عندما سمع المدير وصف دان، دخل في حالة من التفكير العميق، ثم قال بنبرة ثقيلة:
“مُغتال الفراغ…”
نظرت إليه سيرينا بدهشة وسألت:
“الفراغ؟! ماذا يفعل مخلوق من الفراغ على الأرض؟”
أجابها المدير بجدية:
“لا أعلم، يا سيرينا… لم أرَ واحدًا منهم في حياتي. كل ما أعرفه سمعته من ملك الألف، وقد وصفه لي مرة.”
كان دان يستمع لكليهما، وعلامات الحيرة مرتسمة على وجهه.
سأل بنبرة مترددة:
“ما هو مغتال الفراغ؟”
رد عليه المدير وهو ينظر إليه مباشرة:
“إنه مخلوق ينتمي إلى عالم الفراغ. تصنيفه من الفئة SS. لا يُعرف عنه الكثير، لكن هناك شيء واحد مؤكد…”
توقف لثوانٍ قبل أن يُكمل بصوت خافت:
“أنه يستخدم عنصر الفضاء بالفطرة. لا عجب أنه اخترق الحاجز دون أن أشعر.”
شعر دان بقشعريرة تسري في جسده، وحاول أن يحافظ على هدوئه.
“الفضاء… إذن، يملك نفس عنصري. لم يكن يتحرك بسرعة فحسب… بل كان ينتقل آنيًا، لهذا لم أتمكن من رؤيته يتحرك.”
قال المدير وهو يستدير عائدًا نحو الخريطة السحرية:
“سأتولى هذا الأمر بنفسي. اذهب الآن، وخذ قسطًا من الراحة.”
خرج دان من مكتب المدير بخطوات بطيئة، وكأن ثقلاً جديدًا وُضع فوق كتفيه. مشهد مغتال الفراغ لم يغادر ذاكرته، وصوت المدير حين نطق اسمه لا يزال يتردد في رأسه.
عاد إلى غرفته، ألقى بجسده على السرير، لكنه لم يشعر بالراحة.
تقلب قليلًا، ثم غطّى عينيه بذراعه.
مرّت الساعات ببطء. لم يزر النوم عينيه، لكنه في النهاية أغلقهما متظاهرًا بالراحة، على أمل أن يمنحه جسده بعض السكون.
____
في صباح اليوم التالي، كانت ساحة التدريب تعجّ بالحركة. الشمس لا تزال في طور الصعود، والطلبة بدأوا يتجمعون استعدادًا لاختبار القتال العملي.
رغم التعب، ارتدى دان زيه الرسمي واتجه نحو الساحة.
وصل متأخرًا، لكن الأستاذة سيرينا لم تعلق، فقط رمقته بنظرة خاطفة، ثم قالت:
“لنكمل… ناديتُ مسبقًا الأسماء الأولى. الآن: دان نوكتاين، إلى الأمام.
اخرج دان زجاجة الدماء قام بسحب الدم وإطلاقه على الهدف
نادت الأستاذة: إيلينا، ثم روين، مارلين، وليان.
تقدّم ليان بخطى واثقة،عندما انها التدريب توقف لحظة أمام دان، وقبل أن ينطق بكلمة، قاطعه دان بابتسامة هادئة:
“أوه، ليان، أليس كذلك؟ مرحبًا، مضى وقت منذ آخر لقاء.”
نظر إليه ليان بانزعاج واضح وقال ببرود:
“لا تتحدث إليّ وكأننا أصدقاء. لا أريد أي علاقة بشخص مثلك.”
ابتسم دان أكثر، وكأن الكلمات لم تؤثر فيه:
“يا للأسف… كنت آمل أن نصبح أصدقاء. لا بأس، إذن، ما الذي أردت الحديث عنه؟”
رمقه ليان بنظرة حادة وقال:
“أنت وقح… تمامًا كما تتحدث عنك الشائعات.”
رد دان محافظًا على ابتسامته:
“حسنًا، سأعترف… أنا شخص وقح. فهل يريد السيد النبيل شيئًا من هذا الوقح؟”
زفر ليان بضيق، ونظر إليه باشمئزاز:
“كلا، هذا كل ما أردت قوله.”
ابتسم دان بسخرية وقال:
“يبدو أنك تملك الكثير من وقت الفراغ، إن كنت قد أتيت فقط لتخبرني أنني وقح."
لم يرد ليان على تعليق دان الأخير، لكنه اكتفى بتكشيرة خفيفة واستدار مغادرًا.
