الفصل الخامس والعشرون : المهمة الأولى (2)
كانت كتلة الإيترا الحمراء تتضخم في يد المفتش "ثورن" كشمس مصغرة، تنضح بلون الدم الفاسد وتشع بحرارة تكوي الوجوه من على بُعد أمتار.
الهواء في المستودع 42 لم يعد مجرد غاز نتنسه؛ لقد تحول إلى بلازما مشتعلة، سائل لزج يغلي داخل رئتي.
الجدران المعدنية المموجة المحيطة بنا بدأت تتوهج باللون البرتقالي وتئن تحت الضغط الهائل، وقطرات المطر التي كانت تتسرب من السقف كانت تتبخر قبل أن تلامس الأرض، تاركة سحباً من البخار الخانق.
"سأسحقكم! سأحرق هذه المدينة بأكملها وأقدم رمادكم سجاداً لأسيادي!"
زأر ثورن، وصوته لم يعد بشرياً.
كان أقرب إلى هدير محرك نفاث ينفجر من الداخل.
عروقه السوداء النافرة كانت تنبض بجنون، وعيناه انقلبتا لتصبحا بركتين من الظلام المطلق.
كنت ملقى في الوحل، أضغط بيدي المرتجفة على صدري الذي شقته مخالب "فارغاس" الحمضية.
لحمي كان يذوب ببطء، والدخان الأبيض يتصاعد من جرحي المفتوح، حاملاً معه رائحة الشواء المقززة.
كنت أحتضر من الألم، وعيني القرمزية تراقب نهاية العالم المصغرة التي تتشكل في يد ذلك المسخ.
فرقة ألفا المحطمة وقفت في مواجهة الموت الحتمي.
داميان، بذراعه المكسورة المتدلية، أسند رشاشه الثقيل على ركبته السليمة، والدماء تسيل من أنفه لتختلط بدموعه.
"لتبتلعك الهاوية أيها المسخ!" صرخ داميان بيأس، مفرغاً ما تبقى من رصاص في درع ثورن الإيترالي دون أي تأثير.
سيا، التي كانت تنزف من طعنة الكتف المسمومة، وقفت بظهر مستقيم، تمسك بخنجرها الوحيد المتبقي بوضعية هجومية انتحارية.
وإيفا... إيفا لم تهرب من الرافعة الفولاذية التي بدأت تذوب تحتها.
بل ثبتت قناصتها، وأخذت نفساً عميقاً، بانتظار اللحظة التي يطلق فيها ثورن هجومه لتطلق رصاصتها الأخيرة نحو عينه المفتوحة.
عزيمة مرعبة. ذئاب عمياء، مكسورة الأنياب، لكنها ترفض أن تموت جاثية على ركبتيها.
اللعنة... هل سأموت مع هؤلاء الحمقى؟! فكرت، واليأس ينهشني.
حاولت استدعاء إيترا الظلال لتغليف جسدي، لكن قوة ثورن الغاشمة كانت تمزق أي سحر من الرتب الدنيا في محيطها.
ثم... هبط ثورن بيده الضخمة المشبعة بالدمار نحو الأرضية الخرسانية ليطلق موجة الانفجار.
في تلك اللحظة التي تفصل بين النبضة والنبضة التي تليها، انشق نسيج الواقع.
لم يكن هناك صوت انفجار.
لم تكن هناك موجة حرارية.
بدلاً من ذلك، حدث شيء جعل عقلي يرفض معالجة ما تراه عيناي.
كتلة الإيترا الحمراء المتوهجة، التي كانت تكفي لمسح مبنى بأكمله من الوجود... انطفأت.
نعم، انطفأت. ليس كشمعة تُنفخ، بل كأن شخصاً قد ألقى ثقباً أسود صغيراً في قلبها، فابتلع كل ذرة طاقة وكل فوتون ضوء في جزء من المليون من الثانية.
الحرارة الخانقة تبددت فوراً، ليحل محلها صقيع قارس، صقيع لا ينتمي لهذا العالم، بل ينتمي لفراغ الفضاء السحيق.
توقف ثورن، ويده ممدودة نحو الأرض، وعيناه السوداوان ترمشان بغباء مطلق.
نظر إلى كفه الفارغة، ثم إلى الهواء حوله.
