الفصل السابع: الميتم
- منظور كايل فالتير -
كانت قطرات المطر تضرب زجاج نافذة شقتي المتهالكة كأصابع غاضبة تطالب بالدخول.
جلست في العتمة، مستنداً بظهري إلى الجدار الرطب، والضوء الأزرق الباهت المنبعث من شاشة هاتفي المحطم يلقي بظلال مشوهة على وجهي.
مررت بإصبعي على الشاشة، أقرأ العناوين العريضة التي تصدرت شبكات الأخبار السرية ومنتديات "الويب المظلم" في إيليزيوم.
[تسريبات مروعة: اكتشاف مختبر تحت الأرض في القطاع G! هل تقوم النقابات بتحويل البشر إلى وحوش آليه؟]
[الاستخبارات السحرية تتكتم على أعداد المفقودين من الطبقات الدنيا وملاجئ الأيتام!]
[صور مسربة: جثث مشوهة وأنابيب إيترا فاسدة... من هو 'الطبيب'؟]
توقفت أصابعي عن التمرير.
حدقت في الصور المرفقة مع المقالات. صور مشوشة وملتقطة خلسة لأنابيب زجاجية ضخمة، بداخلها أجساد بشرية تطفو في سوائل صفراء لزجة، مشوهة بأسلاك وعظام لا تنتمي إليها.
شعرت بنبض حاد في أسفل بطني، حيث استقرت ندبة رصاصة القناص التي أغلقتها طاقة نواة الغول الأرجوانية.
الإيترا الوحشية التي اندمجت في دمي بدأت تغلي استجابة لانفعالي.
تلك الصور... تلك الكلمات... "تجارب بشرية"، "ملاجئ أيتام"، "تحويل".
أغلقت عيني بقوة، محاولاً طرد الغثيان الذي اجتاح معدتي.
الهواء في غرفتي أصبح فجأة ثقيلاً، مشبعاً برائحة قديمة ومقززة.
لم تكن رائحة العفن المعتادة في شقتي، بل كانت رائحة مطهرات كيميائية حادة، ممزوجة برائحة معدنية خفيفة تشبه رائحة الصدأ... أو الدم القديم.
"هذه الأخبار..." تمتمت بصوت خشن، والذكريات تنهش جدران عقلي التي بنيتها بصعوبة طوال سنوات.
"تذكرني بأشياء... بأشياء دفنتها تحت الرماد."
الأخبار لم تكن تتحدث عن جرائم جديدة. بالنسبة لي، كانت تتحدث عن أشباح الماضي.
أشباح كانت تزورني في كوابيسي، لكنني الآن أراها تتصدر عناوين الصحف.
سقط الهاتف من يدي على الأرضية الخشبية.
أسندت رأسي إلى ركبتي، واستسلمت للظلام الذي سحب وعيي بقوة نحو هاوية الذاكرة السحيقة. إلى زمن لم أكن فيه "الجوكر الأسود"، ولم أكن صياداً من الرتبة G.
إلى زمن كنت فيه مجرد طفل... ينتظر دوره في المسلخ.
...
...
...
(قبل تسعة عشر عاماً - ميتم "أمل الفجر" بالقطاع السفلي)
في مكان ما، بعيداً عن ناطحات السحاب الزجاجية وأضواء النيون البراقة لمدينة إيليزيوم، كان يقبع مبنى خرساني رمادي وكئيب، تحيط به أسوار حديدية صدئة.
كان يُعرف باسم ميتم "أمل الفجر". اسم يحمل من السخرية القدر الذي يكفي لإضحاك الشياطين.
الداخل كان متاهة من الممرات الباردة، المضاءة بمصابيح فلورية تطن باستمرار وتلقي ضوءاً شاحباً ومريضاً على الجدران المطلية بلون أصفر باهت، متقشر كجلد ميت.
في قاعة الطعام الكبيرة، والتي كانت تفوح منها رائحة حساء الشوفان المائي ومطهرات الأرضيات الرخيصة، كان هناك طفل يبلغ من العمر أربع سنوات يجلس على مقعد خشبي مرتفع.
