في لحظة خاطفة…
ما إن ظهر مغتال الفراغ أمام دان، حتى انطلقت شرارة في الهواء. ليس من دان، بل من الأعلى.
ظهر مدير الأكاديمية إيلاريس درافين فوق شجرة عالية، ويداه تتوهّجان بطبقات من البرق. في لحظة، انهمرت صواعق كثيفة من السماء، شكلت قفصًا كهربائيًا حول مغتال الفراغ، مما منعه من التلاشي أو الهروب.
زمجر المغتال، وهاجم الصواعق بخنجره، ففجّر إحداها، لكن قبل أن يتمكن من الفرار، تحرك إيلاريس كوميض برق، هابطًا من السماء.
لوّح المدير بيده، فأطلقت الرياح صفيرًا قاتلًا، وتجمّعت حول المغتال كدوامة ضاغطة. لكن المغتال لم يتراجع، بل غرز خنجره في الأرض، مشقًا فراغًا مظلمًا امتصّ جزءًا من الهجوم.
في تلك اللحظة، انطلق سهم من بعيد، مخترقًا الظلال.
جاء السهم من أحد فروع الأشجار، حيث كان يقف نائب المدير ، عيناه مثبتتان بدقة، وقوسه اللامع يصدر وهجًا أبيض.
ضرب السهم صدر المغتال مباشرة، لكن بدلًا من أن يخترقه، ارتدّ السهم كأن الجسد لم يكن حقيقيًا بالكامل.
“إنه يبدّل بين المادة والفراغ!” صاح المدير، بينما راوغ هجومًا مفاجئًا من المغتال الذي اندفع للأمام كوميض مظلم.
اصطدم المغتال مع ايلاريس، فارتدّ الهجوم قليلًا، لكن الضغط كان هائلًا لدرجة أن دان تراجع مترين للخلف، وركبته اصطدمت بالأرض.
صرخ المدير:
“ابتعد يا دان!”
ثم فجّر الأرض بقبضة من البرق، صاعقًا المكان كله. لم يمنح المغتال فرصة للتراجع.
اندلعت ألسنة اللهب من حول المدير، لكنها لم تكن نارًا عادية… بل نار سريعة الحركة، مدموجة بالرياح والبرق، انفجرت في موجات متتالية.
انحرفت الأشجار، واهتزت الأرض، بينما الغابة أصبحت كالجحيم.
لكن وسط الدخان… خرج المغتال.
محروقًا جزئيًا، نصف جسده يتآكل… لكنه لا يزال واقفًا.
“إنه يتحمّل كل هذا…؟” تمتم دان مذهولًا.
رد المدير، وهو يلهث:
“إنه ليس بخير بالكامل… لكن إن لم نكسره الآن، لن نحصل على فرصة أخرى.”
رفع نائب المدير قوسه مجددًا
تجمعت الأضواء من حوله، مشكّلة سهمًا واحدًا… براقًا كالشمس.
وفي اللحظة التي يستعد فيها المغتال للاندفاع نحو المدير مرة أخرى…
انطلق السهم
انطلق سهم الضوء، السهم الأقوى الذي أطلقه نائب المدير، متجهًا مباشرة إلى رأس المغتال… لكنه رفع يده ببساطة، وقبض عليه.
“…”
تلاشى الضوء بين أصابعه كما يتلاشى الحلم.
“لا يمكن…” همس النائب مذهولًا.
لم يمنحهم المغتال لحظة للصدمة، بل اندفع مجددًا نحو المدير.
تحرّك إيلاريس بسرعة، لكن هذه المرة لم يكن كافيًا.
ظهر المغتال خلفه في لحظة، وخنجره يخترق جنب المدير.
شهق إيلاريس، واهتز البرق حول جسده، لكن لم يسقط. تراجع خطوات، يضغط على جرحه، أنفاسه متقطعة.
في تلك اللحظة…
توقّف الزمن بالنسبة لدان.
رأى المدير يتراجع بخطوات مرتجفة، الدم ينزف من جنبه، والبرق يتلاشى من حول جسده شيئًا فشيئًا.
رأى نائب المدير يرفع قوسه ببطء من بعيد .
