكل فوضوي يغطي جبهتي، ووجهي كان شاحباً كشبح.
كدمات خفيفة كانت لا تزال واضحة حول عيني، لكن جسدي تم شفاؤه بالكامل تقريباً بفضل بعض جرع الشفاء من الرتبة A التي رمتها لي فاليسيرا في البُعد الجيبي.
لم أكن أرتدي القناع.
كنت كايل فالتير.
الشاب النحيل، الضعيف، ذو العيون القرمزية الباهتة التي تبدو وكأنها فقدت الرغبة في الحياة.
بجانبي، كانت تمشي فاليسيرا، بكامل أناقتها العسكرية ونجومها الفضية، تتجاهل التحيات العسكرية المتوترة التي يؤديها الحراس بمجرد مرورها.
"القسم ينقسم إلى ثلاثة أجنحة رئيسية،" بدأت فاليسيرا تشرح بملل، وكأنها مرشدة سياحية مجبرة على عملها.
"الجناح الشرقي: 'مكاتب المحققين' والتحليل الاستخباراتي. هنا يعمل ذوو البدلات الذين يظنون أنهم أذكياء.
الجناح الغربي: 'المختبرات والطب الشرعي الإيترالي'.
والجناح المركزي، وهو حيث نعمل نحن: 'فرق المداهمة والتنفيذ'."
كنا نمشي في أروقة واسعة، أرضياتها من الرخام الأبيض، والعملاء يمشون بخطوات سريعة، يحملون ملفات إلكترونية أو أسلحة سحرية.
الأجواء كانت مشحونة بالعملية والتوتر المستمر.
كان هذا هو عش الدبابير.
وأنا، الجوكر الأسود، كنت أسير في قلبه بكل هدوء.
كانت الفكرة بحد ذاتها كافية لإثارة ضحكة هستيرية في داخلي، لكنني حافظت على قناع البلاهة والضعف.
توقفنا أمام باب خشبي ضخم، منقوش عليه شعار سيفين متقاطعين.
"مكتب كيريون، وصالة استراحة فرقة ألفا،" قالت فاليسيرا.
دفعت الباب دون أن تطرق.
الداخل كان عبارة عن قاعة واسعة وفاخرة.
في النهاية، كان هناك مكتب زجاجي يجلس خلفه "كيريون دراثيس"، الأسطورة الحية، يعبث ببعض الأوراق.
وفي منطقة الاستراحة المليئة بالأرائك الجلدية، كان يتواجد باقي أفراد فرقة ألفا.
"سيا" كانت تنظف بندقيتها بملل.
"داميان" كان يقرأ كتاباً وهو يحتسي القهوة.
وعلى أريكة منفردة... كانت تجلس "إيفا بلاكود".
كانت ترتدي ملابس مدنية مريحة.
وجهها كان شاحباً قليلاً، وكانت تضع يدها باستمرار على بطنها، حيث تركت رصاصة الظلال الخاصة بي ندبة لا يمكن محوها.
عيناها السوداوان كانتا تنضحان بالغضب المكبوت.
لقد تم علاجها بسحر شفاء من الرتبة S، لكن الصدمة النفسية لتمزق أحشائها من الداخل دون سبب مرئي، كانت لا تزال تطاردها.
عندما دخلت خلف فاليسيرا، توقفت كل الحركات في الغرفة.
رفع كيريون رأسه، وعقد حاجبيه الكثيفين.
"فاليسيرا؟ من هذا الفتى؟ هل أحضرتِ سجيناً إلى صالة الاستراحة؟"
ابتسمت فاليسيرا ببرود.
"لا يا كيريون. أحضرت لكم زميلاً جديداً. رحبوا بـ 'كايل فالتير'. العضو الأحدث، والمجند الجديد في فرقة ألفا."
سقط كتاب داميان من يده ليصطدم بالأرض.
توقفت سيا عن تلميع بندقيتها.
ووقفت إيفا ببطء، وعيناها السوداوان تتسعان بعدم تصديق.
"زميل؟ جديد؟" ردد كيريون، وصوته الجهوري بدأ يرتفع خطراً.
وقف من خلف مكتبه، وهالته الثقيلة بدأت تتسرب في الغرفة.
"هل هذه نكتة أخرى من نكاتك يا فاليسيرا؟ هذا الفتى..." نظر إليّ باشمئزاز.
"هالته الإيترالية ضعيفة لدرجة أنني أكاد لا أشعر بها. إنه بالكاد في الرتبة G! ونحن فرقة 'ألفا'! نخبة النخبة! أضعف عضو هنا هو في الرتبة A!"
"رتبة G؟!" صرخت إيفا فجأة، مشيرة بإصبعها نحوي بغضب نرجسي.
"هل تمزحين معي أيتها القائدة؟! أنا أكاد أموت من الألم الوهمي في بطني بسبب ذلك الوغد المسمى بالجوكر، وأنتِ تحضرين لنا قمامة من القطاع السفلي ليعمل معنا؟ ماذا سيفعل؟ يمسح أحذيتنا أثناء المداهمات؟!"