كان يمتلك شعراً أسود فاحماً، فوضوياً وغير مرتب.
لكن ما كان يميزه حقاً، وما جعل الكثير من مربيات الميتم يتجنبن النظر إليه مباشرة، هو عيناه. كانتا بلون قرمزي عميق.
ليس لوناً بنياً محمراً، بل أحمر دموياً صافياً، كلون ياقوتة غُمرت في دماء طازجة.
كان هذا الطفل يُدعى "كايل". لم يكن يملك لقباً، فقد وُجد ملفوفاً ببطانية رثة على باب الميتم في ليلة عاصفة.
بجانبه، كانت تجلس مربية شابة تُدعى "كايلا". كانت تبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، تمتلك شعراً كستنائياً دافئاً يُجمع عادة في كعكة بسيطة خلف رأسها، ووجهاً يحمل ملامح إرهاق عميق تخفيه بابتسامة أمومة حنونة.
كايلا لم تكن مجرد موظفة في هذا المكان الموحش؛ كانت بمثابة طوق النجاة العاطفي لهؤلاء الأطفال المنبوذين.
كانت كايلا تراقب كايل وهو يأكل بكل لطف.
عيناها كانتا تفيضان بحنان ممزوج بحزن دفين وهي تنظر إلى عينيه القرمزيتين اللتين كانتا تحدقان في وعاء الحساء ببراءة مطلقة.
"كل جيداً يا صغيري،" همست كايلا بصوت رقيق كالحرير، وهي تمرر يدها بلطف على شعره الأسود الفوضوي.
"يجب أن تكبر وتصبح قوياً.
عندما تكبر، ستتمكن من الخروج من هذه الجدران الباردة.
ستنعم بالحرية، وسترى السماء الحقيقية، والنجوم، وليس هذا السقف الرمادي الكئيب."
كان كايل يومئ برأسه بحماس طفولي، محاولاً الإسراع في تناول طعامه، لكن ملعقته الخشبية الكبيرة انزلقت من يده الصغيرة، ليسقط بعض حساء الشوفان اللزج على قميصه القطني المهترئ.
تنهدت كايلا بابتسامة حنونة، لكن كان هناك ارتجاف خفي في أصابعها.
"يا إلهي، كايل! عليك أن تركز في أكلك، ألم نتفق على أن تكون فتى كبيراً ومهندماً؟"
سحبت منديلاً قماشياً من جيب مريلتها، وانحنت لتمسح فمه وقميصه بعناية فائقة.
لو كان هناك شخص بالغ يراقب المشهد بتمعن، للاحظ أن تركيز كايلا المفرط في تنظيفه لم يكن مجرد حرص على النظافة... كان محاولة يائسة لإبقائه مثالياً، مرتباً، وخالياً من العيوب، وكأنها تخشى أن يُعاقب على أصغر هفوة.
كانت تبتسم له، لكن عينيها كانتا تحملان رعباً مكبوتاً، رعباً لا يفهمه طفل في الرابعة من عمره.
كانت حياتهم تبدو "عادية" بالنسبة لأطفال لم يعرفوا عالماً غير هذا.
اللعب في الفناء الداخلي المغلق، تناول وجبات محسوبة السعرات، والنوم في مهاجع مشتركة.
بعد الإفطار، كان وقت اللعب المخصص.
جلس كايل في زاوية الغرفة الدافئة، مفترشاً سجادة مهترئة الأطراف، وبجانبه ثلاثة أطفال في نفس عمره تقريباً.
كانوا رفاقه، عائلته الوحيدة التي اختارها في هذا المكان الموحش.
الأول كان "فيكتور". طفل يمتلك شعراً أشقر لامعاً كخيوط الشمس، وعينين زرقاوين كالسماء الصافية.
كان فيكتور مليئاً بالطاقة، يبتسم دائماً، وهو بمثابة القائد الصغير للمجموعة.
