الفصل الرابع والعشرون: المهمة الأولى

​كانت قاعة الاجتماعات الخاصة بفرقة "ألفا" في الجناح المركزي للاستخبارات السحرية تسبح في صمت مشحون بكهرباء التوتر والعداء.

الإضاءة البيضاء الساطعة كانت تعكس وجوهاً متجهمة، وندوباً قديمة، وكبرياءً جُرح مؤخراً في أزقة القطاع الأوسط.

​وقفتُ في نهاية الطاولة الإلكترونية الضخمة، مرتدياً بدلة المجندين الجدد السخيفة التي كانت تبدو واسعة قليلاً على جسدي النحيل.

لم أكن أرتدي القناع. كنت فقط "كايل فالتير"، الفتى الشاحب ذو العيون القرمزية الباهتة، والرتبة G التي تجعلني، في نظر الجالسين أمامي، مجرد نكتة تمشي على قدمين.

​في صدر الطاولة، كان يجلس القائد "كيريون دراثيس"، الأسطورة الحية، يفرك صدغيه كمن يعاني من صداع نصفي مزمن.

وعلى يساره، جلست "إيفا بلاكود"، تعبث بقلم معدني بعصبية، ويدها الأخرى تستقر لا إرادياً على بطنها حيث تركت رصاصة الظلال الخاصة بي ندبة خفية وألماً وهمياً يمزق أعصابها كل ليلة.

وبجوارها "سيا"، هادئة كتمثال جليدي، و"داميان"، الشاب الأشقر الذي كان ينظر إليّ بشفقة ممزوجة بالاحتقار.

​وفي زاوية الغرفة، متكئة على الجدار الزجاجي وتنفخ فقاعة من علكة زهرية اللون... كانت تقف "فاليسيرا".

​"دعني ألخص ما تقوله أيها... المجند،" كسر كيريون الصمت، وصوته الجهوري يحمل ثقل رتبته S.

"أنت تدعي، وأنت الذي بالكاد تستطيع استدعاء شرارة إيترا لتدفئة كوب قهوة، أنك تملك قائمة بأسماء الخونة المتورطين في شبكة التجارب البشرية داخل الـ FBI؟"

​أومأت برأسي بخجل مصطنع، ونظرت إلى الأرض

. "نـ... نعم سيدي القائد. كما أخبرت القائدة فاليسيرا، لقد... تنصتُّ بالصدفة على محادثة في القطاع السفلي قبل أسابيع. سمعت أسماءهم تتردد بين بعض المرتزقة."

​كذبة قذرة. لكنها الكذبة الوحيدة التي يمكنني قولها دون أن أفضح قدرتي على سحب الذكريات من أدمغة الجثث.

لقد رأيت وجوه هؤلاء الخونة ومناصبهم عندما قطفت ذكريات "ماركوس" قبل أن أفجر رأسه.

​"أسماء مَن بالضبط؟" سألت سيا ببرود.

​رفعت نظري ببطء. "المفتش العام 'ثورن' من الرتبة A. النقيب 'ميلر' من الرتبة B. والملازمان 'فارغاس' و'ريد'، كلاهما من الرتبة B."

​سقط القلم المعدني من يد إيفا ليصطدم بالطاولة.

داميان شهق بصوت مسموع.

كيريون تيبس فكه، وعيناه الرماديتان اتسعتا لثانية قبل أن تعودا لضيقهما المهدد.

​"المفتش العام ثورن؟!" صرخت إيفا، ووقفت من كرسيها بغضب، مشيرة بإصبعها نحوي.

"هل فقدت عقلك أيها الحثالة؟! ثورن هو أحد أبطال قطاع التحقيقات! لقد أنقذ أرواح العشرات! والنقيب ميلر مدرب في الأكاديمية! أنت تتهم نخبة من رتب A و B بالخيانة بناءً على... تنصت في مجرور؟!"

​"هذا هراء مطلق،" أضاف داميان، وهو يهز رأسه بقوة.

