الفصل السادس والعشرون: ملاذ الفراغ
- منظور كايل فالتير -
الانتقال من رائحة الإسفلت المبلل والدم الفاسد في المستودع 42 إلى "ملاذ الفراغ" الخاص بفاليسيرا، كان كمن يُسحب من مقلاة زيت مغلي ليُلقى في ثلاجة لحوم موتى.
الهواء هنا كان معدوماً، نقياً بشكل مرضي، وبارداً كأنفاس شبح.
السماء فوقنا لم تكن سماءً، بل تموجات من الألوان الأرجوانية والرمادية التي تبتلع الضوء وتثير الغثيان الكوني في معدة أي بشري يجرؤ على التحديق فيها طويلاً.
المنصة الزجاجية السوداء التي نقف عليها كانت تعكس بؤسنا بدقة مروعة.
نحن فرقة "ألفا" — أو ما تبقى من كرامتنا — كنا نقف هنا.
داميان كان يسند ذراعه المكسورة ويلهث، سيا تضغط على جرح كتفها المسموم، وإيفا بلاكود كانت تقف متصلبة، يداها ترتجفان وهي تنظر إلى الفضاء اللانهائي برهبة حقيقية.
وأنا؟ أنا كنت أقف في الخلف، أتصنع الضعف وأمسك بصدري الذي أحرقه أسيد فارغاس، بينما عقلي يسجل كل تفصيلة في هذا السجن الزمكاني.
وفي منتصف هذه المنصة... كان يقبع "ثورن".
أو بالأحرى، مكعب اللحم والعظام الذي كان يُدعى المفتش العام ثورن.
لقد طوته فاليسيرا بالجاذبية حتى حطمت قفصه الصدري، وكسرت أطرافه بزوايا مستحيلة، تاركة شظايا العظام البيضاء تبرز من جلده كأشواك قنفذ مسلوخ.
كان لا يزال حياً.
هذه هي المعجزة السادية. كان يئن بصوت يشبه غرغرة بالوعة مسدودة، وعيناه الجاحظتان تدوران في محجريهما برعب مطلق، والزبد المدمم يفور من بين أسنانه المحطمة.
وقفت فاليسيرا أمامه، تضع يديها في جيوب معطفها الفاخر، تنظر إليه ببرود عالم أحياء يتأمل دودة مشوهة.
"حسناً يا ثورن،" قالت فاليسيرا، وصوتها الناعم يتردد في الفراغ كأجراس الموت.
"لقد دمرتُ مسيرتك، وحطمتُ كبرياءك، وطويتُ جسدك كقطعة ورق رخيصة. أعتقد أننا تجاوزنا مرحلة التعارف. الآن، سأسألك، وأنت ستجيب. وإذا لم تعجبني الإجابة... سأجعلك تتمنى لو أنني سحقت دماغك مع باقي جسدك."
حاول ثورن التحدث، لكن ما خرج من فمه كان مجرد فقاعات دم: "غغغ... آآآغغغ..."
"من هم الفوليدرز؟" سألت فاليسيرا مباشرة، وعيناها القرمزيتان تشتعلان بضوء خطير.
"وما هي علاقتك بهم؟ أين يقع مركز قيادتهم الذي ترسلون إليه الأطفال؟"
اتسعت عينا ثورن. الدموع الساخنة اختلطت بالدماء على وجهه المكعب.
هز رأسه بصعوبة بالغة، حركة لا تكاد تُرى بسبب رقبته المكسورة.
"لا... لا أعر... غغغ... لا أعرف..." حشرج ثورن، وصوته يتقطع كأن شفرات تمزق حنجرته مع كل حرف.
تنهدت فاليسيرا بملل مسرحي.
أخرجت يدها اليمنى من جيبها.
"إجابة خاطئة. ومملة جداً."
ما حدث تالياً، جمد الدم في عروقي، وجعل سيا تضع يدها على فمها لتكتم صرخة رعب.
لم تستخدم فاليسيرا النار الزرقاء.
لم تستخدم الجاذبية الساحقة. بل استخدمت شذوذاً زمكانياً دقيقاً جداً.
حركت إصبعها السبابة بخفة في الهواء فوق جسد ثورن.
شزززز!
فجوة سوداء صغيرة، بحجم شفرة حلاقة، انفتحت داخل فخذه الأيمن. لم تقطع الفخذ... بل "قشرته".
الفجوة الزمكانية بدأت تتحرك ببطء شديد تحت جلد ثورن، تفصل الجلد عن طبقة اللحم والعضلات، وتكشط النهايات العصبية بشكل مباشر.
كان الأمر أشبه بسلخ تفاحة، لكن بأداة غير مرئية وببطء يبعث على الجنون.