الثاني كان "إدغار". طفل هادئ جداً، يمتلك شعراً أسود قصيراً وعينين بنيتين واسعتين ومليئتين بالفضول.
كان إدغار هو الأذكى بينهم، يحب تفكيك الألعاب الخشبية المكسورة ومحاولة تجميعها من جديد.
والثالثة كانت "سيرين". طفلة هشة البنية، في نفس عمرهم، تمتلك شعراً فضياً ناعماً ينسدل على كتفيها الصغيرين، وعينين بلون أزرق فاتح يميل إلى الرمادي، كأنهما بحيرتان متجمدتان.
كانت سيرين خجولة جداً، وتتعلق دائماً بكم قميص كايل أو فيكتور.
لعب الأربعة بمكعبات خشبية متآكلة حتى أنهكهم التعب.
تمددوا على السجادة، يتنفسون بصعوبة بعد نوبة ضحك بريئة.
قال فيكتور وعيناه الزرقاوان تلمعان بانبهار: "هل سمعتم؟ الأمس كان يوماً سحرياً! لقد تم تبني ثلاثة أطفال دفعة واحدة!"
اتسعت عينا إدغار البنيتان بصدمة طفولية. "ثلاثة؟! هذا عدد لا يُصدق! كايلا قالت إن الحظ نادراً ما يبتسم لأكثر من طفل في الشهر."
قالت سيرين بصوتها الرقيق والمنخفض: "أجل... رأيتهم يغادرون. لقد أخذوا أوليفر، وليلي، وتوماس.
لقد ارتدوا ملابس جديدة وجميلة جداً. السيدة غريس قالت إنهم ذاهبون إلى الجنة في الخارج."
كان كايل بعينيه القرمزيتين يستمع إليهم بانتباه، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهه.
"الجنة... كايلا قالت لي أيضاً إن الخارج جميل. أتمنى أن نُتبنى جميعاً معاً، أو أن تأخذنا عائلة واحدة، هكذا لن نفترق أبداً."
بالنسبة لهم، "التبني" كان الكأس المقدسة. كان يعني الخلاص من الحساء المائي، والممرات الباردة، والنوم في أسرة صلبة. كان يعني العائلة، الدفء، والألعاب الجديدة.
لم يكونوا يعلمون أن مصطلح "التبني" في قواميس هذا الميتم كان يحمل تعريفاً أبشع بكثير مما يمكن لعقولهم الصغيرة أن تتخيل.
عندما حل الليل، أُطفئت الأنوار في مهجع الأطفال.
كان المهجع يحتوي على عشرات الأسرة الحديدية الصغيرة، لكن كايل، فيكتور، إدغار، وسيرين كانوا يسحبون مراتبهم الرقيقة ليتجاوروا ويناموا بجانب بعضهم البعض على الأرضية، يستمدون الدفء والأمان من أجسادهم الصغيرة.
في تلك الليلة، غاص الجميع في نوم عميق، إلا كايل.
كان الهواء بارداً جداً، والصمت ثقيلاً يكتم الأنفاس.
فجأة، سمع كايل صوتاً. صوتاً خافتاً جداً، كأزيز مفصلات معدنية تفتقر إلى الزيت.
كان صوت الباب الخشبي الثقيل للمهجع وهو يُفتح بهدوء شديد.
تحرك كايل ببطء، وفرك عينيه القرمزيتين اللتين فتحهما بصعوبة في الظلام الدامس.
رمش عدة مرات ليطرد النعاس.
في نهاية الغرفة، بالقرب من الباب، كان يقف ظل.
"كايلا...؟" همس كايل بصوت طفولي ناعس.
بالفعل، كانت كايلا.
لكنها لم تكن تبدو كالمربية الحنونة التي يعرفها. في ضوء القمر الشاحب المتسلل من النافذة العلوية، بدت كايلا مرعوبة بشكل يفوق الوصف.
كانت تتنفس بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة.
