شق دان وإيلينا طريقهما بين الأشجار الكثيفة، أصوات الطيور الغريبة تملأ المكان، ونسيم بارد يحمل رائحة طينٍ وندى.

كانت البلورة بين يدي دان تلمع بخفة، ترسم مسارًا خافتًا بين الأغصان الملتفة.

قال دان بنبرة مترددة وهو ينظر للبلورة:

“هل تظنين أن الآخرين سبقونا؟”

أجابته إيلينا دون أن تلتفت:

“لا يهم إن سبقونا… ما يهم أن نكمل الطريق.”

صمت دان للحظة، ثم قال وهو يحدق بها:

“بالمناسبة… شكراً على إنقاذي من ذلك الغبي بالفأس.”

توقفت إيلينا لثانية، ثم تابعت سيرها قائلة ببرود:

“لو خسرتك الآن، سأضطر لفعل كل شيء وحدي. ليس من مصلحتي.”

ابتسم دان بخفة:

“شكرًا على الصراحة.”

لكن قبل أن يتمكن من قول المزيد، توقفت إيلينا فجأة، رفعت يدها إشارةً له بالتوقف.

ثم همست:

“أرض الغابة هنا… مشبعة بطاقة غير طبيعية.”

دان نظر حوله، ولاحظ كيف أن أوراق الأشجار تهتز بلا ريح، وصوت الطيور اختفى فجأة.

قال بصوت منخفض:

“هل هذه… فخاخ؟”

لكن الجواب جاء من أمامهم مباشرة، حين خرجت من بين الضباب مخلوقات أشبه بالذئاب، لكن بأجساد مغطاة باللحاء، وأعين متوهجة باللون الأخضر.

همس دان:

“ذئاب الغابة.”

قالت إيلينا وهي تستعد:

“لتهاجم وأنا سأدعمك "

انخفض دان تلقائيًا، اتخذ وضعية قتالية، يده اليمنى تقبض على مقبض سيفه، وعيناه تراقبان حركة الذئاب التي بدأت تُحيط بهما ببطء.

تقدم أحد الذئاب بخطوات ثقيلة، مخالبه الخشبية تغرز في الأرض مع كل خطوة.

قال دان وهو يشد عضلاته:

“أربعة على الأقل… واحد منهم أكبر من الباقين.”

تمتمت إيلينا:

“ذلك الأكبر هو القائد… إن أسقطناه، قد تتراجع البقية.”

اندفع أحد الذئاب فجأة نحو دان، ناباه مفتوحان كأنه سيغرسهما في عنقه.

لكن دان انزلق إلى الجانب، ووجه ضربة حادة نحو خاصرة الذئب، اصطدمت بشجر لحمي صلب، لكنها شقت اللحاء، فتدفق سائل أخضر لزج.

تراجع الذئب وهو يزمجر، بينما ظهرت جذور من تحت الأرض وأمسكت بأحد الذئاب الآخرين، تعرقل حركته.

قالت إيلينا:

“الآن!”

استجاب دان فورًا، اندفع نحو الذئب المحاصر وسدد له ضربة دقيقة في رقبته، جعلته يسقط متخشبًا على الأرض.

زأر القائد، ثم اندفع نحو إيلينا مباشرة. كان أسرع وأضخم من البقية.

لكنها لم ترتبك. رفعت يدها بسرعة، وامتدت جذور كثيفة من الأرض لتشكل جدارًا أمامها.

اصطدم الذئب بالجدار وانفجر الغبار في المكان، لكن الجدار تشقق وبدأ الذئب يخترقه.

قال دان وهو يركض نحوه من الجانب:

“إيلينا! ابعدي رأسه عني لثانية!”

هزت رأسها، فاندفعت جذور من الأرض لتلتف حول فك الذئب وتمنعه من العض، رفعت رأسه إلى الأعلى قليلاً.

قفز دان للأعلى، ووجه ضربة قاطعة من فوق كتفه، اخترقت عين الذئب وانغرزت في جمجمته.

تراجع الذئب بخطوتين مترددة، ثم سقط على جانبه دون حراك.

البقية، بعد أن شهدوا مقتل قائدهم، أطلقوا زمجرة تردد صداها في الغابة… ثم تراجعوا واختفوا بين الأشجار.