داميان تدخل بتوتر، يحاول تهدئة الوضع: "سيدتي القائدة... مع احترامي، هذا غير منطقي. إدخال رتبة G في مهامنا هو بمثابة حكم إعدام له، وعبء تكتيكي علينا."
كنت أقف هناك، أحني رأسي قليلاً كأنني خائف ومحرج.
لكن في داخلي... كنت أتمزق من الضحك والغيظ معاً.
(تجرئين على دعوتي بالقمامة أيتها العاهرة؟
صرخت في عقلي وأنا أنظر إلى إيفا من تحت أهدابي.أنا من جعل أحشاءكِ تتناثر على الإسفلت! أنا من جعلكِ تسقطين على ركبتيكِ تبكين كالطفلة! لولا تدخّل فرقتكم الجبانة، لكنتِ الآن جثة متعفنة في ذلك الزقاق!)
لكنني ابتلعت حقدي، ورفعت يدي ببطء، أرسم ابتسامة خجولة، مهتزة ومثيرة للشفقة.
"مـ... مرحباً بكم جميعاً. أنا كايل. يشرفني أن أتعلم منكم. سأبذل قصارى جهدي لكي لا أكون عبئاً."
نظرت إيفا إليّ وكأنني حشرة مثيرة للاشمئزاز، وأدارت وجهها.
كيريون ضرب بيده على المكتب بقوة أحدثت شرخاً في الزجاج.
"مرفوض!" زأر كيريون.
"لن أسمح بوجوده هنا! القيادة العليا لن توافق على هذا الهراء!"
فاليسيرا، التي كانت تراقب المسرحية بمتعة صامتة، مشت نحو مكتب كيريون، ووضعت ورقة بيضاء مختومة بختم ذهبي أمامه.
"القيادة العليا وافقت بالفعل، يا كيريون،" قالت فاليسيرا بصوت حاد يقطع أي نقاش.
"لقد استخدمت 'صلاحياتي الاستثنائية' كقائدة. كايل فالتير هو تحت مسؤوليتي المباشرة. فرقة ألفا هي فرقتي، وأنا من يقرر من ينضم إليها. إذا كان لديك اعتراض، يمكنك رفعه إلى السامي كايزر شخصياً."
ذكر اسم كايزر جعل كيريون يبتلع باقي كلماته.
هو يعلم، كما يعلم الجميع، أن فاليسيرا تمتلك حظوة غير منطقية عند حاكم المدينة.
تنهد كيريون تنهيدة رجل هرم، وجلس على كرسيه يفرك جبهته.
"ستقتليننا جميعاً بغرورك يوماً ما يا فاليسيرا."
استدارت فاليسيرا نحوي، وابتسمت ابتسامتها الشريرة.
"كايل. مكتبك هو ذلك المكتب الصغير في الزاوية، بجوار آلة القهوة. داميان سيأخذك في جولة لتعريفك بالمقر، وببروتوكولات الـ FBI."
"حـ... حسناً سيدتي،" قلت بصوت خافت.
كرهت هذا الموقف. كرهت أن أكون تحت إمرة فتاة مراهقة تعاملني كدمية.
كرهت أن أقف في نفس الغرفة مع إيفا وداميان دون أن أتمكن من غرس سكيني في أعناقهم.
اقترب مني داميان، ينظر إليّ بشفقة ممزوجة بالتعالي.
"اتبعني يا فتى،" قال داميان وهو يشير بيده.
"وحاول ألا تلمس أي شيء قابل للانفجار. نحن نتعامل مع أسلحة قد تبخرك."
مضى اليوم الأول كمسرحية هزلية سوداء.
كنت أمشي خلف داميان، أتظاهر بالانبهار بكل شاشة عرض، وبكل قاعة تدريب.
"هذه غرفة تحليل الإيترا،" كان يشرح لي، وأنا أومئ برأسي كالأبله.
"وهؤلاء هم محققو القسم الجنائي، لا تتحدث معهم، إنهم وقحون." (أعرفهم، قتلت أفضل محقق لديهم بالأمس).
في فترة الغداء، جلست في كافتيريا المقر الفخمة. فرقة ألفا جلست على طاولة قريبة، وتجاهلوني تماماً.
كانت إيفا تتذمر بصوت عالٍ من الألم الوهمي الذي يضربها كلما تذكرت الجوكر الأسود.
"أقسم لكم،" كانت إيفا تقول بغل، وهي تطعن سلطتها بالشوكة.
"عندما أجده، لن أقتله برصاصة. سأجعله يعاني."
كنت أجلس وحيداً على طاولة صغيرة، أتناول شطيرة دجاج، وأراقبها.
أخذت رشفة من عصيري، وابتسمت ابتسامة لم يرها أحد.
(تأكدي من إغلاق باب غرفتك جيداً الليلة يا إيفا... لأن الجوكر يمتلك الآن مفتاح المقر بأسره).
أخطر كابوس يهدد الاستخبارات السحرية، القاتل الذي يبحثون عنه في كل مجرور، كان يجلس بينهم، يشرب عصير التفاح، ويحمل بطاقة تعريف مكتوب عليها: "عميل تحت التدريب - الرتبة G".