الفصل التاسع والعشرون : تجسيد للفوضى

- ​منظور كايل فالتير -

​اللعنة!

​كلمة واحدة كانت تتردد في جمجمتي ككرة معدنية ثقيلة ترتد بين جدران عقلي منذ أن غادرنا ذلك الفراغ الأرجواني المسمى بـ "ملاذ الفراغ".

​كنت أجلس في الزاوية المظلمة من مكتب فرقة ألفا، أحدق في شاشة حاسوبي التي تعرض بيانات لا أقرأ منها حرفاً واحداً.

عقلي كان لا يزال مشلولاً، يعيد تشغيل شريط ما قاله لي "داميان" في تلك الليلة المشؤومة، وكيف ربطتُ خيوطه باعتراف فاليسيرا الصادم.

​لقد أخبرني داميان سابقاً عن ذلك الاجتماع الأمني المرعب. أخبرني وعيناه تفيضان برعب حقيقي كيف دخل "كايزر درافيون"، السامي حاكم إيليزيوم، وكيف سحق الحاضرين بهالته، وكيف أن فاليسيرا—المراهقة التي تقود فرقتنا—تحدثت معه بندية مطلقة، وبجاحة لا يمكن تخيلها، ونادته باسمه المجرد "كايزر".

وأخبرني كيف أن السامي، بدلاً من أن يبخرها من الوجود، تنهد وقال لها: "معك حق".

​في وقتها، ظننت—وظن داميان، وظن قادة الاستخبارات كلهم—أن فاليسيرا هي شخصية لا تُمس.

ظننا أنها تمتلك حصانة سامية، أو أنها مسنودة مباشرة من عرش إيليزيوم.

​لكن... بعد اعترافها الهستيري في صالة التجهيز بأنها لم تره سوى مرة واحدة في حياتها، وأنها لا تملك أي سلطة عليه... تهاوت كل تلك النظريات لتكشف عن حقيقة أبشع بكثير.

​اللعنة! اللعنة على هذه المجنونة!

​لقد كانت تلعب البوكر مع حكام العالم بأوراق فارغة تماماً!

لقد دخلت إلى عرين أسد، ووضعت رأسها في فمه، وبدأت تملي عليه شروطها، وهي لا تملك حتى عصا لضربه!

والأدهى والأمرّ... أن الأسد لسبب مجهول، ربما من فرط الصدمة من وقاحتها، قد جاراها في اللعبة!

​"يا لها من شيطانة معتوهة..." تمتمت بصوت خافت، وأنا أفرك وجهي بيدي.

​في عالم حيث خطأ واحد في نطق كلمة أمام ذوي الرتب العليا قد يكلفك حياتك، كانت فاليسيرا ترقص على حبال المشانق معصوبة العينين.

ورغم رعبي المطلق من تهورها، إلا أنني لم أستطع إنكار إعجاب مريض ومظلم بدأ ينمو في داخلي تجاهها.

إنها تجسيد للفوضى، والفوضى هي السلم الوحيد الذي يمكن لشخص مثلي أن يتسلقه.

​لكن بعيداً عن جنون فاليسيرا... كان هناك شيء آخر يشتت انتباهي.

شيء ينبض في دمي، في أعصابي، وفي "ظلي".

​رفعت يدي اليمنى، وتأملت باطن كفي.

​خلف قفازي الأسود، وتحت طبقات الجلد، كنت أشعر ببرودة غريبة. برودة معدنية، حادة، لا تنتمي لهذا العالم.

كانت تلك البرودة تنبعث من "النصل المنسي".

​السيف الأسطوري المصنوع من العدم الخالص، والذي استقر الآن في فجوة زمكانية صغيرة مرتبطة بروحي، جاهز للظهور بمجرد أن أستدعيه بإرادتي.

​ومنذ أن اكتسبت المهارة الجديدة [تمزيق الظلال - الرتبة S-]، وهناك حكة... حكة مرضية، ملحة، ومزعجة تسري في أطراف أصابعي.

كنت أتشوق... لا، كنت أتضور جوعاً لاستخدام النصل المنسي للمرة الأولى.

​استخدمت المهارة سابقاً لقتل آرثر وتمزيق وتر فارغاس وإصابة إيفا، لكن كل ذلك كان باستخدام مسدس إيترا عادي وسكين تكتيكي.

