غرفة مشفى الأكاديمية

ضوء ناعم يتسلل من النوافذ العالية، يلقي بظلال هادئة على جدران الغرفة البيضاء. دان يستيقظ ببطء على سرير طبي، يشعر بثقل في جسده وضمور في عضلاته.

“أين أنا؟”

ينظر حوله، فيجد نفسه في غرفة مشفى مجهزة بأجهزة طبية حديثة. إلى يساره، تجلس الينا شقيقته الكبرى ،وكانت أمامه تيا بزي الفارسة خاصتها.

“سيدي، لقد استيقظت أخيرًا!”

قال دان مع ملامح الاستغراب

“ما الذي يجري؟ ماذا تفعلين أنتِ وإلينا هنا؟ وماذا حدث مع مغتال الفراغ؟”

اجابتة تيا بهدوء

“فور علم السيدة الشابة بأنك قد تعرضت لإصابة مميتة، هرعت على الفور إلى الأكاديمية. عندما رأت الثقب الكبير في جسدك، كادت أن تجن.

نظر دان إلى تيا منتظراً ان تكمل

أكملت تيا

لقد هاجمت مدير الأكاديمية.”

قال دان باندهاش

“هاجمت المدير؟”

“بالطبع، لم يأخذ المدير الأمر على محمل الجد، وقدّر حالتها، وايضاً كانت السيدة الشابة تتبرع بدمها إليك كل أسبوع، رغم تحذير الأطباء. لذلك، تراها متعبة هكذا.”

ينظر دان إلى إلينا، التي كانت نائمة على كرسي بجانب السرير، وجهها شاحب وملامحها مرهقة. شعر بوخزٍ من الذنب يتسلل إلى قلبه، إذ كانت تعتبره شقيقها، وهو يعلم الحقيقة. ثم نظر إلى تيا متسائلًا

“كل أسبوع؟ كم مضى عليّ وأنا نائم؟”

إجابته تيا بهدوء

“لقد مضى عليك شهر كامل."

تنهد دان وتمتم في نفسه:

“لا بأس… على الأقل لقد نجوت."

قالت تيا

"لولا استخدام المدير لقطعته الاثريه لكان موتك محتوماً"

نظر دان إلى تيا بدهشة

“قطعة أثرية؟ ماذا تقصدين؟”

أكملت تيا

“عندما كنت على حافة الموت، استخدم المدير قطعة أثرية نادرة من الدرجة SS، تُستخدم مرة واحدة فقط، لتوقف الزمن مؤقتًا. هذا أتاح للأطباء الوقت اللازم لمعالجتك وإنقاذ حياتك.”

شعر دان بالذهول

“توقف الزمن؟ لم أكن أعلم أن مثل هذه القطع موجودة.”

أومأت تيا برأسها وأجابت

“إنها نادرة للغاية، ويُحتفظ بها للحالات الطارئة القصوى. المدير لم يتردد في استخدامها لإنقاذك.”

شعر دان بالامتنان العميق

“لا أصدق أن المدير فعل كل هذا من أجلي.”

تحركت يد إلينا ببطء، ثم ارتجفت قليلاً وهي تمسح وجهها النحيل. أصدرت تنهدًا خافتًا، قبل أن تفتح عينيها ببطء. ظلت تحدق في الفراغ لثوانٍ، وكأن عقلها لم يلحق بعد بجسدها المنهك.

ثم استدارت برأسها، وعيناها تقعان على وجه دان المستيقظ.

توسعت عيناها على الفور.

“دان…” همست بصوت مبحوح، قبل أن تنهض بسرعة من على الكرسي، وتنحني نحوه وهي تمسك بيده.

“أنت… أنت مستيقظ حقًا.”

ابتسم دان بلطف رغم التعب الذي يعتريه.

“صباح الخير، إلينا.”

لم تستطع منع دموعها من الانحدار. كانت تحاول التماسك، لكنها فشلت.

“كنت أعتقد… ظننت أنني فقدتك.”

رفع دان يده المرتجفة بصعوبة، ووضعها على يدها برقة.

“أنا آسف… لقد سببت لكِ القلق.”

هزّت رأسها، ومسحت دموعها سريعًا، ثم قالت بعزم:

“لا تعتذر. لقد عدت، وهذا يكفي.”

تبادل الاثنان نظرات صامتة، محمّلة بالكلمات التي لم تُقال. شعور ثقيل من الامتنان، والحزن، والارتياح، خيّم على الغرفة للحظة.

مرت لحظة قصيرة صامتة، تنفّس فيها دان الصعداء معتقدًا أن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن تعبير وجه إلينا تغيّر فجأة.

انسحبت من جواره، ووقفت بثبات، ذراعاها معقودتان، وعيناها تحدق فيه بصرامة أشبه بنظرة قائد يعاتب جنديًا متهورًا.

“هل فقدت عقلك تمامًا؟” قالتها بصوت جاف.

رمش دان بدهشة، وهمّ بأن يرد، لكنها رفعت يدها مقاطعة

“هل فكرت للحظة واحدة قبل أن تهاجم مغتال الفراغ؟ من تظن نفسك؟ بطلًا من الحكايات؟!”

“كنت أحاول—” حاول دان أن يبرر، لكن إلينا قاطعته بصرخة:

“كنت تحاول أن تموت! هل تعرف ماذا فعلت بنا؟ كدت أن تُقتل! لو لا المدير، لما كنت هنا الآن!