"سيدي القائد، هذا الفتى يحاول لفت الانتباه وتلفيق تهم لشخصيات مرموقة. إذا سمع المفتش ثورن بهذا، سيقوم بسلخنا جميعاً بتهمة التشهير!"

​في داخلي، كنت أبتسم ابتسامة شيطانية شقت وجهي الخفي من الأذن إلى الأذن.

(نعم يا إيفا... دافعي عنهم. دافعي عن الخنازير التي تبيع الأطفال ليلعب بهم المسؤول. كم أنتم عميان! ذئاب تدعي الشراسة، لكنها لا تستطيع تمييز رائحة الدم الفاسد في عرينها!)

حافظت على ملامحي المذعورة والمترددة.

"أنا... أنا فقط أنقل ما سمعته! أرجوكم لا تغضبوا!"

​تنهد كيريون بقوة، ونظر إلى فاليسيرا.

"هل ترين هذا يا فاليسيرا؟ هذا ما يحدث عندما نحضر أطفال الشوارع إلى الاستخبارات. اتهامات باطلة لقيادات عليا. لا يمكنني السماح بهذا الهراء. سأقوم بطرده الآن."

​بلاك!

​انفجرت فقاعة العلكة الزهرية بصوت حاد.

​التفتت فاليسيرا ببطء، ومشت نحو الطاولة.

ملامحها لم تكن تحمل أي تعبير، لكن الهواء في الغرفة انخفضت درجة حرارته فجأة.

​"لا أحد هنا سيُطرد يا كيريون،" قالت فاليسيرا بصوت ناعم، يقطر سماً وحسماً.

"كايل لا يكذب. لقد قمت بمراجعة تحركاته المالية المخفية لثورن وميلر بعد أن أخبرني كايل. هناك فجوات. هناك أموال تُغسل عبر شركات وهمية في نوفاريون. وهم المسؤولون عن تأمين الممرات اللوجستية في القطاع G، نفس الممرات التي تختفي منها عربات نقل الأيتام."

​ساد صمت مميت.

​إذا كان كايل هو من يتحدث، فهو قمامة.

لكن إذا تحدثت فاليسيرا... فهذه إرادة سامية لا تُرد.

​لا أحد في الغرفة يثق بي. إيفا كانت ترمقني بنظرة تتمنى لو تحرقني بها، وكيريون كان يرى فيّ عبئاً كارثياً.

لكنهم... يثقون في فاليسيرا. أو بالأحرى، يرعبهم التشكيك في حكمها ذي الرتبة S-.

​"حتى لو كان ما تقولينه يحمل نسبة من الصحة..." قال كيريون بصوت خافت، محاولاً التمسك بالمنطق.

"كيف سنعتقلهم؟ ثورن رتبة A ومقرب من مدير الـ FBI ألكسندر فانس شخصياً! ميلر وفارغاس وريد رتب B مدربون. لا يمكننا مجرد طرق أبوابهم واعتقالهم دون أمر مباشر من الإدارة العليا. وألكسندر فانس لن يوقع على أمر اعتقال لرجاله بناءً على شكوك!"

​هنا، كنت أراقب بصمت. هذا هو السؤال الذي كان يطاردني. كيف ستتجاوز هذه المراهقة السادية هرم السلطة المعقد للاستخبارات؟

كيف ستقنع ألكسندر فانس، الثعلب العجوز والقاسي، بإعطائها الضوء الأخضر لافتراس ضباطه؟

​ابتسمت فاليسيرا، وكأنها تذكرت نكتة مضحكة.

"أوه، لا تقلقوا بشأن العجوز ألكسندر. لقد أقنعته بالفعل هذا الصباح."

​اتسعت عينا كيريون. "أقنعته؟ كيف؟"

​تراجعت بذاكرتي إلى ما حدث صباح اليوم. كنت أقف خارج مكتب مدير الـ FBI المهيب، بينما دخلت فاليسيرا.

الباب لم يكن مغلقاً بالكامل، واستطعت سماع أجزاء من المحادثة التي جعلت عقلي يتوقف عن العمل.