"مـ... ماذا؟ أين قوتي؟!" تلعثم ثورن، والجنون في صوته يتبخر ليحل محله رعب بدائي.
طِق... طِق...
صوت خطوات هادئة، رتيبة، واثقة، قادمة من عمق الظلال خلف ثورن.
من بين الحاويات الصدئة، حيث لم يكن يوجد سوى الظلام، برز خيال.
معطف عسكري أسود وفضي يرفرف بخفة، شعر فضي قصير يعكس ضوء البرق الشاحب، وعينان قرمزيتان تلمعان ببرود كوني يجمد الدماء في الأوردة.
"تحرق مدينتي؟" تحدثت فاليسيرا، وصوتها الناعم يتردد في المستودع كصدى أجراس الموت.
"وتستخدم إيترا قذرة استعرتها من حشرات الفوليدرز لتهدد فرقتي؟ يا لك من ضيف وقح... ومثير للشفقة."
كانت تمشي ببطء، يداها في جيوب معطفها، وكأنها تتنزه في حديقة عامة، غير مكترثة للدماء والجثث التي تملأ المكان.
استدار ثورن نحوها.
جسده الضخم كان يرتجف.
الهالة التي انبعثت من فاليسيرا في تلك اللحظة لم تكن هالة ضاغطة تكسر العظام كما فعل كايزر درافيون؛ بل كانت هالة "ممحاة".
كانت تجعل كل من يقف أمامها يشعر بأن وجوده المادي مجرد خطأ يمكنها محوه بمسحة بسيطة.
"فـ... فاليسيرا؟" تراجع ثورن خطوة للخلف، واللعاب يسيل من فكّه المفتوح.
"أنتِ... كيف أبطلتِ هجومي؟! أنا أحمل دماء السادة! أنا أتجاوز الرتبة A!"
توقفت فاليسيرا على بُعد خمسة أمتار منه.
أمالت رأسها قليلاً، ونظرت إليه بتلك النظرة المريضة التي تحفظها جيداً:
نظرة عالم حشرات يتأمل صرصوراً يظن نفسه نسرًا.
"دماء السادة؟" ضحكت فاليسيرا ضحكة خافتة، باردة، جعلت شعر بدني يقف رغم ألمي.
"أنت لا تحمل سوى طفيليات في مجرى دمك يا ثورن. وتتجاوز الرتبة A؟ ربما في أحلامك المريضة. أنت مجرد خنزير سُمن بالمنشطات قبل الذبح."
زأر ثورن، الكبرياء والخوف الممزوجان دفعاه لارتكاب الخطيئة الأخيرة.
اندفع نحوها بكل كتلته العضلية الهائلة، رافعاً كلتا يديه اللتين تحولتا إلى مطارق من العظام البارزة واللحم الأسود.
"سأمزقك أيتها العاهرة المتغطرسة!"
لم تُخرج فاليسيرا يديها من جيوبها.
لم ترسم أي تعويذة.
لم تتحرك حتى مليمترًا واحدًا لتفادي هجومه.
عندما أصبح ثورن على بُعد مترين منها، في ذروة قفزته الانقضاضية، رمشت فاليسيرا. مجرد رمشة بطيئة.
كرااااااااااش!
لم يكن صوتاً واحداً.
كانت سيمفونية كابوسية من تحطم العظام، وتمزق الأنسجة، وانفجار الأوعية الدموية.
الفضاء المحيط بثورن، في دائرة قطرها ثلاثة أمتار، انضغط فجأة للداخل بقوة سحق تعادل آلاف الأطنان.
الجاذبية لم تُسقطه أرضاً فحسب؛ بل "عصرته".
رأيت جسد ثورن العملاق، الذي كان قبل ثانية يطير في الهواء، يتوقف فجأة كما لو أنه اصطدم بجدار غير مرئي من التيتانيوم.
ثم، بدأ ينكمش! قفصه الصدري انهار للداخل بصوت فرقعة مقزز، ورئتاه انفجرتا، لتندفع نافورة من الدماء الكثيفة والأحشاء السائلة من فمه وأنفه.
عظامه الطويلة في ذراعيه وساقيه انطوت على نفسها بزوايا حادة، خارقة الجلد المدرع لتبرز كشظايا بيضاء قذرة في الهواء.
