الفصل 30 : التجربة 894

- ​منظور كايل فالتير -

​أُغلق الباب الأبيض خلفي.

​لم يكن مجرد صوت إغلاق عادي؛ كان هناك "كليك" ميكانيكي عميق، تلاه طنين منخفض جداً، كصوت تفعيل حاجز عزل إيترالي من الرتبة العالية. الهواء في الغرفة البيضاء المعقمة توقف عن الحركة تماماً.

​وقفت في منتصف الغرفة، أتصنع السعال وأمسك بصدري، بينما كان الطبيب ذو النظارات الفضية والعينين الميتتين يمشي ببطء نحو مكتبه.

​"تفضل بالجلوس على سرير الفحص يا سيد نوح،" قال الطبيب بصوت ناعم، رتيب، يخلو من أي نبرة إنسانية. لم ينظر إليّ، بل كان يطبع شيئاً على لوحته الإلكترونية.

"سنقوم بإجراء مسح عميق لمسارات الإيترا الخاصة بك لمعرفة سبب الألم."

​تحركت ببطء، وجلست على حافة السرير الطبي المبطن بالجلد الأبيض البارد.

​حسناً...فكرت في داخلي، وأنا أستعد استخدام مهارة [تمزيق الظلال] في أي جزء من الثانية.

إذا حاول حقني بأي شيء، سأقطع ظله وأعصره حتى ينطق بكل ما يخص هذا المستشفى.

​اقترب الطبيب مني.

كان يحمل بيده جهازاً فضياً يشبه الماسح الضوئي، ولكن في طرفه كانت هناك إبرة رفيعة جداً، تنبض بضوء أصفر مريض.

​"استرخِ تماماً،" قال، ورفع الجهاز نحو رقبتي.

​في تلك اللحظة، قررت التحرك.

لن أدعه يلمسني. ركزت بؤرة الإيترا في عيني، ونظرت إلى ظله الممتد على الأرضية البيضاء، ورفعت يدي اليمنى لاستدعاء النصل المنسي.

​لكن... لم يحدث شيء.

"هاه؟"

​حاولت ضخ الإيترا في عروقي، لكن مسارات الطاقة في جسدي كانت... ميتة. فارغة تماماً.

كأنني لم أوقظ يوماً.

كأنني مجرد بشري عادي أفرغ من كل قطرة إيترا.

​اتسعت عيناي القرمزيتان برعب حقيقي.

حاولت القفز من السرير، لكن قبل أن أتحرك شبراً واحداً...

​كلانك! كرااااش!

​من داخل السرير الطبي نفسه، انطلقت أربع قيود معدنية سوداء، غليظة كأذرع الروبوتات.

انقضت على معصميّ وكاحليّ بسرعة تفوق سرعة الصوت، وثبتتني بقوة ساحقة على ظهر السرير.

المعادن كانت باردة، وخارقة للقوة، تسحق عظامي وتمنعني من تحريك حتى إصبع واحد.

​"ما هذا؟! ابتعد عني!" صرخت، متناسياً دور المريض، وحاولت التلوي بكل قوتي، لكن القيود لم تتزحزح مليمترًا.

​الطبيب لم يتفاجأ. لم تتغير ملامحه الميتة.

نظر إليّ من الأعلى، وعدّل نظارته الفضية بإصبعه.

​"مقاومة لا طائل منها، يا عينة رقم 894،" قال بصوت معدني، وكأنه يقرأ من دليل إرشادي.

"الغرفة بأكملها عبارة عن حقل قمع إيترالي مطلق. حتى لو كنت من الرتبة A، فلن تستطيع إشعال شرارة واحدة هنا. جسدك الآن مجرد كتلة من اللحم والدم. وهو بالضبط ما نحتاجه."

​"عينة؟! أنا مريض! أتركوني!" زأرت، واللعاب يتطاير من فمي.

​لكن الطبيب غرس الإبرة الصفراء بوحشية في جانب رقبتي.

لم يكن مخدراً.

​كان سائلاً كالنار السائلة.

شعرت بحمض كاوٍ يندفع في أوردتي، يغلي دمي، ويشل نهاياتي العصبية الحركية مع إبقاء حواسي العصبية للألم في ذروة نشاطها.