​ألكسندر فانس، الذي كان يرعب جنرالات الجيوش، كان يصرخ في البداية:

"مستحيل! لن أعتقل ثورن! هذا انتحار سياسي!"

​ثم، سمعت صوت فاليسيرا، هادئاً، بارداً، يحمل تهديداً كونياً:

"ألكسندر... هل تتذكر تلك الحادثة في العاصمة زيراثيون قبل عشر سنوات؟ تلك المهمة السوداء التي أمرت فيها بمسح قرية كاملة لإخفاء أثرك؟ لدي الوثائق. ولدي شهود... ما زالوا يتنفسون في بُعدي الجيبي. إذا لم توقع على أمر الاعتقال الآن، سأجعل كايزر درافيون يقرأ هذه الوثائق الليلة على العشاء."

​لم أسمع سوى صوت ارتعاش قلم ذهبي يوقع على ورقة.

​كيف فعلت تلك القاصرة هذا؟! من أين لها بمعلومات قذرة تدين رأس الـ FBI؟ هل وُلدت وفي فمها ملفات ابتزاز؟

هذه الفتاة ليست مجرد مستيقظة قوية؛ إنها شيطان سياسي يتلاعب بالحكام!

​عادت بي أفكاري إلى قاعة الاجتماعات عندما ضربت فاليسيرا بملف إلكتروني على الطاولة.

​"لدينا أمر الاعتقال. حيّاً، لغرض الاستجواب السري،" أعلنت فاليسيرا ببرود.

"الليلة، ثورن وميلر والآخرون سيجتمعون في المستودع 42 المهجور في القطاع الصناعي G. من المفترض أن يستلموا دفعة جديدة من 'البضائع' لتحويلها إلى مختبرات الفوليدرز. نحن سنكون هناك لاستقبالهم."

​"سيدتي..." قاطع داميان بتوتر، وهو ينظر إليّ.

"هل سـ... هل سيرافقنا هذا الفتى؟ أقصد كايل. سيكون في خطر مميت! رتب A و B سيحولونه إلى معجون طماطم في ثوانٍ!"

​التفتت فاليسيرا نحوي، وابتسامة خبيثة تراقصت على شفتيها.

​"بالطبع سيرافقنا،" قالت بمكر.

"كايل سيكون الطُعم."

​تجمدت ملامحي. طعم؟ أيتها العاهرة الفضية!

​"سـ... سيدتي!" تظاهرت بالهلع، وبدأت أرتجف. "أنا لا أستطيع القتال! أرجوكِ، سأموت!"

​"لا تقلق يا كايل،" ضحكت إيفا بسادية، وقد وجدت أخيراً شيئاً يسعدها في هذا اليوم.

"سنحرص على جمع أشلائك في كيس واحد إذا ساءت الأمور."

...

...

...

لم يكن إقناع الاستخبارات السحرية بوجود خونة في صفوفها أمراً سهلاً، بل كان أقرب إلى محاولة إقناع ذئب بأن أنيابه مسمومة.

​في قاعة الاجتماعات الباردة، عندما ألقيت بأسماء الخونة—المفتش العام "ثورن" من الرتبة A، والنقيب "ميلر" والملازمان "فارغاس" و"ريد" من الرتبة B—لم يصدقني أحد. كنت في نظرهم مجرد حثالة من الرتبة G، فتى شوارع يحاول تلفيق تهم لقيادات بارزة لإنقاذ عنقه. لم يضعوا ثقتهم في كلماتي، ولا حتى بنسبة واحد بالمائة. بل وضعوا ثقتهم العمياء، أو بالأحرى خضوعهم، في "فاليسيرا".

​فاليسيرا، لسبب لا أعلمه (فأنا أجهل تماماً ما دار في ذلك الاجتماع الأمني المغلق مع السامي كايزر درافيون، وأجهل أي تنظيم خفي قد يكونون يبحثون عنه)، أخذت كلماتي على محمل الجد.

