جلس دان على الكرسي المقابل لمكتب المدير، بينما وقف إيلاريس درافين أمام الخريطة السحرية التي ما زالت تُظهر الصدع الطفيف في الحاجز.
قال دان بصوت حازم:
“طالما أرتدي هذا السوار، لن يجدني مغتال الفراغ.”
أدار المدير رأسه إليه ببطء، بعينين تشعان بالفضول والشك، ثم سأله:
“وما الذي تقترحه؟”
أجابه دان ببساطة:
“أن أخلع السوار… وأستخدم نفسي كطُعم.”
صمت ثقيل خيّم على الغرفة.
أخذ المدير لحظة وهو يحدّق في دان كمن يحاول التأكد من أنه لا يمزح، ثم قال بنبرة جمّدت الهواء:
“فتى… تعلم أنه برتبة SS، أليس كذلك؟ لماذا تظن أنك قد تنجو إن قرر مهاجمتك؟”
أشار إلى صدره بيده وقال بثقة:
“أنا سريع، لكنني لا أظنني أسرع من مغتال الفراغ.”
نظر إليه دان مباشرة، عينيه تتقدان إصرارًا:
“أسوأ ما قد يحصل… هو موتي. هل هناك مشكلة في ذلك؟”
ضاق المدير عينيه، وصمت لحظة أخرى، ثم قال:
“فتى… الا تخشى الموت.”
ابتسم دان ابتسامة باهتة، كما لو كان يستمع إلى طفل يقول شيئًا ساذجًا، ثم قال بنبرة ساخرة:
“بالطبع، أنا أخشى الموت أكثر من أي شيء آخر! ألن يكون من الرائع أن أختبئ تحت السرير، باكيًا، وأنتظر أن ينتهي كل شيء بينما يعدّ لي مغتال الفراغ كفنًا مناسبًا؟”
رفع المدير حاجبيه، ولم يستطع إخفاء ابتسامة صغيرة شقت وجهه رغمًا عنه.
“أنت وقح… لكن لديك شجاعة لا يمكن إنكارها.
تنهّد المدير، وقال وهو يعقد ذراعيه:
“لنفترض أنني وافقت… ما خطتك تحديدًا؟”
أجاب دان دون تردد:
“أفضل خطة نملكها الآن هي عنصر المفاجأة.”
رفع إيلاريس حاجبًا باستهجان، فتابع دان:
“المغتال على الأرجح يبحث في أرجاء الأكاديمية الآن. عاجلًا أو آجلًا، سيجدني. لا جدوى من الهروب… هو وحش قوي بحق، لكن لديه عيب واحد صغير.”
“وما هو؟” سأله المدير.
“أنه مغتال.” قال دان بابتسامة باردة.
أومضت عينا المدير بدهشة خفيفة، فتابع دان بثقة:
“هو مختص بالهجمات الخفية… يتفوق حين لا يعرف العدو بوجوده، حين يغرس خنجره قبل أن تفتح عينيك. لكن القتال المباشر ضد خصم مساوي أو أقوى… ليس في مصلحته.”
بدأ المدير يخطو ببطء في الغرفة، مفكرًا بكلمات دان، بينما أضاف الأخير:
“اخلع السوار، اكشف نفسي له، نتركه يقترب مني… ثم—”
رفع نظره إلى المدير وقال بنبرة قاتمة:
“تُنهي الأمر، أنت.”
توقّف المدير، ونظر إلى دان طويلًا، ثم قال:
“تعتمد على أنني سأكون هناك في الوقت المناسب.”
“لهذا قلت إنها مخاطرة.” أجاب دان. “لكننا لن نحظى بفرصة أفضل.
أطلق المدير تنهيدة طويلة وقال:
“من المؤسف أن قائد فرسان الأكاديمية ليس موجودًا هذه الأيام… لو كان هنا، لكان عونًا كبيرًا. إنه من الرتبة SS-.”
رفع دان حاجبه، لكنه لم يعلّق، فأكمل المدير:
“لكنني أملك نائب المدير… رامي سهام من الرتبة S+. لن يفيد في القتال القريب، لكن من مسافة بعيدة؟ سيشكل فارقًا حاسمًا.”
أومأ دان ببطء، وهو يعيد ترتيب الفكرة في ذهنه.
“إذن…” قال المدير وهو ينظر مباشرة إلى دان، “أين تقترح أن يكون الفخ؟”
رد دان بحزم:
“من الأفضل أن يكون في الغابة… بعيدًا عن الطلبة والأساتذة. لنقلل الأضرار إن ساءت الأمور.”
صمت لحظة، ثم تابع:
“سأذهب إلى الغابة صباح الغد، من دون السوار. عندها، سيشعر بي المغتال، وسيأتي باحثًا عني. ستكونان أنتما متخفيين في المكان… وعند ظهوره، تنقضّون عليه.”
رمش المدير ببطء، وابتسم ابتسامة جانبية وقال:
“تعرض نفسك كطُعم… واثق جدًا، هاه؟”
أجاب دان ببرود:
“أنا فقط أكره الانتظار.”
ضحك المدير بخفة، ثم أومأ له وقال:
“حسنًا، فتى… لنرَ إن كانت خطتك قادرة على اصطياد مخلوقٍ من الفراغ.
أوما دان و قبل أن يغادر المكتب، أوقفه المدير قائلاً:
“انتظر لحظة، فتى.”