تنفس دان بصوت مرتفع، وهو ينظر إلى الذئب القتيل.

قال وهو يطعن خنجرًا صغيرًا في صدر المخلوق:

“لنأخذ النواة بسرعة.”

ساعدته إيلينا، وسحبوا كرة صغيرة خضراء متوهجة من داخل جسد الذئب.

أطعم دان البلورة بها، فاشتعلت بضوء أزرق أقوى من السابق، وظهرت على سطحها دائرة تشير إلى موقع أقرب على الخريطة.

نظرت إيلينا إلى البلورة وقالت:

“اتجاه جديد… غربًا هذه المرة.”

رد دان بابتسامة مرهقة:

“لست متأكدًا إن كانت الأخبار الجيدة… أم السيئة.”

أجابته وهي تبدأ بالمشي:

“ستعرف خلال دقائق.”

ثم تابعا السير، وسط ظلال الغابة… حيث لا شيء يبقى هادئًا طويلاً

كان دان وإيلينا يسيران بصمت بين أشجار الغابة، أوراق الخريف تتناثر تحت أقدامهما بصوت خافت. رغم هدوء الجو، إلا أن التوتر كان لا يزال يتسلل بينهما

قطع دان الصمت بعد دقائق، بصوت منخفض:

“أنت… تكرهينني، أليس كذلك؟”

لم تجبه مباشرة. استمرت في المشي لثوانٍ، ثم قالت:

“أكرهك ؟ لا… لماذا ؟.”

ابتسم دان بمرارة:

“إذًا تحتقريني.”

توقفت عن المشي. نظرت إليه بنظرة مشوبة بعدم الفهم

"لماذا قد احتقرك ؟"

نظر اليها دان ببعض الذهول

"اعني ألم احاول ان اعتدي عليك ؟"

نظرت اليه ببعض الغرابة ثم تنهدت

"لا احد هنا ،لماذا تريد الاستمرار بالتظاهر بذلك ،ألم يكن ذلك طلباً منك لنشر هذه الشائعة الغريبة أساساً "

عند سماع ذلك، عبس دان قليلاً وقال بارتباك:

“أنا… لا أفهم ما تقولين.”

رمقته إيلينا باستغراب قبل أن ترد:

“هل أنت بخير يا دان؟ ألم يكن هذا طلبك أنت؟ مقابل منحي فرصة التعاقد مع روح الخشب العظمى؟”

قال دان وهو يمرر يده في شعره بتوتر:

“أنا آسف… ذاكرتي لا تساعدني كثيرًا هذه الأيام. هل يمكنك أن تخبريني من البداية؟”

ترددت قليلاً، ثم قالت بنبرة هادئة:

“عندما جئت إلى عائلتنا، وجدتَ مكان وجود الروح العظمى… وذهبت لمقابلتها. لا أحد يعلم ما دار بينكما، لكن النتيجة كانت أنها منحتني فرصة نادرة للتعاقد معها.”

توقّف دان للحظة ثم سأل:

“وهل… كان هذا شيئًا جيدًا؟”

ابتسمت إيلينا ابتسامة صغيرة وقالت:

“بالطبع. لم يتعاقد أحد مع الروح العظمى منذ سلف عائلتي.”

نظر إليها دان ببطء، كأنه يستوعب الأمور لأول مرة:

“إذن… أنت لا تكرهينني؟”

هزت رأسها وقالت ببساطة:

“كلا. في الحقيقة… أنا مدينة لك بالكثير.”

تردد دان للحظة ثم سأل:

“لكن لماذا تتصرفين معي ببرود؟”

أجابت بنبرة مرحة وبابتسامة بريئة:

“ألن يكون من الأفضل التظاهر بذلك؟ ”

ابتسم دان ابتسامة باهتة، ثم سأل:

“حسنًا… ولماذا وافقتِ على الانضمام إليّ؟”

نظرت إليه إيلينا بتفكّر وقالت:

“لأن ما قالته الروح العظمى عنك جعلني اصدم… لقد قالت انه لو امتلكت موهبة في عنصر الخشب حتى ان كانت ضعيفة لأقامت عقداً معك."