"آآآآآآآآآآآآآآآآعععغغ!"
صرخة ثورن لم تكن صرخة إنسان، ولا حتى حيوان.
كانت نغمة خالصة من عذاب الجحيم.
سقط جسده المشوه، الذي تحول إلى كتلة مكعبة تقريباً من اللحم والعظام المتداخلة، ليرتطم بالأرضية الخرسانية التي غاصت تحت وزنه ووزن الجاذبية الساحقة.
المستودع بأكمله اهتز.
الصمت الذي تلا ذلك كان مرعباً أكثر من الصراخ.
كان ثورن لا يزال حياً. فاليسيرا، بعبقرية سادية لا نظير لها، تركت دماغه سليماً، وقلبه ينبض بالكاد، ليعيش كل ثانية من هذا الألم الجسدي المطلق.
كان ملقى في الحفرة، عيناه جاحظتان تنظران إليها بتوسل، والزبد المدمم يفور من فمه المكسور.
"الرتبة A؟" همست فاليسيرا وهي تنظر إلى الحفرة باشمئزاز. "مجرد غبار."
في الزاوية المظلمة، كان النقيب "ميلر" يراقب ما حدث لقائده. الرجل الذي كان يقاتل سيا بشراسة، فقد كل ذرة من شجاعته.
رمى خنجره المسموم، واستدار ليركض نحو المخرج الخلفي للمستودع بأقصى سرعة، محاولاً النجاة بحياته.
رفعت فاليسيرا نظرها ببطء نحو ميلر الهارب.
أخرجت يدها اليمنى من جيبها، ورفعت إصبعها السبابة، ورسمت خطاً أفقياً صغيراً جداً في الهواء.
سووويييش!
خط أسود رفيع جداً، بالكاد يُرى، انطلق من إصبعها بسرعه الضوء.
كان هذا "شقاً زمكانياً" مصغراً.
ركض ميلر، لكنه فجأة... تعثر.
سقط النصف العلوي من جسده للأمام، بينما بقي نصفه السفلي يركض لخطوتين إضافيتين قبل أن ينهار على الأرض!
"آآغغ؟!" صرخ ميلر وهو ينظر إلى أسفل خصره، ليجد أن جذعه قد قُطع بنظافة تامة، بخط مستقيم لا ينزف فوراً بسبب حرارة الاحتكاك الزمكاني.
لقد قطعته إلى نصفين كما يُقطع الزبد بخيط ساخن.
بقي ميلر يزحف بنصفه العلوي في الوحل، يصرخ ويبكي، محاولاً الإمساك بأمعائه التي بدأت تندلق على الإسفلت.
نظرت فاليسيرا إلى الفوضى، وتنهدت بملل حقيقي.
"كم أكره الفوضى في مهامي. يجب أن تتعلموا كيف تنظفون وراءكم."
بحركة دائرية من يدها، فتحت فجوتين زمكانيتين باللون الأرجواني الداكن:
واحدة تحت كتلة اللحم التي كانت تُدعى ثورن، والأخرى تحت النصفين المقطوعين لميلر.
"إلى زنازين الفراغ،" قالت ببرود. "حيث سنتحدث بهدوء، ودون مقاطعة من المطر المزعج."
سقطت الأجساد في الشقوق، وأُغلقت فوراً دون أن تترك أثراً، باستثناء برك الدماء الهائلة على الأرض.
لقد سحقتهم، وحجزتهم في بُعدها الخاص، كل ذلك في أقل من ثلاثين ثانية، وقبل أن يُطرح سؤال تحقيق واحد.
التفتت فاليسيرا نحو فرقة ألفا.
كان المشهد درامياً.
داميان يجلس على الأرض، يعانق رشاشه ويبكي بصمت من الصدمة وتفريغ الأدرينالين.
سيا كانت تسند ظهرها على حاوية، تتنفس بصعوبة وتضغط على جرحها المسموم.
وإيفا كانت تنزل من الرافعة ببطء، ملامحها شاحبة كالموت، وعيناها السوداوان مليئتان برهبة خالصة تجاه قائدتها.
"أوه، لا تبكوا كالأطفال،" قالت فاليسيرا بابتسامة خبيثة، وخطت نحوهم متجنبة برك الدماء.