"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآععععغغغغغغ!"
صرخة ثورن لم تكن صرخة ألم، بل كانت تمزقاً لروح بشرية.
جسده المكعب لم يستطع الانتفاض، لذا كان الألم يتركز في دماغه.
الأوردة في عينيه انفجرت.
لكن فاليسيرا لم تتوقف.
حركت إصبعاً آخر.
فجوة صغيرة أخرى انفتحت داخل فمه، وبدأت تتلاعب بالجاذبية حول أسنانه.
ضغطت الجاذبية على جذور أسنانه من الداخل للخارج.
طِق... طِق... كراش!
أسنانه كانت تُقتلع واحدة تلو الأخرى، ليس بقوة سحب، بل كأنها تُطرد من لثته، لتطير في الهواء وتسقط على الأرضية الزجاجية مصدراً صوتاً مقززاً.
الدماء اندفعت من فمه كشلال نافورة صغيرة.
كانت تعذبه بتشريح فضائي دقيق.
كانت تعزف على أعصابه كأوتار كمان قذرة.
في داخلي، وبينما كنت أنظر إلى هذا العذاب الذي يقلب المعدة، كنت أسجل ملاحظات ذهنية:
القاعدة رقم واحد للنجاة في هذا العالم القذر... لا تجعل فاليسيرا تغضب أبداً.
القاعدة رقم اثنان... راجع القاعدة رقم واحد.
إيفا كانت ترتجف، وجهها الشاحب تحول إلى اللون الأخضر. سيا أدارت وجهها بعيداً، وداميان أغمض عينيه بقوة.
حتى نحن، قتلة الاستخبارات، كنا نشعر بالغثيان أمام هذا الفن السادي النقي.
"توقفـ... توقفي! أرجـ... أرجوكِ!" بكى ثورن، والدم يسيل من لثته الفارغة وجلده المسلوخ. "
أقسـ... أقسم بكل السامين! لا أعرف! لا أعرف الفوليدرز! لم أسمع هذا الاسم في حياتي !"
أوقفت فاليسيرا حركتها، لكنها لم تغلق الفجوات.
"إذا لم تكن تعرفهم، فإلى من ترسلون شحنات الأطفال والتجارب يا ثورن؟ إلى الهواء؟"
"وسـ... وسطاء! نحن نتعامل مع وسطاء فقط!"
شهق ثورن، واللعاب المدمم يتدلى من ذقنه.
"يأتون بأقنعة... لا نرى وجوههم أبداً... يعطوننا إيترا حمراء خام... ومالاً... ويأخذون البضاعة! نحن مجرد... غغغ... مجرد موردين في قاع السلسلة! أقسم لكِ أنني لا أعرف الرأس المدبر!"
كان ينهار. كان يقول الحقيقة المطلقة.
الرعب في عينيه، واستعداده لقول أي شيء ليوقف هذا العذاب، أكد لي أنه، تماماً مثل آرثر، مجرد كلب حراسة رخيص في شبكة ضخمة، ولا يملك مفاتيح المملكة.
أغلقت فاليسيرا الفجوات الزمكانية بفرقعة من أصابعها.
نظرت إليه باشمئزاز، ثم التفتت إلينا.
"إنه لا يعرف شيئاً. مجرد بيدق تافه. الفوليدرز أذكى من أن يتركوا أثراً يربطهم بهؤلاء الحثالة."
هنا، لم تستطع إيفا التحمل أكثر.
الألم الوهمي في بطنها، والضغط النفسي، وهذا الاسم الذي يتردد كتعويذة ملعونة، دفعها للانفجار.
"ما هو الفوليدرز بحق الجحيم؟!" صرخت إيفا، ويداها ترتجفان وهي تنظر إلى فاليسيرا.
"أنتم تتحدثون عنهم وكأنهم حكام الموت! من هؤلاء الذين يجعلون مفتشاً من الرتبة A يبيع مدينته، ويجعل القيادة العليا ترتعد؟!"
ساد صمت ثقيل في الفراغ الأرجواني.
داميان خفض رأسه، لأنه كان يعرف الإجابة من الاجتماع.
سيا نظرت إلى فاليسيرا بحيرة.
وأنا، رغم أنني قرأت ذكريات ماركوس، كنت أريد أن أسمع النسخة الرسمية من هذا الوحش الفضي.
تنهدت فاليسيرا، وكأنها معلمة تشرح درساً لأطفال بطيئي الفهم.