أردت أن أصرخ، لكن فكي تصلب تماماً، ولساني تضخم حتى كاد يسد حلقي.

​"جاري النقل إلى طابق المسلخ،" قال الطبيب ببرود، وضغط زراً أحمر مخفياً تحت حافة مكتبه.

​الأرضية تحتي... انشقت.

​لم أكن في غرفة، بل كنت داخل مصعد هيدروليكي سري ضخم.

السرير الطبي بأكمله، ومعه جزء من الغرفة، بدأ يهوي نحو الأسفل بسرعة مرعبة.

​اللون الأبيض المعقم للجدران تلاشى للأعلى، ليحل محله ظلام دامس، ثم إضاءة حمراء متقطعة.

درجة الحرارة ارتفعت بشكل جنوني، الهواء أصبح ثقيلاً، لزجاً، ومحتقناً برائحة جعلت معدتي تنقلب:

رائحة الحديد الصدئ، اللحم المتعفن، الكبريت، وغازات كيميائية لاذعة تحرق جيوبي الأنفية.

​كنت أهوي في الظلام، وعيناي جاحظتان، عاجزاً عن الحراك، عاجزاً عن الصراخ، أستمع فقط لصرير المعادن حول المصعد.

​ثم، توقف الهبوط بصدمة قوية جعلت أسناني تصطك ببعضها.

​انفتحت الأبواب المعدنية الصدئة أمامي ببطء، مصدرة صريراً يمزق الأعصاب.

​وما رأيته... لم يكن مستشفى، ولم يكن قبواً سرياً.

​كان تجسيداً مادياً للجحيم السفلي.

​وجدت نفسي في صالة هائلة الحجم، سقفها يختفي في الظلام الكثيف.

الجدران لم تكن من الأسمنت، بل كانت مغطاة بطبقة من الأنسجة العضوية الحمراء النابضة، عروق سوداء ضخمة كأنابيب الصرف الصحي تضخ سوائل صفراء وخضراء عبر الجدران لتغذي هذا المكان الكابوسي.

​على جانبي الممر الواسع الذي دُفع سريري فوقه بواسطة أذرع آلية من السقف، كانت تصطف مئات... لا، آلاف الأسطوانات الزجاجية العملاقة.

​بداخل كل أسطوانة، كانت هناك تجربة.

​لم تكن تجارب بشرية عادية.

كانت مسوخاً تجاوزت حدود البشاعة.

رأيت رجلاً تم دمج نصفه السفلي مع أحشاء عنكبوت عملاق، كان يطفو في السائل الأخضر، ووجهه يلتوي في صرخة أبدية بينما أمعاء العنكبوت تأكل جسده من الداخل وتتجدد.

رأيت نساءً انتُزعت جلودهن بالكامل، وعضلاتهن العارية مخيطة بأسلاك نحاسية مشبعة بالإيترا، تنبض وتتلوى كديدان مسلوخة.

​رأيت أطفالاً... يا إلهي، الأطفال!

كانوا مدمجين معاً، ثلاثة أو أربعة أطفال خُيطت أجسادهم لتشكيل كتلة واحدة متعددة الأطراف والرؤوس، يبكون بأصوات متداخلة تشبه مواء قطط تحتضر.

​الصوت في هذه الصالة كان سيمفونية من العذاب النقي.

أنين مكتوم، صراخ هستيري، صوت طقطقة عظام تُكسر وتُجبر، وأزيز مناشير آلية تعمل في زوايا مظلمة.

​السرير الذي كنت مقيداً عليه كان يتحرك تلقائياً نحو منتصف هذه الصالة، نحو بؤرة الضوء الوحيدة.

​"لا... لا... أرجوكم..." كنت أهمس في عقلي، وعيناي تدمعان بغزارة من الغازات الكيميائية ومن رعب نقي كسر كل قشرة الجوكر الأسود التي ادعيتها.

كنت مجدداً ذلك الطفل في ميتم "أمل الفجر"، لكن الرعب هنا كان مضاعفاً مليون مرة.

​توقف السرير تحت إضاءة جراحية هائلة، أضواؤها بيضاء ساطعة تعمي البصر.