أسلحة ضعيفة مقارنة بمهارة من الرتبة S-.

ماذا سيحدث لو استخدمت "النصل المنسي" نفسه؟ السيف الذي صُنع في مقبرة الساميين لتمزيق الواقع؟

​تخيلت نفسي أقف في غرفة مليئة بأعدائي، ولا أحتاج حتى للتحرك.

فقط أغرس ذلك النصل الأسود في ظلالهم، وأشاهدهم ينشطرون إلى نصفين بينما يصرخون في رعب وهم يبحثون عن قاتلهم.

الفكرة وحدها كانت ترسل قشعريرة نشوة سادية على طول عمودي الفقري.

​لكن... الواقع كان يقيدني بسلاسل من المنطق البارد.

​فاليسيرا قالت: "ابحثوا عن أدلة".

​ضربت بقبضتي بخفة على المكتب الخشبي.

​"هل علينا حقاً أن نجمع أدلة؟" تمتمت لنفسي بحنق.

​نحن لسنا رجال شرطة نبحث عن بصمات!

نحن فرقة اغتيالات واستخبارات! لماذا نلعب دور المحققين الشرفاء؟

يجب علينا أن نقتحم المكان، ونقبض على المسؤولين الكبار هناك! مديرو الأقسام، رؤساء الأطباء، وحتى ذلك القديس الملعون إيلاريوس!

يجب أن نقبض عليهم، وأغرس مهارتي في جماجمهم لسحب ذكرياتهم ودمائهم معاً!

بالتأكيد هم يعرفون شيئاً عن الرأس المدبر! بالتأكيد هم يعرفون من هم الفوليدرز الستة!

​لكنني كنت أدرك، رغم غضبي، أن فاليسيرا محقة.

​نحن نتحدث عن مستشفى القديس إيلاريوس. أحد أعمدة مدينة إيليزيوم.

صرح طبي ضخم، يعتبره المدنيون معبداً للرحمة، ويحرسه مئات المرتزقة من الرتب العليا، ويديره وحش اخترق الرتبة S+.

إذا هجمنا بلا خطة، وبلا أدلة دامغة تجبر كايزر درافيون على التدخل لحمايتنا، فسيتم إبادتنا وإلصاق تهمة الإرهاب بنا، وستُطمس القضية للأبد.

​لذا... كان لا بد من الاستطلاع.

كان لا بد من الدخول إلى فم الوحش، ليس كصياد، بل كفريسة.

​[بعد ساعتين - القطاع الأوسط - ساحة مستشفى القديس إيلاريوس]

​المطر كان قد توقف، تاركاً وراءه سماءً رمادية ثقيلة وهواءً مشبعاً بالرطوبة.

​وقفت على الرصيف المقابل، أرفع ياقة معطفي القديم والمهترئ لأحمي رقبتي من نسمات الهواء البارد.

​لم أكن أرتدي بدلة الـ FBI الأنيقة، ولم أكن أحمل أي سلاح ظاهر.

ارتديت ملابسي القديمة التي كنت أستخدمها عندما كنت مجرد سارق بائس في الضواحي.

قميص قطني باهت، بنطال جينز ممزق عند الركبتين، وحذاء رياضي بالٍ.

​لم أحتج إلى الكثير من المكياج أو الجهد لأبدو كمريض يحتضر.

​وجهي كان شاحباً بطبيعته كشمعة ميتة، والهالات السوداء العميقة تحت عيني القرمزيتين الباهتتين كانت تحكي قصة ألف ليلة من الأرق.

كنت أبدو بالضبط كشاب من القطاعات السفلية، استهلكت الإيترا الفاسدة طاقته، وجاء يتوسل العلاج الخيري.

​أخذت نفساً عميقاً، ورفعت نظري نحو المبنى.

​"مستشفى القديس إيلاريوس".

​الاسم وحده كان يثير الغثيان في معدتي الآن.

​المبنى لم يكن مجرد مستشفى؛ كان أقرب إلى كاتدرائية عملاقة صُممت لتمجيد حكام الطب.

واجهته كانت مبنية بالكامل من الرخام الأبيض الناصع الذي يلمع بنظافة غير طبيعية، وكأنه يرفض أن يعلق به أي غبار من تلوث إيليزيوم.