ربما كانت تبحث عن كبش فداء، أو ربما كانت تملك خيوطاً تقودها لتلك المختبرات، وأسماء ثورن وميلر تطابقت مع شكوكها.

أياً كان السبب، فقد تبنت الخطة.

​لكن الأمر لم يمر بسلام. "كيريون دراثيس"، الأسطورة الحية، رفض التدخل.

​أتذكر وقفته في الغرفة، هالته الرمادية التي تكاد تسحق العظام بمجرد تنفسه.

كيريون رجل اخترق الرتبة S، وهو، بلا أدنى شك، أقوى جسدياً وإيترالياً من فاليسيرا ذات الرتبة S-.

لقد رفض كيريون المشاركة في هذا "الفخ غير الرسمي".

قال بصرامة إن مهاجمة مفتش عام من الرتبة A بدون أمر توقيف موثق من القيادة العليا هو تمرد صريح.

ترك الغرفة غاضباً، تاركاً فاليسيرا لتقود فرقتها "ألفا" بنفسها في هذه المهمة الانتحارية.

​وفرقة ألفا... لم تكن مكتملة.

​كنا ننقص شخصاً واحداً. "أيدن".

أيدن، المستيقظ الذي يستطيع تغيير شكله بالكامل (أول مرة رأيته فيها في متجر دموع الألماس كان على هيئة رجل سمين ومثير للشفقة)، كان في مهمة أخرى.

لقد كان عميلاً مميزاً، يعمل لأكثر من قسم، وحالياً كان معاراً للقسم الشرقي. غيابه كان يعني أن فرقة ألفا ستخوض المعركة بثلاثة أعضاء فقط: إيفا، سيا، وداميان... بالإضافة إليّ، "الطُعم".

​[ المستودع 42 - القطاع الصناعي G - منتصف الليل ]

​المطر كان يجلد السقف الصدئ للمستودع المهجور كآلاف الإبر المعدنية.

رائحة النفايات الكيميائية والصدأ والدم القديم كانت تزكم الأنوف.

القطاع G كان مقبرة صناعية، مكاناً مثالياً لإخفاء الصرخات، وإبرام الصفقات القذرة التي تغذي تجارب البشر.

​كنت أقف في منتصف الساحة الداخلية المظلمة. المطر يتسرب من ثقوب السقف ليبلل معطفي الخفيف.

كنت أرتجف، والبرد ينهش عظامي.

​فرقة ألفا كانت متمركزة حولي في الظلام، كذئاب تنتظر فريستها.

إيفا بلاكود كانت قابعة على رافعة فولاذية عالية، بندقيتها القناصة تندمج مع الظلال.

سيا كانت مختبئة خلف حاويات الشحن، خناجرها المزدوجة جاهزة لشرب الدماء.

وداميان كان يغطي الزاوية الغربية برشاشه الإيترالي الثقيل.

فاليسيرا كانت في مكان ما، تراقب بصمت، تاركة فرقتها لتثبت جدارتها.

​صرير معدني حاد مزق سكون الليل.

​البوابة الحديدية الضخمة انفتحت ببطء، تئن وكأنها ترفض دخول الموت.

دخلت سيارتا دفع رباعي سوداوان.

توقفتا في الساحة، وانطفأت المصابيح الأمامية، تاركة المكان في شبه ظلام تام لا يضيئه سوى ومضات البرق المتسللة من السقف.

​فُتحت الأبواب. نزل أربعة رجال يرتدون معاطف جلدية سوداء.

​المفتش العام "ثورن". جسده كان ضخماً كدب رمادي، ووجهه المليء بالندوب يبدو كخريطة للجرائم. وخلفه، النقيب "ميلر"، والملازمان "فارغاس" و"ريد".

​تقدم ثورن بخطوات ثقيلة جعلت برك الماء تتناثر.

هالتة الإيترالية كانت خانقة، كثيفة، وتحمل رائحة غريبة... رائحة لا تنتمي لإيترا نقية، بل لشيء فاسد ومعدل.