ورأى المغتال…
ذلك الكيان المظلم، الذي لا ينتمي لهذا العالم، يستعد لينقضّ من جديد.
“إذا لم أفعل شيئًا الآن… سيموت المدير، وسنموت جميعًا بعده.”
شدّ قبضته. شعر بألم في صدره من الضربات السابقة، لكن ذلك لم يهم.
تذكّر ما مرّ به منذ قدومه إلى هذا العالم، تذكّر وحدته، وتردده…
لن أهرب بعد الآن.
ركض مباشرة نحو المغتال، عيناه تلمعان بتصميم لا يُقهر.
“أحمق!” صرخ المدير، لكن دان لم يتوقف.
رفع المغتال يده، وفي لحظة—
“ششششخ…”
اخترقت يده جسد دان من الأمام، وخرج من ظهره.
تجمّد كل شيء.
دم دان تناثر على الأرض.
لكن دان لم يسقط… بل أمسك بيد المغتال التي اخترقته، ونظر مباشرة إلى عينيه، وعيناه تفيض بالدم.
ثم ابتسم.
“أحمق… وقعت في الفخ.”
ارتبك المغتال.
وفي لحظة، اخترق سهم آخر جبينه من الجانب، لم يكن قاتلًا… لكنه أبطأه لثانية.
ثانية واحدة… كانت كافية.
وقف إيلاريس رغم الدم، ورغم الألم، يده مرفوعة، والبرق يتجمع في كفّه.
تكثّف البرق، وظهر رمح طويل مكوّن من طبقات البرق والنار، يهتز وكأن السماء نفسها تهدر.
“أنت ميت.”
أطلقه.
اخترق الرمح صدر المغتال، مباشرة من قلبه.
صرخة غريبة، غير بشرية، ملأت الغابة… ثم تبخر الكيان إلى رماد وظلام.
سقط دان على ركبتيه… ثم على الأرض، والدم يسيل من فمه.
ركض المدير نحوه، وصرخ: “دان!!”
لكن لم يكن هناك رد… فقط عينان مفتوحتان، وابتسامة باهتة على وجهه، وكأنه مرتاح… لأول مرة
جثا إلى جانبه، مد يده يتحسّس عنق الفتى…
كان هناك نبض… ضعيف، لكنه موجود.
تنهد المدير بارتياح، وإن ظل التوتر في عينيه.
“لا يزال حيًا… لكن حالته حرجة.”
اقترب نائب المدير، وجهه متجهّم، وعيناه تحدقان بجسد دان الممدد والمضرّج بالدماء.
“هذا الولد… تصرف بجنون.”
رد المدير وهو يضغط على الجرح في صدر دان لإيقاف النزيف:
“بل تصرف بشجاعة… لو لم يشتّت انتباه المغتال، لم نكن لننجح.”
أخرج المدير بلورة صغيرة متوهجة من عباءته، ووضعها على صدر دان. بدأت البلورة تبعث دفئًا غريبًا، ووهجًا أزرق خافتًا امتد على جسد الفتى.
“هذه لن تشفيه بالكامل، لكنها ستبقيه على قيد الحياة حتى نصل للأكاديمية.”
همس دان بصوت بالكاد يُسمع، دون أن يفتح عينيه:
“لم… يمت؟”
انحنى المدير نحوه بسرعة.
“من؟ المغتال؟ لا، لقد دمّرناه نحن معًا.”
ارتجفت شفتا دان، وابتسم قليلاً، رغم الدماء على وجهه:
“هذا جيد…”
ثم فقد وعيه تمامًا.
بإشارة من المدير، تشكّل مجال من البرق والضوء حول جسد دان، ورفعه ببطء في الهواء.
“سنأخذه إلى الحرم الداخلي. هناك فقط يمكننا علاجه.”
بينما بدأوا بالتحرك، التفت المدير إلى المكان الذي تبخر فيه مغتال الفراغ. الظلال لم تختفِ تمامًا، بل بقيت بقايا منها تتلاشى ببطء…
ثم نظر إلى جسد دان المعلق والدم ما يزال يسيل ببطء.
“من أنت بالضبط يا فتى…؟