نوافذه الزجاجية الضخمة كانت تعكس ضوء الشمس الشاحب، وأمام المدخل الرئيسي، انتصبت نافورة ضخمة من المياه النقية، تتوسطها تماثيل لملائكة بأجنحة ممدودة، تسكب مياه الشفاء من جرات ذهبية.

​كل شيء كان يصرخ بالنقاء، بالرحمة، وبالخلاص.

​لكن... بالنسبة لي، ومع كل خطوة كنت أخطوها نحو البوابة الرئيسية العريضة، كانت القشعريرة تزحف على جلدي كآلاف الحشرات الباردة.

​بوابة الزجاج الأوتوماتيكية انفتحت بانسابية صامتة.

دخلت.

​بمجرد أن عبرت العتبة، صفعني هواء المكيفات المركزي.

هواء بارد، منعش، ومعطر برائحة خفيفة جداً من اللافندر والمطهرات الكيميائية عالية الجودة.

​قاعة الاستقبال كانت خلية نحل من النشاط البشري.

مئات الأشخاص يتحركون في كل اتجاه.

عائلات تنتظر بقلق على مقاعد جلدية وثيرة، أطفال يركضون، ممرضات بزي أبيض ناصع يبتسمن بلطف ملائكي ويوجهن المرضى، وأطباء يمشون بخطوات واثقة، يحملون ألواحاً إلكترونية ويتحدثون بنبرات هادئة ومطمئنة.

​المكان كان... طبيعياً جداً.

طبيعياً لدرجة مرعبة.

​وقفت في منتصف القاعة، والناس يمرون من حولي.

ضيقت عيني، واستدعيت حواسي الإيترالية.

​توقعت أن أشعر بهالة الموت، أن أشم رائحة الدم الفاسد الذي رأيتها، أن أرى لمحة من السواد خلف هذه الجدران البيضاء.

​لكن... لم يكن هناك شيء.

​لا شيء على الإطلاق.

لا يوجد تسرب سحري، لا توجد هالات مشبوهة.

حتى الحراس الأمنيون الذين يقفون عند الزوايا كانوا يرتدون زياً أنيقاً ويبتسمون للزوار، وكانت إيتراهم هادئة ومستقرة، لا تتجاوز الرتبة C أو B للضباط الكبار.

​"هذا مستحيل..." فكرت في داخلي، ونبضات قلبي تتسارع.

​كيف يمكن لمكان أن يكون بهذا الكمال؟

أين السائل الأخضر؟ أين رائحة اللحم المحترق التي عشتها في الميتم؟

​الميتم كان كئيباً ومرعباً حتى من الخارج، لكن هذا المكان؟ إنه الجنة على الأرض.

​وهذا بالضبط... هذا الكمال المطلق... هو ما جعل معدتي تنقبض بخوف حقيقي وبدائي.

​المجرمون الأغبياء يخفون جرائمهم في الأزقة المظلمة والمستودعات المهجورة (مثل ثورن وميلر).

لكن الشياطين الحقيقيين؟ الشياطين الذين يقودهم الفوليدرز الستة؟ إنهم يخفون مسالخهم تحت أقدام الملائكة مباشرة.

إنهم يغلفون الجحيم بالرخام الأبيض والابتسامات الدافئة.

​تقدمت بخطوات متثاقلة، أجرّ قدمي ببراعة تمثيلية، نحو مكتب الاستقبال الدائري الضخم.

​كانت هناك موظفة شابة، تمتلك شعراً بنياً مربوطاً بعناية، وعينين عسليتين تفيضان بالتعاطف.

عندما رأتني أقترب، شحوبي وضعفي، وقفت فوراً وسندت يديها على المكتب الزجاجي.

​"سيدي؟ هل أنت بخير؟ تبدو مرهقاً جداً. هل تحتاج إلى كرسي متحرك؟"

سألت بصوت رقيق، مقنع لدرجة أنني كدت أصدق أنها تهتم بي حقاً.

​"لا... أنا بخير، شكراً لكِ،" قلت بصوت خافت ومتقطع، أسعل سعلة جافة وضعت يدي على صدري إثرها.

"أنا... أنا من القطاع السفلي F. لقد أخبروني أن مستشفى القديس إيلاريوس يمتلك جناحاً للعلاج الخيري. لدي... لدي ألم مستمر في صدري، ومسارات الإيترا الخاصة بي تبدو وكأنها تحترق."