"الفوليدرز الستة يا إيفا،" بدأت فاليسيرا بصوت هادئ، يتردد صداه ببرود في الفضاء،
"هم مجموعة تتكون من ستة أشخاص فقط. متفرقون كالأشباح حول العالم. لا نعلم أسماءهم الحقيقية، ولا هوياتهم، ولا أين ينامون."
توقفت للحظة، وعيناها القرمزيتان تلمعان بجدية نادرة.
"لكن ما نعلمه، وما تُجمع عليه استخبارات المدن الثلاث الكبرى... هو أن هؤلاء الستة، يُقال إنهم قد اخترقوا الرتبة SS."
الكلمات سقطت كقنابل نووية في الفراغ.
"اخترقوا... الرتبة SS؟" همست إيفا، ووجهها فقد آخر قطرة دم فيه. ركبتيها كادتا تخذلانها.
سيا تراجعت خطوة للخلف، وسقط خنجرها من يدها المرتجفة ليصطدم بالأرضية الزجاجية بصوت رنان.
حتى أنا... رغم أنني سمعت تلميحات في ذكريات ماركوس، إلا أن سماعها هكذا، كحقيقة مؤكدة من فم فاليسيرا، جعل معدتي تنقبض بعنف.
الرتبة SS هي رتبة السامين السبعة.
إنها سقف الوجود. إنها القوة القادرة على تبخير المحيطات وشق القارات.
أن يخترق ستة أشخاص مجهولين هذا السقف... فهذا لا يعني أنهم أقوياء.
هذا يعني أنهم يمتلكون القدرة على إطفاء الشمس إذا أرادوا ذلك.
إيفا كانت تتنفس بصعوبة، كأن الهواء نُزع من رئتيها.
"هذا... هذا مستحيل. لو كانوا بهذا الحجم... لماذا لم يدمروا العالم بعد؟ لماذا يختبئون؟"
"هذا هو السؤال الذي يحرم كايزر درافيون من النوم،" ردت فاليسيرا بلامبالاة.
تقدمت بخطوات بطيئة نحوهن.
"هل هم السبب في كل هذه التجارب البشرية؟"
سألتُ فجأة، متقمصاً دور المجند المرعوب، لكن بفضول حقيقي.
"هل هم من يحول الأطفال إلى مسوخ؟"
رمقتني فاليسيرا بنظرة جانبية.
"لا نعلم يقيناً يا كايل. لكن السامي كايزر قال إنه بنسبة كبيرة جداً، هم السبب، أو على الأقل واحد منهم يدير هذه المسالخ. نحن حتى لا نعرف إن كانوا الستة يعملون معاً كعصابة، أو أنهم أعداء يتقاتلون في الظل ويستخدمون هذه التجارب كبيادق في حربهم الخاصة."
"لحظة!" قلت، ورفعت صوتي قليلاً، متناسياً دوري كمجند وضعيف، ومستدعياً وقاحة الجوكر الأسود.
"أنتِ كنتِ تتحدثين بثقة عمياء في قاعة الاجتماعات! كنتِ تقنعين كيريون وألكسندر فانس بأنهم سينقلون أشياء للفوليدرز! وأنتِ لستِ متأكدة حتى إن كانوا هم المسؤولين؟!"
رمشت إيفا وسيا بصدمة من وقاحتي، تتوقعان أن تحولني فاليسيرا إلى مكعب لحم كـ ثورن.
لكن فاليسيرا اكتفت بالابتسام.
ابتسامة ثعلب ماكر أوقع القطيع في الهاوية.
"اليقين ترف لا نملكه يا كايل. في السياسة والاستخبارات، أنت تبيع الثقة، لا الحقائق. لقد احتجت إلى أمر اعتقال، فاستخدمت البعبع الذي يخيفهم جميعاً. المهم أن الخونة هنا، وأننا قطعنا أحد أوردة الإمداد."
يا لها من شيطانة.
لقد تلاعبت بقادة العالم لتنفيذ غارتها الخاصة!
نظرت إلى ثورن الذي كان يحتضر ببطء.
عقلي بدأ يعمل بسرعة جنونية.
ثورن لا يعرف الفوليدرز، نعم.
لكنه يعرف من أعلى منه في هذه الشبكة. وإذا أردت أن أصل إلى قمة هذا الهرم المريض، وإذا أردت أن أنتقم لكل روح أزهقت في ذلك الميتم... أحتاج إلى تلك الذكريات.
"سيدتي القائدة،" قلت، وغيرت نبرتي إلى الجدية المطلقة.
"أحتاج للحديث معكِ. على انفراد."
نظرت إليّ إيفا باحتقار، كأنني نملة تطلب مقابلة حاكم.
لكن فاليسيرا أومأت برأسها ببطء، ومشت مبتعدة عن الفرقة المصدومة، نحو حافة المنصة السوداء المطلة على العدم المتوهج.