​نظر ثورن في الظلام، ولم يرَ سوى جسدي النحيل.

​"من هذا الجرو؟" زمجر ثورن، وصوته يتردد في جنبات المستودع كصدى في كهف.

"أين المندوب؟ هل يرسلون لنا أطفالاً الآن لاستلام البضاعة؟"

​تراجعت خطوة للوراء، متظاهراً برعب حقيقي.

​"أنا... أنا لست المندوب." تلعثمت بصوت خائف. "أنا رسالة."

​"رسالة؟" ضيق ميلر عينيه، ووضع يده على مقبض سيفه القصير.

​"رسالة من الـ FBI، أيها الخونة!" صرخت، وألقيت بنفسي على الأرض خلف برميل معدني صدئ.

​بام!

​انطلقت رصاصة قناصة من أعلى الرافعة. إيفا لم تتردد.

الرصاصة كانت مشبعة بإيترا الاختراق، متجهة مباشرة نحو كتف ثورن الأيمن لإسقاطه.

​لكن ما حدث في تلك اللحظة... كان كابوساً.

​ثورن لم يتفادى الرصاصة.

لم يبنِ درعاً. بدلاً من ذلك، انفجر في ضحكة هستيرية، مجنونة، زلزلت أركان المستودع.

رفع يده بسرعة مرعبة، وهالة من الإيترا الحمراء القانية—إيترا محرمة—انبعثت من كفه.

أمسك الرصاصة السحرية بيده العارية، فسحقتها طاقته وحولتها إلى شرر متناثر!

​"خونة؟!" زأر ثورن بصوت متداخل، وكأن هناك أكثر من حنجرة تتحدث في حلقه.

عينيه اتسعتا بجنون مرعب، وبرزت الأوردة السوداء في عنقه ووجهه.

"تسمونني خائناً؟! أنتم يا فرقة ألفا! أنتم الجرذان الفاسدة!"

​تصنّم داميان في مكانه للحظة.

​استمر ثورن في الصراخ، يلوح بيديه كالمخبول، متظاهراً بجنون مطلق ليقلب الطاولة عليهم:

"أنا المفتش ثورن! كنت أقترب من كشف مختبراتكم القذرة! كنت أعرف أن القيادة العليا مخترقة، وأن فرقة ألفا هي فرقة الموت السرية التي تحمي تجار البشر! وها أنتم الآن تستدرجونني لقتلي وإسكاتي! لن أسمح لكم! سأمزقكم وأقدم جثثكم كدليل للقائد ألكسندر!"

​كان تمثيلاً عبقرياً. ثورن أدرك أنه في كمين، فقرر أن يلعب دور الضحية المجنونة التي اكتشفت "الحقيقة الوهمية".

هذا التكتيك النفسي كان ليربك أي فرقة عادية، ليجعلهم يترددون في إطلاق النار على مفتش عام يصرخ بأنه البطل.

​لكن... فرقة ألفا لم تكن فرقة عادية.

لقد قللتُ من شأنهم.

​"كاذب قذر!" صرخت إيفا من الأعلى، ولم تتردد لثانية.

بام! بام! بام! أمطرت ثورن بوابل من رصاص القناصة المتفجر.

​"لا يهم ما يقوله هذا المعتوه! اقضوا عليهم!"

نادت سيا بصوتها الجليدي، واندفعت من خلف الحاويات كطيف أسود، خنجراها يلمعان بالضوء الأزرق.

​المعركة التي اندلعت في المستودع 42 لم تكن اشتباكاً؛ كانت مذبحة.

​"اقتلوهم! لا تبقوا على أحد من فرقة ألفا الفاسدة!" زأر ثورن، وانطلق نحو داميان كقذيفة بشرية.

الأرضية الخرسانية تشققت تحت قدميه مع كل خطوة.

​داميان، الذي استعاد تركيزه، لم يتراجع.

رفع رشاشه الثقيل، وضخ فيه كامل إيترا الرتبة A الخاصة به.