أنا

لم

أعد

أفهم

شيئًا

هل

دان

الحقيقي

لم

يكن

حثالة

حقًا؟

ولماذا

قد

يرغب

بإطلاق

إشاعة

كهذه؟

صحيح

أني

شعرت

ببعض

الغرابة

من

تيا

أيضًا

لقد

وثقت

بي

على

الفور،

ولم

تسأل

شيئًا

.

هل

تعرف

شيئًا؟

أم

أني

فقط

أُبالغ؟

“هكذا إذًا… الأمر مختلف عمّا ظننت.”سمع الاثنان صوت احدهم

وفجأة، خرج شخصان من بين الأشجار.

نظر دان إليهما وقال بدهشة:

“كاين؟ ماذا تفعل هنا؟ هل كنت تراقبنا؟”

ابتسم كاين وقال بخفة:

“في الواقع، كنت قلقًا أن تتعرض للضرب، أما صديقي هنا… فكان قلقًا من أن تفعل شيئًا سيئًا.”

ثم أشار كاين إلى زميله وقال مازحًا:

“ما الأمر يا ليان؟ هل أكلت القطة لسانك؟”

نظر ليان إلى دان بنظرات مترددة، وكأنه لا يعرف من أين يبدأ. ثم انحنى له فجأة وقال بصوت صادق:

“أنا آسف… يبدو أني حكمت عليك بشكل خاطئ.”

حدّق به دان، وقد بدا عليه الارتباك، ثم رفع يده ليوقفه:

“لا داعي للانحناء، الأمر ليس بذلك الحجم.”

راقبت إيلينا الموقف بتفكير، قبل أن تقول وكأنها فهمت شيئًا:

“إذا لهذا السبب طلب مني أن أخبرك… هكذا سيفهمون الأمر على الفور.”

ابتسم ليان وقال:

“كما هو متوقَّع ممن اعترفت به الروح العظمى… لديك سرعة بديهة مدهشة.”

حاول دان أن يحافظ على ابتسامته، لكنه تمتم في نفسه:

“هذان الاثنان… في ماذا يفكران؟ هل أكلا شيئًا فاسدًا؟”

ثم قال كاين فجأة، بنظرة جادة:

“دان، هل أنت…”

نظر دان إليه بقلق، لكن كاين ابتسم وأكمل:

“هل يُعقل أنك ماسوشي؟ تستمتع عندما يحتقرك الآخرون؟”

تجمد دان للحظة، ثم ابتسم وهو يسحب سيفه ويتقدم نحو كاين بخطوات بطيئة.

رفع كاين يديه وقال بتوتر:

“أوه، هيا… لا داعي للغضب! كنت أمزح! مجرد مزحة، حسنًا؟ مزحة لا أكثر!”

لكن دان حافظ على ابتسامته، واقترب منه أكثر دون أن ينبس بكلمة.

ابتلع كاين ريقه، ثم أمسك بذراع ليان وقال بسرعة:

“حسنًا، يبدو أنكما بخير. قلقنا بلا داعٍ. لنذهب، هيا يا ليان!”

ثم اختفيا بين الأشجار مهرولين

رمق دان اتجاههما لثوانٍ، ثم تمتم وهو يعيد سيفه إلى غمده:

“هاه… من الواضح أنني بدأت أجذب نوعًا مميزاً من الأصدقاء… النوع الذي يركض أسرع من ظله عندما تمزح معه بسيف.”

هز رأسه بخفة وتابع السير قائلاً لنفسه:

"على الأقل فقد كان قلقاً عليّ ،رغم أنة مزعج لكنه شخص جيد "

ضحكت إيلينا بهدوء وهي تسير بجانبه وقالت:

"هل تعتقد أن الجميع يجب أن يتصرفوا مثلك؟"

ابتسم دان وهو يزفر بتعب، ثم قال بنبرة شبه جادة:

“لا، لكن أعتقد أن العالم سيكون أكثر مرحًا لو فعلوا.”

أكمل دان وايلينا الطريق ،ساد الصمت بينهما مجددًا، لكن هذه المرة، لم يكن الصمت ثقيلًا… بل مريحًا.

وتحت ظلال الأشجار الكثيفة، ووسط أوراق الخريف المتساقطة، واصلا طريقهما… نحو أعماق الغابة، حيث لا تنتظرهم سوى المزيد من المفاجآت.

2025/04/29 · 58 مشاهدة · 1242 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026