راقبه دان وهو يبتعد، ثم همس لنفسه بابتسامة باهتة
"تحكم ممتاز بالغضب… رغم ذلك لا أضنه شخص سيء ."
بعد نهاية التدريب، وبينما كان الطلاب يغادرون، اقتربت سيرينا من دان بهدوء.
“دان… المدير طلب رؤيتك مجددًا.”
رفع دان حاجبه ببطء، وسأل:
“هل حدث شيء؟”
أجابت سيرينا بنبرة خافتة:
“لا شيء حتى الآن ،لكن المدير يريد سؤالك عن شيء ما "
توجه دان نحو مبنى الإدارة مجددًا، خطواته كانت أبطأ من المعتاد، لا بسبب التعب، بل بسبب الشعور الثقيل الذي عاد يراوده.
وصل إلى الباب، طرقه، ثم دخل بعد سماع الإذن.
كان المدير واقفًا أمام طاولة مليئة بكتب قديمة، وعيناه مركزتان على مخطوطة جلدية بالية.
رفع رأسه حالما دخل دان، وقال دون مقدمات:
“هل رأيت وجهه؟ مغتال الفراغ؟”
تردد دان قليلاً، ثم أجاب ببطء:
“كلا … لم تبدو ملامح وجهه واضحة ،كأن الظلال تغطي وجهه.”
أغلق المدير المخطوطة فجأة بصوت حاد، مما جعل دان ينتفض قليلاً.
“هذا يؤكد الأمر… لم يكن وحشًا هائجًا بلا هدف. لقد جاء يبحث عن شيء… أو عن شخص.”
عبس دان وسأل بتردد:
“شخص؟ من يكون؟”
نظر إليه المدير بعمق قبل أن يجيب:
“لا أعلم بعد… لكن ظهوره هنا لا يمكن أن يكون محض صدفة. إنه ليس كائنًا يتصرف من تلقاء نفسه.”
أخذ دان نفسًا عميقًا، وتردد للحظة، ثم قال بنبرة جدية:
“حضرة المدير… أريد أن أخبرك بشيء.”
أومأ المدير بصمت، مشجعًا إياه على الحديث.
قال دان:
“في الحقيقة… أنا أمتلك عنصر الفضاء. ربما… ربما كان يستهدفني.”
تنهد المدير حين سمع ذلك، وقال:
“دان، صحيح أن عنصر الفضاء نادر، لكنه ليس بهذه الندرة التي تدفع مخلوقًا من الفراغ لعبور الحواجز لأجلك وحدك… أنا أيضًا أمتلك عنصر الفضاء. موهبتي فيه تبلغ 62%.”
نظر دان إلى المدير، ثم قال بهدوء:
“موهبتي… تبلغ 100%.”
صمت ثقيل خيّم على الغرفة.
وقف المدير من مكانه فجأة، وعيناه متسعتان بالدهشة:
“هل تمزح؟! لم تُسجَّل موهبة بشرية بهذه النسبة من قبل! أعلى موهبة مسجّلة في التاريخ كانت 96%!”
نظر إليه دان بثبات:
“يمكنك التحقق بنفسك… قِس نسبتي.
حدّق المدير في دان لثوانٍ، ثم تحرك بسرعة نحو أحد الأدراج داخل مكتبه، أخرج منه كرة شفافة متوهجة بخطوط فضية تتداخل داخلها كأنها مجرات صغيرة.
قال المدير وهو يمدها نحو دان:
“ضع يدك عليها… هذه كرة الموهبة، تم تعديلها، وهي قادرة على قياس أدق نسب الموهبة حتى في العناصر النادرة.”
مد دان يده دون تردد، ووضع راحته على سطح الكرة.
لثوانٍ، لم يحدث شيء… ثم بدأت خطوط الضوء داخل الكرة بالاهتزاز. لمع ضوءٌ أزرق مائل للفضي من مركزها، تلاشى فجأة… ثم انفجرت هالة من النور خرجت من داخلها، أرغمت المدير على التراجع خطوة إلى الوراء، وعيناه متسعتان.
ظهر رقم فوق الكرة، محفورًا بالضوء:
100%
صمت تام.
المدير رمش بعينيه، وكأنه لا يصدق ما يراه، ثم تمتم:
“…مستحيل.”
أعاد نظره إلى دان، الذي كان لا يزال يحدق في الرقم بصمت.
“هذا يغير كل شيء…” قال المدير بصوت منخفض، وكأنّه يتحدث إلى نفسه. “هذه الموهبة… ليست فقط غير بشرية، بل قد تكون السبب الحقيقي وراء ظهور مغتال الفراغ.”