"درع القمع!" صرخ داميان. جدار من الإيترا الصلبة تشكل أمامه، بينما كان يفرغ خزان الرصاص في صدر ثورن.

​لكن ثورن، المعزز بيولوجياً بإيترا فاسدة حمراء، اصطدم بالدرع.

كرااااش! تحطم درع داميان كأنه زجاج رقيق.

لكمة ثورن الهائلة ضربت رشاش داميان، محطمة السلاح ومطيرة الشاب الأشقر ليصطدم بحاوية شحن، ويسعل الدم فوراً.

​"داميان!" صرخت سيا.

​كانت سيا تواجه "ميلر" و"ريد" في نفس الوقت. وهنا، رأيت القوة الحقيقية لهذه الفرقة.

سيا لم تكن مجرد معالجة باردة؛ كانت إعصاراً من الشفرات.

تحركت بمرونة تفوق الخيال، تتفادى سيف ميلر القصير بمليمترات، وتغرس خنجرها في فخذ ريد، ثم تستخدم جسد ريد كمنصة لتركل ميلر في وجهه.

كانت تقاتل اثنين من الرتبة B، وكانا معدلين جينياً، ومع ذلك كانت تدفعهم للخلف بعزيمة لا تُكسر.

الدماء كانت تغطي وجهها، جرح عميق فُتح في كتفها من نصل ميلر السام، لكنها لم تتوقف عن الابتسام بدموية.

​أما أنا؟

​الخطة كانت أن أبقى مختبئاً وأدعهم يقاتلون.

لكن في ساحة معركة بهذا الجنون، لا يوجد مكان آمن.

​"انظروا! هذا الجرو لا يزال هنا!" صرخ "فارغاس"، الملازم الثاني الذي تحولت يداه إلى مخالب كابوسية تنضح بالأسيد.

​التفت فارغاس نحوي، وابتسامة سادية تشق وجهه. انطلق باتجاهي بسرعة تفوق سرعة بصري.

​"اللعنة!" شتمت، وألقيت بنفسي جانباً.

​مخالب فارغاس مزقت البرميل المعدني الذي كنت أختبئ خلفه كأنه ورق.

تطايرت شظايا الحديد الساخن لتغرس في ظهري وذراعي.

​"آآآغ!" صرخت ألماً حقيقياً.

دمي تناثر على الأرضية الرطبة.

​لم يكن هذا تمثيلاً بعد الآن. فارغاس، برتبته B المعززة، كان وحشاً حقيقياً.

استدار نحوي مرة أخرى، وانقض ملوحاً بمخالبه نحو رقبتي.

​غريزة البقاء، غريزة الجوكر الأسود، اشتعلت في خلاياي.

​تراجعت للخلف متدحرجاً في الوحل.

مخالبه أخطأت رقبتي، لكنها شقت صدري.

سلاااش! تمزق قميصي، وشعرت بثلاثة خطوط من النار تحفر في لحم صدري.

الأسيد الموجود في مخالبه بدأ يحرق أنسجتي، جاعلاً إياي أصرخ صرخة مكتومة.

​"أنت بطيء أيها الجاسوس الصغير!" ضحك فارغاس، ورفع قدمه ليدهس جمجمتي.

​لم يكن لدي خيار.

إذا لم أفعل شيئاً، سأموت هنا، ولن تتدخل فاليسيرا حتى ترى جثتي.

​ركزت بؤرة الإيترا في عيني.

نظرت إلى "ظل" فارغاس الممتد على الأرض بفعل ومضات الرصاص.

​حركت يدي اليسرى بخفة تحت جسدي الملقى في الطين، وكونت نصل ظلال صغير، غير مرئي.

لم أستهدف قلبه أو رأسه، فهذا سيفضحني. استهدفت وتر العرقوب في ظل قدمه التي يرتكز عليها.

​غغغرس!

​"آآآآآآآآآآع!"

​صرخ فارغاس فجأة، وعيناه جحظتا من الصدمة.

وتر العرقوب في ساقه اليمنى تمزق من الداخل دون أي جرح خارجي مرئي!