"لقد أبليتم بلاءً حسناً بالنسبة لفرقة ناقصة العدد وتقاتل وحوشاً معدلة. لقد صمدتم... تقريباً. أنا فخورة بكم."
كانت كلماتها تحمل مديحاً مسموماً بالسخرية، لكن في عالم الاستخبارات، اعتراف فاليسيرا بصمودهم كان وسام شرف حقيقياً.
ثم... توقفت، والتفتت نحو مكان اختبائي.
كنت ملقى في الوحل بجوار برميل ممزق.
قميصي كان مشقوقاً، وصدرتي يحترق بأسيد مخالب فارغاس الذي مات أمامي.
الدم كان يغطي وجهي وجسدي، وكنت أتنفس بصعوبة بالغة.
مشت فاليسيرا نحوي، ووقفت فوقي، تنظر إليّ من الأعلى.
"أوه،" قالت بصوت يحمل مفاجأة مصطنعة جداً.
"المجند الجديد لم يمت؟ يا لها من معجزة إلهية. كنت أظن أن فارغاس قد حولك إلى طعام للكلاب."
رفعت يدي المرتجفة نحوها، وعيني القرمزية تفيض بدموع الألم — الذي كان حقيقياً تماماً هذه المرة.
"سـ... سيدتي القائدة..." سعلت، وبصقت دماً حقيقياً.
"النجدة... أنا أموت... الأسيد يأكل لحمي..."
في داخلي، كنت أصرخ: أيتها العاهرة السادية! ألقِ لي بجرعة شفاء قبل أن يذوب قفصي الصدري حقاً!
انحنت فاليسيرا قليلاً، واقترب وجهها الجميل من وجهي الملطخ بالوحل.
نظرت في عيني مباشرة، وفي تلك اللحظة القصيرة جداً، حيث لا يمكن لأحد من فرقة ألفا أن يرى، الغمزة الخفية التي أرسلتها لي سابقاً تحولت إلى ابتسامة صغيرة، باردة، وممتنة.
(عمل جيد يا كلب الصيد)، كانت عيناها تقولان ذلك بوضوح.
لقد رأت كيف أسقطتُ فارغاس وأعقتُ ميلر في الظلام، وعرفت أنني من أنقذ رقاب فرقتها دون أن أفضح قدراتي.
لكنها وقفت فوراً، وعادت لملامح القائدة القاسية.
"داميان!" نادت بصوت عالٍ.
"توقف عن البكاء، وتعال اسحب هذا القمامة من هنا. أعطه جرعة ترياق من الرتبة C وألقِ به في إحدى سيارات الإسعاف التابعة للـ FBI التي ستصل بعد دقيقة. يبدو أننا سنضطر للاحتفاظ به... فحدسه في التنصت كان صحيحاً هذه المرة."
نهض داميان بصعوبة، ومشى نحوي يعرج. ن
ظر إليّ، ثم نظر إلى جثة فارغاس المحطمة بجواري التي فجرت إيفا رأسها.
تنهد داميان، ومد يده السليمة لمساعدتي على النهوض.
"هيا يا فتى..." قال داميان بصوت متعب، يحمل لأول مرة شيئاً يشبه الاحترام أو الشفقة الحقيقية.
"لقد نجوت من جحيم حقيقي اليوم. يبدو أن لديك حظاً يعادل حظ الشياطين."
استندت على كتف داميان، وأنا أئن من الألم المصطنع والحقيقي معاً.
نظرت إلى إيفا التي كانت تضمد جرح سيا، وإلى فاليسيرا التي كانت تتصل بالقيادة العليا للإبلاغ عن "نجاح المهمة وموت الخونة أثناء مقاومتهم الاعتقال".
ابتسمت ابتسامة خفية، وأنا أسحب قدمي في الوحل.
مسرحية الدمى نجحت بامتياز. فرقة ألفا تقبلت وجودي، ولو كتميمة حظ بائسة.
الخونة في الأسر، وسيتم عصرهم حتى آخر قطرة معلومات.
والجوكر الأسود؟ لقد حصل للتو على وصول كامل ومجاني إلى أعمق أسرار الاستخبارات السحرية... برعاية وحماية أقوى وأخطر شيطانة في إيليزيوم.