​نظرت إليّ الموظفة بشفقة حقيقية. الشفقة التي تُقدم للقمامة قبل رميها في الحاوية.

​"بالطبع يا سيدي. القديس إيلاريوس لا يغلق أبوابه في وجه المحتاجين أبداً. رحمة الساميين تشمل الجميع،" قالت بابتسامة مشرقة، وبدأت تكتب بسرعة على لوحتها الإلكترونية.

"هل يمكنني الحصول على بطاقة هويتك؟ سأقوم بتسجيلك فوراً وتحويلك إلى جناح الرعاية الممتدة في الطابق الأرضي السفلي."

​توقفت أصابعي التي كانت تبحث في جيبي عن الهوية المزورة.

​الطابق الأرضي السفلي.

الكلمة ضربت عقلي كجرس إنذار.

​في ذكريات ماركوس، كانت عربات الأطفال تُنقل عبر ممرات شحن تنحدر دائماً... نحو الأسفل.

​"عظيم،" قلت في نفسي.

"إنهم يجمعون الفقراء والمحتاجين في الطوابق السفلية بحجة 'الرعاية الممتدة الخيرية'. من سيسأل عن متسكع أو يتيم من القطاع F إذا مات أو اختفى أثناء علاج معقد مجاني؟ إنهم يحصلون على فئران تجارب بموافقتهم الشخصية!"

​سلمتها بطاقة هوية مزورة، تحمل اسماً وهمياً أعددته في الاستخبارات: 'نوح'.

​أخذت البطاقة، مسحتها ضوئياً، ثم طبعت سواراً إلكترونياً أبيض اللون يحمل باركوداً، وألبستني إياه في معصمي.

​"تفضل يا سيد نوح. الممرض 'أليكس' سيرافقك الآن إلى جناح الفحص الأولي. أرجو أن تشعر بالتحسن قريباً."

​أومأت برأسي، واقترب ممرض ضخم الجثة—ببنية مقاتل من الرتبة C أكثر من كونه ممرضاً—يمتلك ابتسامة مهذبة، وأشار لي باتباعه.

​مشينا عبر الممرات المضاءة بنور ساطع. الجدران كانت مزينة بصور للقديس إيلاريوس، رجل يمتلك لحية بيضاء طويلة ونظرات أبوية، يعالج المرضى بوضع يده المشعة بنور ذهبي على رؤوسهم.

​يا له من قديس عظيم... متى ستقوم بفتح صدري يا أبي الروحي؟ سخرت في ذهني، والقشعريرة لا تفارقني.

​مررنا بالعديد من الغرف. غرف عمليات زجاجية، غرف إفاقة، وكل شيء كان يعمل بسلاسة.

الأطباء يتحدثون، أجهزة قياس النبض تصدر أصواتاً منتظمة.

​الوضع كان هادئاً، مملاً حتى.

​ثم، وصلنا إلى مصعد واسع في نهاية ممر طويل. الممرض أليكس مرر بطاقته على المستشعر، وضغط على الزر المكتوب عليه (B2 - الجناح الخيري).

​انزلق المصعد ببطء نحو الأسفل.

​نظرت إلى انعكاسي في أبواب المصعد المعدنية المصقولة. كنت أبدو كحمل يُساق إلى المسلخ بملء إرادته.

​انفتح باب المصعد، وخرجنا.

​هنا... تغير الجو قليلاً.

​الإضاءة لم تكن ساطعة ومبهجة كما في الأعلى.

كانت إضاءة فلورية بيضاء قوية، لكنها خالية من الدفء، معقمة وقاسية، تشبه إضاءة ثلاجات الموتى.

​الممر كان طويلاً جداً، لا نهاية له، يصطف على جانبيه مئات الأبواب البيضاء المغلقة بإحكام.

الصمت هنا لم يكن مريحاً؛ كان صمتاً ثقيلاً، يجعلك تسمع دقات قلبك.

​"تفضل بالجلوس هنا يا سيد نوح،" قال الممرض أليكس، مشيراً إلى صف من الكراسي البلاستيكية المتصلة بجوار أحد الأبواب.

"الطبيب سيستدعيك قريباً لإجراء الفحص الشامل."