انهار جسده الضخم على ركبته، فاقداً توازنه تماماً.

​في تلك اللحظة المجنونة، لم تضيع إيفا الفرصة.

​من أعلى الرافعة، ورغم أن ثورن كان يلقي عليها قطعاً من الإسمنت، لاحظت سقوط فارغاس.

بندقيتها التفتت بسرعة.

​بام!

​رصاصة خارقة للدروع ضربت قمة خوذة فارغاس، فجرت رأسه وحولته إلى نافورة من الدم والرماد الإيترالي فوق جسدي الملقى على الأرض.

​تنفسي كان يلهث. الدماء—دمائي ودماء فارغاس—تغطيني بالكامل.

ألم صدري المحترق بالأسيد كان يجعلني أكاد أفقد الوعي.

كنت أقاتل للبقاء حياً في هذه المذبحة، كحشرة بين أقدام فيلة هائجة.

​المعركة زادت شراسة ووحشية.

​ثورن كان مصدوماً.

وقف في منتصف المستودع، يلهث، وجسده مغطى برصاص إيفا الذي لم يخترق عضلاته المعززة بالكامل، بل ترك حروقاً عميقة.

​"أنتم... أنتم مجرد فرقة من المراهقين!" هدر ثورن، عدم التصديق يغلف صوته الممزوج بالجنون.

"أنا مفتش من الرتبة A! جسدي يحمل بركة الدم الجديد! كيف يمكن لكم أن تقاوموا كل هذا؟! لماذا لا تموتون؟!"

​كانت فرقة ألفا في حالة يرثى لها.

​داميان كان يستند على حاوية، ذراعه اليسرى مكسورة تتدلى بلا حراك، لكنه كان لا يزال يطلق النار بيده اليمنى، وعيناه تشتعلان بإرادة لم أعهدها في ذلك الشاب المتوتر.

​سيا كانت تنزف من أنفها، وخنجرها الأيسر قد تحطم، لكنها كانت لا تزال ترقص رقصة الموت مع ميلر، وتوجه له طعنات تجعله يصرخ.

​وإيفا... إيفا كانت تتحرك على الروافع الفولاذية كشبح، تتجاهل ألم بطنها الوهمي ، وتقنص بدقة جراحية مميتة، تمنع ثورن من التقدم خطوة واحدة دون دفع ثمن من لحمه.

​"نحن فرقة ألفا، أيها المسخ القذر!" بصقت سيا الدم من فمها، وابتسمت ابتسامة دموية مرعبة.

"نحن لا نموت حتى نأخذ أرواحكم معنا!"

​عزيمتهم... كانت شيئاً لا يمكن كسره.

لقد رأيتهم كأشخاص مغرورين وضعفاء عندما واجهتهم كـ "الجوكر"، لكنني أدركت الآن أنهم كانوا مقيدين بالخوف من المجهول حينها.

أما الآن، في معركة مباشرة، ضد وحوش حقيقية؟

كانوا يقاتلون كذئاب محشورة في زاوية، يرفضون الاستسلام حتى لو تمزقت أجسادهم.

​ثورن أدرك أن الأمر لن ينتهي بسهولة.

جنونه المصطنع تحول إلى غضب حقيقي وأعمى.

​"سأسحقكم! سأحرق هذه المدينة بأكملها!"

​جمع ثورن كل الإيترا الحمراء في جسده.

الهواء في المستودع بدأ يغلي. الجدران المعدنية بدأت تنصهر.

كان يجهز لانفجار إيترالي شامل قد يدمر المستودع بمن فيه، بما فيهم أنا.

​"اللعنة! سيفجر المكان!" صرخ داميان.

​كنت ملقى في الوحل، أنزف، وعيني القرمزية تراقب كتلة الدمار التي تتشكل في يد ثورن.

لم أكن أستطيع إيقافه بمهارتي، فالظل كان يتلاشى تحت هذا الضوء الساطع.

​هل انتهت حياتي هنا؟

2026/04/26 · 29 مشاهدة · 2655 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026