​في منتصف هذه الدائرة المضيئة، كانت الأرضية مغطاة بالكامل بشبكات تصريف معدنية، الدماء المتخثرة والصديد يغطيانها بطبقة سميكة لزجة.

​حولي، تدلت من السقف أذرع ميكانيكية صدئة، تنتهي بمشارط هائلة الحجم، مناشير دائرية تقطر دماً وأسيداً، وحقن ضخمة مليئة بسائل أسود يغلي.

​من بين الظلال، تقدم شخص.

​لم يكن الطبيب ذو النظارات. كان كائناً يرتدي مريلة جلدية سوداء ثقيلة، مغطاة بطبقات وطبقات من الدماء الجافة والطازجة والدهون البشرية.

كان ضخماً جداً، طوله يقارب الثلاثة أمتار.

لم يكن له وجه؛ كان رأسه مغطى بكيس خيش قذر، فيه ثقب واحد فقط تبرز منه عين حمراء واحدة، واسعة وجائعة.

في يده اليمنى، كان يمسك ساطوراً عريضاً يبلغ طوله مترين، وفي يده اليسرى كان يجر سلسلة حديدية تنتهي بكلابات صدئة.

​"عينة جديدة... نعم... طازجة جداً،" تكلم الجزار بصوت يشبه احتكاك الصخور البركانية ببعضها، واللعاب اللزج يسيل من تحت كيس الخيش ليقع على صدري العاري.

​"دعونا نرى كيف تتحمل مسارات الإيترا الضعيفة خاصته، طفيلي الفوليدرز،" قال صوت آخر، صوت أنثوي بارد قادم من مكبرات الصوت في السقف.

صوت يشبه تماماً صوت السيدة غريس، مديرة الميتم، لكنه أكثر تشوهاً وآلية.

​انحنى الجزار العملاق فوقي.

عينه الحمراء حدقت مباشرة في عيني.

أنفاسه كانت تفوح برائحة أحشاء متعفنة، جعلتني أتقيأ عصارة معدتي في فمي، لكنني لم أستطع بصقها بسبب الشلل.

​رفع يده الضخمة، وأمسك بقميصي القطني، ومزقه بحركة واحدة كأنه يمزق منديلاً ورقياً، كاشفاً عن صدري الذي يحمل ندبة مخالب فارغاس.

​"نبدأ... بالفتح،" هدر الجزار.

​نزلت إحدى الأذرع الميكانيكية من السقف، تحمل مشرحاً ليزرياً يصدر أزيزاً مرعباً.

لم يكن هناك تخدير.

لم يكن هناك أي نوع من الرحمة.

​لامس المشرط الليزري الحارق جلدي عند منتصف عظمة القص.

​"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآغغغغغغغغ!"

​صرخت صرخة صامتة داخل عقلي، جسدي انتفض بعنف مجنون، لكن القيود المعدنية لم تسمح لي بالحركة قيد أنملة.

​اللحم كان يُحرق ويُقطع في نفس اللحظة.

شعرت بطبقات الجلد تنفصل، ثم الدهون، ثم العضلات.

رائحة لحمي المشوي ملأت أنفي.

الألم لم يكن محتملاً؛ كان كأن ملايين النمل الناري تتغذى على نهاياتي العصبية.

​المشرط نزل ببطء شديد، من أسفل عنقي وصولاً إلى سرتي، شاقاً صدري وبطني بالكامل.

​الدماء الساخنة تدفقت كالنهر على جانبي جسدي، لتسقط على الأرضية المعدنية وتغوص في شبكات التصريف.

​"ممتاز... اللحم طري،" زمجر الجزار.

​أمسك بكلابين صدئين من السلسلة التي يحملها.

وبقوة غاشمة، غرس الكلاب الأول في الجانب الأيمن من قفصي الصدري، والكلاب الثاني في الجانب الأيسر.

​ثم... سحب.

​كرااااااك... طِق... كرااااش!

​صوت تكسر أضلاعي وانفصال غضاريفي عن عظمة القص كان أعلى من أي صوت سمعته في حياتي.

الجزار كان يفتح قفصي الصدري كمن يفتح أبواب خزانة!

​الألم وصل إلى مستوى جعل الرؤية في عيني تتحول إلى اللون الأبيض المطلق.

رئتاي تعرضتا للهواء البارد والملوث في الغرفة.