تبعتها، وأضلاعي المكسورة تئن مع كل خطوة.
عندما ابتعدنا بما يكفي لكي لا يسمعنا أحد، التفتت إليّ.
"ماذا تريد يا طُعمي الصغير؟" سألت ببرود.
"طلبين،" قلت مباشرة، ونظرت إلى عينيها القرمزيتين بلا خوف.
"الأول... دَعيني أقتل ثورن. أعطني الضربة القاضية."
عقدت حاجبيها الفضيين.
"لماذا؟ ألم تشبع ساديتك من تعذيبه؟"
"لا علاقة للسادية بهذا،" رددت بحزم.
"أخبرتكِ مسبقاً. مهارة [حصاد بني الجلد] خاصتي تسمح لي بسحب الذكريات الأخيرة إذا قتلته. ثورن لا يعرف الفوليدرز، لكنه مفتش عام. دماغه مليء بشيفرات الاستخبارات، وأسماء الوسطاء، والممرات الآمنة. إذا مات من جراحه، ستضيع هذه الكنوز. أحتاج أن أكون من ينهي حياته لأسحب هذه الذكريات."
صمتت فاليسيرا لثانية، تحلل المنطق البارد في طلبي. ثم أومأت برأسها ببطء.
"حسناً. وما هو الطلب الثاني؟"
أخذت نفساً عميقاً.
"الطلب الثاني... هو أن تتجهزي جيداً. بل تجهزي بشكل لم يسبق لكِ فعله من قبل. أرسلي في طلب أسلحة، دروع، أي شيء تملكينه. لأننا بعد أن أنتهي من ثورن، سنقتحم إحدى أقوى مقارهم السرية في مدينة إيليزيوم. مقر رئيسي."
اتسعت عينا فاليسيرا قليلاً، وبرز اهتمام حقيقي في ملامحها.
"مقر رئيسي؟ من أين لك هذا؟"
"عرفته من ذكريات ماركوس،" كذبت ببراعة.
"لقد رأيت المكان في ومضة من ذكرياته الملطخة بالدم. رأيت الواجهة، ورأيت من يحرسها."
أقتربتُ منها خطوة، وخفضت صوتي ليصبح همساً تحذيرياً مشبعاً بالرعب الحقيقي الذي شعرت به عندما طفت تلك الذكريات في عقلي:
"وما رأيته يا فاليسيرا... يجعل المستودع 42 يبدو كروضة أطفال. من الذي رأيته يحرس ذلك المكان... لن تكوني كافية لردعه."
ضاقت عيناها، وتسلل غضب بارد إلى نبرتها.
"أنا لست كافية؟ أتهينني يا كايل؟"
"أنا أقرأ الواقع! حتى لو أحضرتِ كيريون دراثيس معكِ، سيكون الأمر صعباً. صعباً جداً! أن تكفي فرقة ألفا وحدها هو انتحار مطلق. عليكِ أن تجدي طريقة لإقناع بعض من القادة الآخرين من الرتب S للتحرك معنا، أو أن نلجأ لخطة تسلل جنونية. المكان محصن بكيانات... لا أستطيع حتى وصف بشاعتها. إنهم لا يستخدمون بشراً فقط كحراس."
حدقت فاليسيرا في وجهي، تقرأ الرعب الصادق في عيني القرمزيتين.
أدركت أنني لا أبالغ. أنا، الذي واجهت وحوش إيريبوس، أرتعد من فكرة اقتحام هذا المكان.
تلاشت ابتسامتها الساخرة بالكامل، وحل محلها تركيز عسكري مرعب.
"أين هذا المبنى إذاً؟" سألت فاليسيرا، وصوتها يشق الفراغ كشفرة جليدية.
ابتلعت ريقي، وكلمة واحدة كادت تحرق حنجرتي.
"مستشفى القديس إيلاريوس."
في اللحظة التي نطقت فيها هذا الاسم... حدث شيء لم أتوقعه أبداً.
شيء لم أظن أنه ممكن في قوانين هذا الكون.
فاليسيرا... الشيطانة الفضية، الوحش البارد الذي لا يهاب السامين، التي تسلخ البشر بفرقعة إصبع...
توسعت عيناها القرمزيتان بصدمة مطلقة.
تراجعت خطوة لا إرادية للخلف، ووجهها الشاحب فقد ما تبقى فيه من لون، كأنها رأت شبحاً من ماضٍ سحيق يخرج من قبره.
شفتيها ارتجفتا، وخرجت منها همسة واحدة، ضعيفة ومكسورة، لم تشبه صوتها أبداً:
"هاه؟"