وجهها كان يتصبب عرقاً، وعيناها كانتا تدوران في المهجع كأنها تبحث عن شيء، أو ربما كأنها تحرس شيئاً من خطر غير مرئي في الخارج.
عندما سمعت همس كايل، جفلت بقوة. التفتت نحوه، وظهر على ملامحها توتر شديد.
ركضت نحوه بسرعة فائقة، خطواتها خفيفة كشبح على أطراف أصابعها.
جلست بجانبه، ووضعت يدها المرتجفة والمثلجة على جبينه بلطف، بينما وضعت سبابتها الأخرى على شفتيها.
"شّشّش... اهدأ يا صغيري،" همست كايلا بضع كلمات سريعة، وصوتها مرتجف جداً، يكاد يكون باكياً. كانت تنظر بخوف نحو الباب المفتوح جزئياً.
"إنه مجرد حلم. لا تفتح عينيك. الظلام مخيف، لكنني هنا. أغمض عينيك، لا تنظر إلى الوحوش."
كلماتها كانت كتعويذة سحرية، أو ربما لأن لمستها كانت تحمل دفئاً مألوفاً رغم برودتها.
أغمض كايل عينيه ببطاعة، واستسلم لدفء يدها، ليغرق في النوم مجدداً وهو يعتقد أن ما رآه لم يكن سوى كابوس عابر طردته مربيته.
وبمجرد أن انتظم تنفسه، انسحبت كايلا سريعاً، واختفت في الظلام.
في الصباح التالي، كان كل شيء يبدو طبيعياً.
استيقظ الأطفال، وتوجهوا إلى قاعة الطعام.
كانوا يجلسون معاً، يتناولون إفطارهم المعتاد. كان كايل يقص عليهم ما رآه.
"لقد رأيت حلماً غريباً البارحة،" قال كايل وهو يلوح بملعقته.
"كايلا دخلت الغرفة وكانت تبدو خائفة جداً. ثم وضعتني في النوم مرة أخرى. كان حلماً حقيقياً جداً."
ضحك فيكتور.
"أنت تحلم بكايلا لأنها تطعمك دائماً! ربما حلمت أنها أحضرت لك حلوى ولم تخبرنا!"
بينما كانوا يضحكون، فُتح باب قاعة الطعام بحدة. دخلت "السيدة غريس"، مديرة الميتم.
كانت امرأة طويلة، نحيلة، ترتدي فستاناً أسود صارماً، وابتسامتها كانت دائماً... مثالية جداً.
مثالية لدرجة أنها لم تكن تصل إلى عينيها الميتتين أبداً.
صفقت السيدة غريس بيديها لجذب الانتباه.
"أطفال! لدي أخبار رائعة جداً هذا الصباح!" قالت بصوتها الحاد الذي يفتقر إلى أي دفء بشري.
"الجنة تفتح أبوابها مجدداً لأحدكم. عائلة راقية جداً جاءت هذا الصباح، ووقع اختيارهم على..."
توقفت للحظة، وعيناها تمسحان الوجوه البريئة.
"...إدغار!"
ساد صمت مذهول للحظة، قبل أن ينفجر الأطفال في تصفيق حار.
اتسعت عينا إدغار البنيتان بصدمة، ثم تحولت الصدمة إلى فرحة عارمة.
قفز من مكانه، ووجهه يشرق بسعادة لا توصف.
"أنا؟! سيتم تبنيي؟ سأرى الخارج؟" صرخ إدغار وهو يحتضن فيكتور وكايل وسيرين الذين كانوا يقفزون معه فرحاً.
من بعيد، كانت كايلا تقف عند باب المطبخ. لم تكن تبتسم.
كانت تمسك بحافة مريلتها بقوة حتى تمزق القماش.
كانت تتصرف وكأنها حزينة... لا، كانت تتصرف وكأنها خائفة حد الموت.
عيناها كانتا تترقرقان بالدموع وهي تنظر إلى إدغار يقفز بسعادة نحو مديرة الميتم.