كنت ألهث، أختنق بدمائي، كل شهيق كان احتضاراً يائساً.

قلبي النابض كان مكشوفاً تماماً، ينقبض وينبسط بسرعة هيستيرية داخل تجويف صدري المفتوح كزهرة دموية.

​"والآن... الطُعم،" قالت السيدة غريس عبر مكبرات الصوت.

​دُفع وعاء زجاجي كبير نحو الجزار بواسطة ذراع آلية.

​داخل الوعاء، كان هناك سائل أسود كثيف، يسبح فيه... شيء.

​كائن طفيلي بحجم ذراع إنسان.

كان يشبه حريشاً عملاقاً، لونه أسود فاحم يلمع، يمتلك مئات الأرجل الإبرية الحادة، ولا رأس له سوى فم دائري مليء بأسنان طاحنة تنبض بإيترا حمراء فاسدة ومريضة.

​"هذا هو طفيلي الفوليدرز،" قال الجزار، وأدخل يده الضخمة في السائل الأسود ليمسك بالطفيلي الذي بدأ يتلوى بوحشية.

"سندمجه في قلبك، يا فتى. إذا نجوت، ستكون مسخاً عظيماً. وإذا مت... ستكون سماداً."

​رفع الجزار الطفيلي المتلوي، ووضعه مباشرة... فوق قلبي المكشوف.

​برودة الطفيلي تلامست مع حرارة قلبي النابض.

​في تلك اللحظة، فتح الطفيلي فمه الدائري، وغرس أسنانه الطاحنة مباشرة في عضلة قلبي، وبدأ يحفر طريقه للداخل!

​"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآععععغغغغغغغغ!"

​لو كان هناك سامي واحد في هذا الكون، لتوسلت إليه أن يميتني.

الطفيلي كان يمضغ صمامات قلبي، ومئات الأرجل الإبرية كانت تنغرس في رئتي وأوردتي، تحقن إيترا سوداء حارقة كالحمض في مجرى دمي.

​كنت أشعر به يتحرك في داخلي، يأكلني وأنا حي، يمتص هويتي وروحي ويستبدلها بسواد مطلق.

​الألم تجاوز حاجز الجنون.

بدأت أهذي. عقلي بدأ ينسلخ عن الواقع.

​وبينما كنت أختلج في سكرات هذا العذاب الذي لا ينتهي، أدرت رأسي بصعوبة بالغة جداً نحو اليسار، والدموع والدم تعمي بصري.

​في الظلام، خارج دائرة الضوء الجراحية، كانت هناك أسطوانة زجاجية ضخمة مليئة بالسائل الأخضر اللزج والمشع.

​وبداخلها... لم تكن مجرد تجربة عشوائية أو مريض مجهول.

​اتسعت عيناي، وتوقف قلبي الممزق لثانية واحدة متجاهلاً مضغ الطفيلي.

​كانت هناك فتاة.

فتاة صغيرة، مألوفة جداً.

تمتلك شعراً فضياً ناعماً يطفو بانسيابية في السائل اللزج، وملامح طفولية بريئة دمرها الرعب.

​"سـ... سيرين..." همست في عقلي، واسمها يمزق ما تبقى من روحي وشظايا إنسانيتي.

​صديقتي الطفولية. سيرين. الطفلة الخجولة التي أخذوها للجنة المزعومة في ذلك اليوم المشؤوم من الميتم.

التي وقفتُ أنا وفيكتور خلف الزجاج نراها تغرق.

​كانت تطفو في السائل الملعون، أنابيب بلاستيكية غليظة تخترق فمها الصغير، وعينيها، ومعدتها.

جسدها النحيل كان مشوهاً بأسلاك معدنية صدئة، وإيترا فاسدة تتدفق فيها لتمنعها من الموت الرحيم.

​فتحت سيرين عينيها الزرقاوين الميتتين ببطء في السائل. نظرَت إليّ.

نظرة خالية من الحياة، لكنها مليئة بالعتاب الأبدي والكراهية الصامتة.

​فجأة، تحركت شفتيها حول الأنبوب الغليظ، وسمعت صوتها يتردد في عقلي، واضحاً وقاطعاً كشفرة مقصلة باردة:

​"لماذا لم تنقذني يا كايل؟" كان صوتها يقطر ألماً.