ثم رفع عينيه نحو دان مجددًا، لكن هذه المرة بنظرة مختلفة—نظرة فيها قلق، واهتمام… وربما خوف خفي.
“دان… من الآن فصاعدًا، لا يجب لأحد أن يعرف هذا. حتى زملاؤك، لا أحد. سأضع قيودًا على بيانات القياس، وسأتولى الأمر بنفسي.”
تردد دان قليلًا، ثم سأل:
“هل تظن أنني في خطر؟”
أجاب المدير دون تردد، ونبرة الحزم تملأ صوته:
“أنت بالفعل في قلب الخطر. ومن الآن فصاعدًا، ستبقى تحت حمايتي المباشرة… حتى إشعار آخر.”
ضغط على زر مثبت في زاوية مكتبه، ليُفتح الباب فورًا ويدخل أحد فرسان الأكاديمية، يرتدي درعًا مزخرفًا بشعار النخبة.
توجه المدير إليه وقال بصوت واضح:
“ستتولى حراسته على مدار الساعة. خذ دان الآن إلى غرفته، اجمع حاجياته، ثم انقله للإقامة في الجناح الخاص بي داخل الأكاديمية.
أمنه أولويتك القصوى… احمه بحياتك.”
انحنى الفارس باحترام ورد بثبات
خرج دان من مكتب المدير بصحبة الفارس، الذي لم ينبس ببنت شفة منذ تلقّيه الأمر. كان صمته ثقيلًا، وخطواته حادّة ومنتظمة، كأنها تعلن حالة طوارئ غير معلنة.
لم يتكلم دان أيضًا، إذ كان غارقًا في دوامة من الأفكار.
“أنا
…
عبست ملامحه وهو يفكر:
“ربما
…
…
وبينما كان يواصل التفكير، وصلا إلى الممر المؤدي إلى غرف الطلاب. لمح دان بعض الطلبة يتهامسون وهم يرمقونه بنظرات فضول وريبة، فوجود فارس من النخبة برفقة طالب كان مشهدًا نادرًا، وربما مقلقًا.
فتح دان باب غرفته ببطء، لا يزال غارقًا في دوامة التساؤلات… لكن ما رآه في الداخل جعله يتوقف، وقلبه يكاد ينفجر من بين أضلعه.
كان هناك مخلوق يقف وسط الغرفة. يرتدي رداءً أسود ممزقًا يشبه عباءة الظلال، وجهه مطموس، وكأن الظلام قد اتخذ ملامحه. بالقرب منه، جثة بلا رأس.
تجمد دان في مكانه، ثم تمتم بصدمة:
“كاين…”
كانت الجثة تعود إلى أحد زملائه. مألوفة بما يكفي لتحفر الألم في صدره.
لكن ما أثار رعبه أكثر لم يكن الخنجر الذي اعتاد مغتال الفراغ استخدامه… بل السوار في يده اليمنى، نفس السوار الذي كان دان يرتديه.
انطلق الفارس فورًا، سيفه يشق الهواء بقوة، لكن مغتال الفراغ لم يتحرك… بل ظهر أمام الفارس فجأة، كأنه تخطّى الزمن.
بقبضة يده اليسرى، اخترق صدر الفارس.
شهق الفارس وهو يبصق الدم، ناظراً إلى الفراغ، غير مصدق. هناك ثقب في صدره… ثم، في لحظة، سقط بلا حراك.
لقد مات.
سحب مغتال الفراغ يده من جسد الفارس، واختفى السوار من معصمه… ليظهر بدله الخنجر.
وقف دان مذهولاً، جسده يرتعش من هول المشهد. حاول سحب سيفه، لكنه فشل. لم يكن الخوف هو ما منعه… بل العجز.
نظر إلى يده… لكنها لم تكن موجودة.
تجهّم وجهه وهو ينظر إلى الأسفل… ذراعه اليمنى كانت ملقاة على الأرض، مقطوعة من الكتف.
“آآآآه!!”
صرخ دان من شدة الألم، ممسكًا بكتفه المرتجف.
تقدم مغتال الفراغ ببطء، وأمسك دان من رقبته، رافعًا إياه في الهواء.
حاول دان النظر إلى وجهه… لكنه لم يرَ شيئًا. لم يكن هناك وجه أصلاً. فقط ظلام… كأنه حفرة في نسيج العالم.
ثم، سمع دان صوت شيء يتحطم…
كسر عنقه.
وهكذا… مات دان