اقترب إدغار من رفاقه ليودعهم.
المشهد كان درامياً ومؤلماً بصدقه الطفولي.
"لا تنسانا يا إدغار!" بكى فيكتور وهو يعانقه.
"أرسل لنا ألعاباً من الخارج!"
"سأفعل! أعدكم!" قال إدغار، والدموع البريئة تملأ عينيه.
"سأخبر عائلتي الجديدة أن تتبناكم أنتم أيضاً، وسنلعب معاً في حديقة حقيقية!"
مسحت سيرين دموعها بكُمها الصغير.
"وداعاً إدغار... كن سعيداً."
ابتسم كايل وهو يلوح له. "أتمنى لك السعادة يا إدغار. الجنة في انتظارك."
أخذت السيدة غريس يد إدغار، وغادرا قاعة الطعام. لم يعلم الأطفال الثلاثة، وهم يلوحون بسعادة لرفيقهم، أنها كانت المرة الأخيرة التي سيرون فيها إدغار يلوح لهم.
لم يعلموا أن "العائلة الراقية" لم تكن سوى سيارة سوداء مصفحة تحمل شعار مختبرات بيولوجية تابعة لإحدى النقابات، وأن "الجنة" كانت عبارة عن طاولة تشريح معدنية باردة.
لم يتبق الآن سوى ثلاثة. كايل، فيكتور، وسيرين.
المهجع بدا فارغاً وبارداً بشكل ملحوظ تلك الليلة بدون أنفاس إدغار الهادئة.
مرت الأيام ببطء مقبض.
الشيء الوحيد الذي كان يتكرر بشكل مزعج، هو حلم كايل.
في عدة ليالٍ متفرقة، كان كايل يستيقظ على نفس الصوت.
صوت الباب يُفتح بهدوء.
وفي كل مرة، كان يرى نفس المشهد مع اختلافات طفيفة.
كان يرى كايلا. لكن الاختلافات كانت تجعل "الحلم" أكثر رعباً.
في إحدى المرات، رأى كايلا تقف عند الباب، وخلفها كان هناك ظل ضخم، ظل لا يشبه البشر، وعيناه تلمعان في الظلام.
لكن كايلا كانت تسرع إليه دائماً، وبعينيها الدامعتين ويديها المرتجفتين، تهمس له بتعويذتها المهدئة، وتمسد على عينيه القرمزيتين حتى يعود للنوم العضال.
كانت دائماً تحميه من رؤية شيء ما، وتتأكد من أنه نائم كالميت.
ثم... جاء اليوم المشؤوم.
بعد عدة أيام من رحيل إدغار، دخلت السيدة غريس إلى الفناء مرة أخرى. الابتسامة البلاستيكية ذاتها مرسومة على وجهها.
"أطفال،" قالت السيدة غريس، وعيناها تستقران على الطفلة ذات الشعر الفضي.
"سيرين. لقد حان دوركِ. عائلة رائعة تنتظركِ في مكتب الإدارة."
توقف كايل وفيكتور عن اللعب.
نظرا إلى سيرين. الطفلة الخجولة اتسعت عيناها الزرقاوان الفاتحتان بصدمة، ثم ابتسمت بخجل شديد.
وداع سيرين كان سريعاً، ممتلئاً بدموع الفرح البريئة، والأمنيات بحياة سعيدة في "الخارج".
لكن، في اللحظة التي غادرت فيها السيدة غريس مع سيرين، ركضت كايلا نحو الفناء الخارجي.
المربية الشابة لم تعد قادرة على إخفاء انهيارها. جثت كايلا على ركبتيها أمام كايل، وضمت جسده الصغير إلى صدرها بقوة عنيفة كادت تكسر أضلاعه.
كانت تبكي بحرقة. دموعها الحارة كانت تبلل كتفه وتختلط بشعره الأسود.
"كايلا؟ لماذا تبكين؟ سيرين ذاهبة للحرية،" قال كايل بابتسامة مرتبكة، وهو يربت بيديه الصغيرتين على ظهرها.