"لماذا تركتني أغرق وأموت ببطء؟ أنت لست جوكراً. أنت لست بطلاً ولا ثائراً. أنت مجرد جبان... جبان يراقبنا نحترق ونهضم ليهرب بجلده."

​"لا! سيرين! لا!" صرخت بدموع من دم.

"أنا آسف! أقسم لكِ أنني آسف! كنت طفلاً! كنت ضعيفاً!"

​وبجوار أسطوانتها، من بين الظلال الكثيفة... تقدم شكل آخر. أو بالأحرى، شكلان.

​جسد ضخم متفحم بالكامل، تنبعث منه رائحة اللحم البشري المشوي، وعموده الفقري يبرز محطماً من ظهره.

كان يجرّ جثة أصغر حجماً، متفحمة أيضاً، يبرز منها خصلة شعر شقراء وحيدة ملطخة بالرماد الأزرق.

​"مورفيند... فيكتور..."

​مورفيند المحترق رفع رأسه الذي ذابت ملامحه بالكامل حتى ظهرت جمجمته القبيحة، وأشار بإصبعه العظمي المتفحم نحوي بحركة اتهام واشمئزاز.

​"لقد خذلتنا يا بني... لقد تركت النيران الزرقاء تأكلنا بينما كنت تختبئ في عقلك، والآن... الطفيلي سيأكلك. هذا هو مصير الضعفاء الجبناء."

​"لااااااا! أبي! فيكتور! ابتعدوا! أرجوكم! لا تنظروا إليّ هكذا!"

​ازداد حفر الطفيلي في قلبي بشراهة.

الإيترا السوداء بدأت تتدفق في عيني، تعمي بصيرتي وتحول العالم إلى لون قرمزي فاسد.

​رفع الجزار العملاق منشاراً عظمياً دواراً، أسنانه تنضح بالصديد وقطع اللحم القديمة.

​"والآن، لنفصل الجمجمة، ونستخرج الدماغ لنربطه بالشبكة الأم،" قال الجزار بمتعة، وهو يقرب المنشار الدوار من جبهتي.

​صوت أزيز المنشار كان يصم الآذان، يبتلع حتى صرخاتي.

الأسنان المعدنية الحادة لامست جلدي، مزقته، واخترقت العظم الصلب، وبدأت تطحن جمجمتي ببطء مقزز ومقصود.

تناثر غبار العظم الأبيض ليختلط بدمائي الساخنة على وجهي.

​"سيرين... مورفيند... فيكتور... سامحوني... أنا أستحق هذا..."

​الألم وصل إلى النقطة المطلقة.

النقطة التي ينفجر فيها الوعي كفقاعة صابون هشة.

المنشار يغوص في دماغي، والطفيلي يبتلع قلبي، وعائلتي المشوهة تحدق بي في اشمئزاز أبدي.

​انقطع الخيط.

انفجر الكون في سواد مطلق لا قعر له.

​شهييييييييييييييق!

​انتفضت بقوة ساحقة كادت تكسر عمودي الفقري.

​جلست مستقيماً كالسهم المندفع، أشهق هواءً حاراً وعنيفاً كغريق سُحب للتو من قاع محيط مظلم.

​"آآآآآآآآآآآآآآآآه!"

​صرخت بأعلى صوتي، وضربت بيدي كلتاهما على صدري بعنف مجنون، أبحث عن الجرح المفتوح! أبحث عن الأضلاع المكسورة المتدلية! أبحث عن الطفيلي الأسود الذي يأكل قلبي!

​أصابعي المرتجفة مزقت قميصي القطني، ومسحت جلدي المغطى بطبقة سميكة من العرق البارد واللزج.

​لا شيء.

لا جرح جديد. لا أضلاع مكسورة.

لا دماء.

فقط صدري السليم الذي يرتفع ويهبط، وندبة مخالب فارغاس القديمة التي التأمت منذ أيام.

لهثت، وعيناي القرمزيتان تدوران في المكان بهستيريا، بؤبؤاي يتسعان ويتقلصان بجنون كأنني أبحث عن الجزار.

​نظرت حولي.

لم أكن في مسلخ تحت الأرض.