​تركني أليكس وغادر الممر.

​جلست على الكرسي البلاستيكي البارد.

كنت وحيداً في هذا الممر الطويل.

​نظرت إلى السوار الأبيض في معصمي.

​حسناً... لقد دخلت، فكرت، وعيني تمسحان كل زاوية، كل كاميرا مراقبة في السقف، وكل شق في الجدران.

الآن، كيف أجد الباب الذي يؤدي إلى الجحيم الحقيقي؟

​وبينما كنت أنتظر، في ذلك الصمت المطبق، انتبهت حواسي الإيترالية لشيء دقيق جداً.

​حركة خفيفة، اهتزاز لا يُسمع بل يُشعر به من خلال باطن قدمي على الأرضية الباردة.

​ركزت بكل طاقتي. أغمضت عيني، وحاولت عزل وعيي عن الممر، وتوجيهه نحو... الأسفل.

​تحت هذه الأرضية مباشرة.

​طِق... طِق... هممممم...

​الصوت كان خافتاً جداً، مستحيلاً على أذن بشرية عادية أن تلتقطه، لكن جسدي الذي اندمج مع إيترا الوحوش كان أكثر حساسية.

​لم يكن صوت أجهزة طبية عادية.

​كان صوتاً... إيقاعياً، عميقاً. يشبه صوت مضخات صناعية ضخمة تعمل بكامل طاقتها.

مضخات لا تُستخدم لضخ الأكسجين أو الدم العادي.

​كانت تضخ سوائل ثقيلة، لزجة.

​وفجأة... وسط ذلك الطنين الميكانيكي الخفي... التقطت أذني شيئاً آخر.

​شريان في رقبتي نبض بقوة كادت تفجره.

​لقد سمعته.

مكتوماً... بعيداً جداً... كأنه قادم من بُعد آخر تحت الأرض.

​لكنه كان هناك.

​صراخ.

ليس صراخ مريض يتألم من إبرة أو عملية جراحية.

​كان صراخاً هستيرياً، متواصلاً، يقطر عذاباً وحشياً مجرداً من أي أمل، صراخاً يتم كتمه قسراً تحت أطنان من الخرسانة والسحر المكاني العازل للصوت.

​صراخ أطفال، وبالغين، ومسوخ لم تعد تميز هويتها.

​فتحت عيني القرمزيتين بسرعة، ونبضات قلبي تضرب قفصي الصدري بعنف.

​القشعريرة تحولت إلى رجفة حقيقية.

​هم هنا...

​همست في داخلي، والابتسامة المريضة التي حاولت إخفاءها طوال اليوم، شقت طريقها أخيراً على وجهي الشاحب.

​التجارب... المسالخ... الفوليدرز... كلهم ينامون تحت قدمي مباشرة. الجحيم ليس في الأسفل... الجحيم يبدأ من هنا.

​وقبل أن أتمكن من التفكير في خطوتي التالية، فُتح الباب الأبيض أمامي بهدوء تام.

​ظهر في إطار الباب رجل يرتدي معطفاً أبيض ناصع النظافة.

لم تكن تبدو عليه علامات تقدم السن، بل كان في منتصف الثلاثينيات، شعره أسود مرتب بعناية مفرطة، ويرتدي نظارات طبية ذات إطار فضي رفيع.

​لكن عيناه... عيناه كانتا رماديتين، هادئتين جداً، ميتتين كسطح بحيرة متجمدة.

​"السيد نوح؟" قال الطبيب بصوت ناعم، احترافي، يبعث على الطمأنينة المزيفة، وهو يعدل نظارته. "تفضل بالدخول. حان وقت فحصك الشامل."

​نظرت إليه. هذا الوجه... هذه النظرات الميتة... لم أكن بحاجة لمهارة رؤية المستقبل لأعرف أن الدخول إلى تلك الغرفة يعني أنني قد لا أخرج منها كبشري كامل.

​لكن الجوكر الأسود لم يأتِ ليتراجع.

​وقفت ببطء، أتصنع الألم في صدري، ورسمت نظرة امتنان ساذجة على وجهي.

​"شكراً لك، دكتور،" قلت بصوت ضعيف، وخطوت داخل الغرفة البيضاء التي تفوح منها رائحة الموت المعقم.

2026/04/28 · 26 مشاهدة · 2034 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026