همست كايلا في أذنه بصوت يتقطع من النحيب، صوت مكسور ومحطم لن ينساه كايل طوال حياته: "اسمعني يا كايل... إياك أن تفتح عينيك في الليل. مهما سمعت... مهما حدث... إياك أن تستيقظ. ابقَ نائماً. تظاهر بالموت. أعدني!"
"أعـ... أعدك،" تلعثم كايل، وهو لا يفهم شيئاً من هذا الرعب الذي يتملك مربيته.
قبلته كايلا على جبهته بعمق، ونهضت ببطء وهي تمسح دموعها بوحشية.
التفتت ومشت بعيداً، وكتفاها يهتزان من البكاء الصامت.
في الليلة التي تلت رحيل سيرين، حلم كايل نفس الحلم مجدداً مع بعض الاختلافات. باب يُفتح، وخطوات تقترب، وأصوات مكتومة.
لكن هذه المرة، لم تكن هناك كايلا لتنيمه.
رأى ظلاً طويلاً ينحني فوق أحد أسرة الأطفال في الجانب الآخر من المهجع، وسرعان ما غط في النوم مجدداً من فرط الخوف والإرهاق الطفولي.
وفي ليلة ماطرة، بعد أيام من ذلك التحذير.
لم تكن ليلة عادية. كانت السماء تفرغ غضبها فوق إيليزيوم.
المطر كان يهطل بغزارة مرعبة، يضرب النوافذ الزجاجية للميتم كأنه يحاول تحطيمها.
الرعد كان يدوي بصوت يصم الآذان، والبرق يضيء المهجع المظلم بومضات بيضاء باردة كأضواء المشرحة.
كان كايل نائماً بجوار فيكتور.
هما الاثنان فقط من بقيا من مجموعتهم.
صريررر...
صوت فتح الباب المعدني الثقيل اخترق صوت المطر.
هذه المرة، لم يستيقظ كايل فوراً.
ظل مغمض العينين، يتنفس بانتظام. تذكر وعده لكايلا بوضوح: "إياك أن تفتح عينيك... تظاهر بالموت."
سمع خطوات. لم تكن خطوات خفيفة كخطوات المربية كايلا عندما كانت تتسلل لتطمئن عليه.
كانت خطوات ثقيلة، رطبة، كأن شخصاً يرتدي حذاءً مطاطياً ضخماً يمشي في بركة من الطين.
تشششك... كراااك...
كانت هناك أصوات غريبة في الظلام.
أصوات أنفاس ثقيلة لا تبدو بشرية تماماً.
أصوات همسات خشنة.
ثم، سُمع صوت غريب يشبه سحب كيس ثقيل جداً على الأرضية الخشبية.
وأخيراً... سمع صوت الباب.
كليك.
لقد أُقفل الباب من الخارج.
انتظر كايل دقيقة كاملة.
قلبه الصغير كان يدق بسرعة جنونية.
عندما تأكد من أن الصوت قد اختفى تماماً، فتح عينيه القرمزيتين ببطء.
قام من فراشه الأرضي، وجلس.
البرق أضاء الغرفة للحظة، ورأى أن فيكتور لم يكن نائماً أيضاً.
كان فيكتور جالساً، يضم ركبتيه إلى صدره، وعيناه الزرقاوان واسعتان في الظلام.
نظر كايل إلى فيكتور.
صمت الأطفال البريء كان يتصادم مع الرعب النفسي الذي يعبق في الهواء.
بالنسبة لأي شخص بالغ، كانت الحقيقة واضحة ومقززة: "التبني" لم يكن سوى اصطياد ليلي.
الموظفون، أو كيانات أخرى تابعة للنقابات، كانوا يدخلون المهجع ليلاً لاختيار ضحايا التجارب، ويسحبونهم في صمت.
المربية كايلا كانت تعرف ذلك، وكانت تتدخل كل ليلة لتنيم كايل وتمنعه من رؤية الخاطفين حتى لا يصرخ ويُقتل فوراً.