لم تكن هناك إضاءة حمراء.

لم يكن هناك جزار، ولا طفيليات، ولا أسطوانات زجاجية.

​كنت أجلس على السرير الطبي البسيط، في غرفتي الصغيرة داخل الجناح المخصص لفرقة "ألفا" في مقر الـ FBI بالقطاع الذهبي!

​الغرفة كانت هادئة تماماً، مضاءة بنور الصباح الباكر الشاحب المتسلل من النافذة الزجاجية.

​هواء الغرفة كان معطراً برائحة القهوة الخفيفة القادمة من آلة صنع القهوة في الزاوية، وليس برائحة اللحم المتعفن والكبريت والدم.

​جسدي كان يرتجف كورقة خريف في إعصار.

العرق كان يتصبب مني كشلال، يغرق الملاءات البيضاء التي كنت أنام عليها تماماً.

قلبي كان يضرب صدري بسرعة تقارب المائتي نبضة في الدقيقة، يكاد يخترق ضلوعي السليمة من فرط الخوف.

​وضعت يدي المرتعشتين على وجهي الشاحب.

كنت أبكي.

دموع حقيقية، حارة، تتدفق بلا سيطرة من بين أصابعي.

​"كان... كان..." تمتمت بصوت مبحوح، متكسر، لا يشبه صوتي على الإطلاق.

​ركزت بؤرة الإيترا، واستدعيت واجهة النظام في عقلي بسرعة جنونية.

​نظرت إلى مهارة [رؤية المستقبل SSS].

​[حالة المهارة: جاهزة للاستخدام. فترة التبريد منتهية.]

​لم تكن قيد التبريد! لم تُستخدم!

​انهارت يداي على حجري.

سقط رأسي للأمام، وبدأت أتنفس بصعوبة بالغة.

​"لم يكن رؤية مستقبلية..." تمتمت، وضحكة هستيرية، مكسورة ومريضة جداً، بدأت تتسرب من شفتي المرتجفتين.

"لم تكن المهارة... لم أرى المستقبل..."

​كان حلماً.

مجرد حلم.

​كابوس نسجه عقلي الباطن المحطم.

كابوس تغذى على أسوأ مخاوفي الدفينة، وعلى ذكريات الميتم البشعة، وعلى عقدة الذنب التي تنهش روحي لعدم قدرتي على إنقاذ صديقتي الطفولية سيرين، أو والدي مورفيند، أو أخي فيكتور.

​كابوس خلقه خيالي المريض حول ما يمكن أن يحتويه "مستشفى القديس إيلاريوس" في أقبية جحيمه الحقيقية عندما أفكر في اقتحامه.

​عقلي، الذي تضرر من صدمات لا حصر لها ومن إيترا الوحوش ومن الضغط المستمر، قرر أن يعاقبني بمسرحية رعب دموية فاقت كل حدود الاحتمال.

​مسحت وجهي المبلل بعنف، وشددت قبضتي حتى ابيضت مفاصلي.

​الرعب الذي شعرت به في ذلك الحلم... كان حقيقياً جداً.

​ألم المنشار، إحساس الطفيلي يأكل قلبي، ونظرة عتاب سيرين الميتة.

كل ذلك لا يزال محفوراً في أعصابي كحقيقة مطلقة كادت توقف قلبي الفعلي.

​نظرت إلى النافذة، وإلى سماء إيليزيوم الرمادية التي تستعد ليوم جديد.

​إذا كان عقلي البشري المحدود قادراً على تخيل كل هذه البشاعة... فما هو الرعب الحقيقي الذي يخفيه الفوليدرز الستة والقديس إيلاريوس في ذلك المستشفى الملعون؟

​هل الحقيقة أسوأ من هذا الكابوس؟ بالتأكيد هي كذلك.

​ابتلعت ريقي الجاف، وأنا أدرك حقيقة واحدة مرعبة، واضحة كالشمس:

أنا خائف.

أنا مرعوب حتى النخاع من فكرة الاقتراب من ذلك المستشفى.

الجوكر الأسود، القاتل الماكر الذي يدعي الجنون، كان يرتجف كطفل ضائع في الظلام.

2026/04/29 · 22 مشاهدة · 2382 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026