سار المدير إلى خزانة كبيرة في الزاوية، فتحها باستخدام ختم سحري، وأخرج منها درعًا أسودَ لامعًا، مرصعًا بخطوط فضية دقيقة تتوهّج بهدوء.
“هذا درع من المستوى S.” قال المدير وهو يقدّمه إلى دان. “تم صنعه خصيصًا للمعارك… لن يتحمّل ضربة مباشرة من مغتال الفراغ، لكنه سيحميك من التبعات… الانفجارات، الشظايا، وربما يؤخّر ضربة قاتلة لثوانٍ.”
نظر دان إلى الدرع، ثم إلى المدير وسأله ببرود:
“هل هذا لطف مفاجئ؟”
ضحك المدير بخفة وقال:
“بل هو حس المسؤولية. أنت تغامر بحياتك، ولن أدعك تذهب دون أقل قدر من الحماية.”
أخذ دان الدرع، وحين لمحه الضوء، رأى انعكاس وجهه فيه… شاحبًا، متعبًا، لكن مصممًا
في صباح اليوم التالي.
وقف دان أمام مرآته، يرتدي الدرع الجديد تحت عباءته الرمادية، التي غطّت جسده بما يكفي لتبدو طبيعية. تأمل وجهه قليلًا… لم يكن هناك أثر للطفل المرتبك الذي استيقظ في جسد غريب قبل شهر .
كان الآن شابًا يستعد ليكون طُعمًا لوحش قاتل.
ربط سيفه على خصره، وتأكد أن السوار لم يعد في معصمه. ثم حدّق في يده الفارغة وقال بهمس:
“الآن… ابحث عني أيها الوغد.”
خرج من غرفته بهدوء، دون أن يلفت الانتباه، وتسلّل خارج أسوار الأكاديمية متجهًا نحو الغابة
في الطرف المقابل من الغابة، قبل ساعات من وصول دان.
وقف المدير إيلاريس درافين على غصن شجرة عالية، يراقب المكان بعينين متوهجتين بالبرق. خلفه كان يقف رجل طويل القامة، نحيف البنية، يحمل قوسًا أسود بلون الليل، وسهامه مربوطة بإحكام خلف ظهره.
“هل أنت متأكد أن هذه أفضل نقطة للرماية؟” سأل المدير دون أن يلتفت.
أجاب الرجل بهدوء، صوته كهمسة الريح:
“من هنا يمكنني رؤية كل شيء… وستصل سهامي لأي زاوية في الغابة . دعني فقط أعرف اللحظة التي تريد فيها الإطلاق.”
أومأ المدير برأسه وقال:
“دان سيكون في السهل المفتوح هناك. ما إن يظهر مغتال الفراغ، أريدك أن تنتظر اللحظة المناسبة للهجوم.”
رمى نائب المدير نظرة جانبية وقال بابتسامة مائلة:
“تفترض أنه لن يلاحظنا أولاً… أو أنه لن يقتلك قبل أن يصل سهمي اليه.”
رد المدير بثقة:
“فليجرّب. إن اقترب، سأجعله يندم على كل ثانية قضاها في هذا العالم.”
ثم أطلق نفسًا طويلاً، وحدق نحو السماء بين الأشجار.
“من المؤسف أن قائد الفرسان ليس هنا… لو كان موجودًا، لأغلقنا على المغتال من ثلاث جهات. لكن هذا ما نملكه الآن.”
قال النائب وهو يعدّل من وقفته:
“لا تقلل منّا يا إيلاريس… نحن لسنا هواة.”
تسلّل البرق حول جسد المدير بهدوء، وانبعثت من عينيه شرارات خافتة. قال بنبرة جادة:
“لن اسمح لاحد طلابي أن يموت اليوم."
الغابة – الوقت الحالي
كان الضباب لا يزال عالقًا بين الأشجار حين دخل دان الغابة، خطواته بطيئة، لكن كل واحدة منها حملت وزناً ثقيلاً.
توقف في منتصف ساحة خالية محاطة بالأشجار، المكان الذي اختاره بعناية لكونه مكشوفًا بما يكفي ليُغري مغتال الفراغ بالظهور، لكن ليس خاليًا من التغطية التي قد يحتاجها الآخرون.
“حسنًا…” قال بصوت خافت وهو يزفر ببطء، “لنبدأ الجنون.”
جلس القرفصاء وسط الساحة، يغلق عينيه كمن يحاول تهدئة نفسه. لكن الحقيقة أنه كان يسمع كل حفيف ورقة، كل نسمة ريح، كأن العالم كله يتنفس حوله… مستعدًا لابتلاعه.
مرت عشر دقائق.
ثم عشرون.
بدأ دان يشك للحظة أن الخطة لن تنجح، أن المغتال قد شعر بالفخ أو غير رأيه.
لكن فجأة…
ارتجف الهواء أمامه.
كأن شيئًا انشقّ عن الواقع نفسه.
لم يكن هناك صوت… لا خطوات، لا تنفس، لا حفيف.
ثم ظهر.
مغتال الفراغ.
ملامحة الغير واضحه، وخنجره الأسود … ظهر من العدم، كأن حضوره نفسه يرفض الارتباط بالعالم.
تجمّد دان.
كل شيء داخله كان يصرخ بالهرب.
لكنه لم يتحرك.
الآن… بدأت اللعبة