لكن كايل وفيكتور... كانا مجرد طفلين في الرابعة من عمرهما.
عقولهم البريئة لم تستطع ترجمة هذا الرعب إلى حقيقته البشعة.
عقولهم بحثت عن التفسير الأكثر أماناً، التفسير الذي اعتادوا عليه.
"هل... هل كانت كايلا مجدداً؟" سأل كايل بهمس خافت جداً، بالكاد يُسمع وسط صوت المطر، وعيناه القرمزيتان تبحثان في الظلام.
نظر فيكتور نحو الباب المقفل، وابتلع ريقه بصعوبة.
"أظن أنها هي..." رد فيكتور بصوت مهتز.
"لماذا تأتي كل مرة؟" سأل كايل ببراءة قاتلة، وعقد حاجبيه الصغيرين.
"كنت أظنها أحلاماً... هل ربما تتطمن علينا؟"
فرك فيكتور ذراعيه من البرد، وتأمل في الأمر بعقلية طفل. وميض برق آخر أضاء وجه فيكتور الشاحب.
"ربما..." تحدث فيكتور ببطء، ونبرته تحمل براءة تجعل القلب يعتصر ألماً.
"ربما تحتاج مساعدتنا في شيء ما مهم في الخارج؟ لكنها تتردد في طلبه منا لأننا صغار؟"
اتسعت عينا كايل القرمزيتان بفهم طفولي خاطئ، لكنه مليء بالعاطفة الخالصة تجاه المربية التي كانت بمثابة أمه.
"تحتاج مساعدتنا؟" رد كايل بحماس مكتوم، ونسي تماماً وعده لكايلا بعدم فتح عينيه.
إذا كانت كايلا في ورطة وتأتي كل ليلة وتتردد في طلب المساعدة، فهذا يغير كل شيء.
"هل نبحث عنها ونساعدها؟" سأل كايل، وهو ينهض ببطء على قدميه العاريتين على الأرضية الباردة.
نظر فيكتور إليه، وابتسامة واسعة، مشرقة، ومفعمة بالأمل والحب الطفولي ارتسمت على وجهه.
ابتسامة تتناقض بشكل مفجع مع حقيقة الجحيم الذي يعيشون فيه.
"أجل! سنسعدها!" قال فيكتور بسعادة غامرة وهو ينهض أيضاً، ويمسك بيد كايل الصغيرة.
"سنجدها، وسنساعدها، وسنسعدها كما كانت تسعدنا دائماً!"
طفلان في الرابعة من عمرهما، بأقدام حافية، وقلوب مليئة بالبراءة المفرطة، يمسكان بأيدي بعضهما البعض في ظلام المهجع الموحش، ويتقدمان بخطوات ثابتة نحو الباب الخشبي المقفل... الباب الذي خلفه لم تكن كايلا تنتظر المساعدة، بل كان ينتظرهم مسلخ بشري مرعب.
سذاجتهم كانت سلاحهم الوحيد، ولم يعلموا أنها السلاح الذي سيقودهم مباشرة لرؤية حقيقة أبواب الجحيم.
...
...
...
من هذا الفصل… ستبدأون بمعرفة ماضي البطل الحقيقي.
ليس مجرد ذكريات عابرة، بل الأحداث التي شكّلت ما هو عليه الآن… وما سيدفعه ليفعل ما سيفعله لاحقًا.
الكثير مما قام به سابقًا،
والكثير مما سيقوم به مستقبلًا،
سيجد تفسيره هنا.
ستفهمون كيف تشكّلت شخصيته،
ولماذا قد يتخذ قرارات تبدو قاسية أحيانًا،
ولماذا يسلك طرقًا لا يجرؤ الآخرون حتى على التفكير فيها.
هذا الفلاش باك لن يكون قصيرًا…
بل سيمتد لخمسة فصول كاملة،
خمسة فصول ستكشف جذور الماضي…
والبذور التي ستنبت في الأحداث القادمة.