همست تيا، وكأنها تحاول تهدئة الموقف:

“سيدتي، دان نجا الآن، لا داعي—”

لكن إلينا رفعت يدها بصمت صارم، ثم أكملت:

“لقد وعدت والدينا بأن أحميك. ولكن كيف أحميك إن كنت أنت بنفسك لا تهتم بحياتك؟"

نظر إليها دان مطولًا، ثم قال بصوت خافت:

“أنا آسف… كنت أظن أني أستطيع إنهاء الأمر قبل أن يؤذي أحدًا آخر. لكنني أخطأت.”

تقدمت إلينا ببطء، وجلست على حافة السرير، عيناها تلينان لأول مرة.

“لم أكن غاضبة لأنك قاتلت… بل لأنك لم تفكر بي، أو بأيّ أحد. أنا لا أريد أن أزور قبرك، دان.”

مد دان يده ببطء، ووضعها على يدها.

“أعدك… لن أخاطر هكذا مجددًا. ليس من أجلك فقط، بل من أجل نفسي أيضًا.”

نظرت إليه إلينا مطولًا، ثم تنهدت، وانحنت نحوه لتعانقه برفق.

“أنت أخي، دان. قد أصرخ فيك مئة مرة، لكنني لن أتخلى عنك أبدًا.”

ابتسم دان:

“أعرف ذلك… وأشكرك لأنك لم تستسلمي.”

وقفت تيا بهدوء في الزاوية، تبتسم بخفة، وقالت:

“جميل أن أراكما تتشاجران وتتصالحان، وكأن شيئًا لم يحدث.”

ضحكت إلينا وهي تمسح عينها، وقالت:

“هذا ما يفعله الأشقاء، أليس كذلك؟

رد دان بنبرة مرهقة وهو يتكئ على الوسادة:

“لو كان هذا هو الحب العائلي… فأنا خائف من اليوم اللي تقرري تكرهيني فيه.”

هزّت إلينا رأسها ببطء، وقالت بنبرة ساخرة:

“حينها لن أصرخ… سأكتفي بكسر عظامك.”

رفع دان حاجبيه وقال:

“أظن أنني سأبقى في السرير لفترة أطول… لأسباب علاجية، طبعًا.”

ضجّت الغرفة بضحكة خفيفة، لكن سرعان ما انقطعت عندما فُتح الباب فجأة.

دخل رجل طويل القامة، ملامحه صارمة لكن عينيه تحملان بريقًا من القلق المكتوم، توقفت خطواته لحظة عندما رأى دان مستيقظًا.

“دان نوكتاين.” قالها المدير بصوت عميق، له هيبة السنين وثقل المسؤولية.

أحسّ دان بتوتر خفيف، فحاول الجلوس باستقامة، لكنه لم يستطع.

“سيدي المدير…” قالها بصوت خافت.

تقدم المدير نحوه، نظر إلى وجهه مليًا، ثم أومأ ببطء، وقال:

“أخيرًا… استيقظت.”

تدخلت تيا باحترام:

“لقد استعاد وعيه قبل قليل، وتم فحصه. حالته مستقرة الآن.”

نظر المدير إلى تيا ثم إلى إلينا، وقال:

“جهودكما لم تذهب سدى.”

ثم التفت مجددًا إلى دان، وصوته يزداد جدية:

“أتعلم ما الثمن الذي دُفع لإنقاذك، يا فتى؟ قطعة أثرية من الدرجة SS، تُستخدم مرة واحدة فقط…”

خفض دان نظره، وقال بصوت مملوء بالندم:

“أدرك ذلك، يا سيدي… ولن أكرر نفس الحماقة مرة أخرى.”

ساد الصمت لحظة، قبل أن يتنهد المدير، ويقول:

“ما زلت أجهل كيف نجوت فعليًا من تلك الضربة، حتى مع ايقاف الزمن ، أنت محظوظ حقاً.”

نظر إليه دان بقلق خفيف، لكنه لم يرد.

ثم ابتسم المدير قليلًا، ابتسامة نادرة، وقال:

“لكن، على الأقل، أنت حي. وهذا وحده… كافٍ الآن.”

استدار مغادرًا، لكن قبل أن يضع يده على مقبض الباب، قال دان بصوت متعب لكنه واضح:

“سيدي المدير، انتظر.”

توقفت خطوات المدير، والتفت نحوه ببطء، حاجبه مرفوع.

نظر دان إليه بجدية، رغم ضعفه، وقال:

“أريد أن أطلب عقد اجتماع رسمي، معك ونائب المدير .”

صمت قصير خيّم على الغرفة، حتى تيا وإلينا نظرتا إليه باندهاش.

ضاق المدير عينيه، نبرة صوته عادت إلى الجدية:

“هل ما ستقوله… يتعلق بسبب معرفتك عن وجود مغتال الفراغ؟ أو شيء آخر؟”

أومأ دان ببطء.

“كلاهما. وأعتقد أن الوقت قد حان لعقد اجتماع رسمي… ليس فقط معكم، بل مع من يمثلون عائلتي أيضًا.”

تقدم المدير خطوة، وقال بحذر:

“من تقصد تحديدًا؟”

أجاب دان:

“أريد أن تحضر إلينا… و ان يتم طلب حضور شيوخ العائلة ، اخبروهم ان ما سأقوله مهم للعائلة ايضاً.”

اتسعت عينا إلينا قليلاً، وقالت:

“هل ما تنوي قوله يستحق فعلاً أن يُستدعى من أجله؟”

أومأ دان بنظرة جادة:

“نعم، وأكثر. ما سأكشفه لا يخصني وحدي… يجب أن يُسمع من جميع أصحاب القرار.”

تبادل المدير وإلينا نظرة صامتة، ثم قال المدير أخيرًا:

“حسنًا. سأطلب من ميرسا الحضور، بما أنها موجوده في الأكاديمية وسنبدأ إجراءات التواصل مع غاريم حالًا.”

ثم أضاف وهو ينظر إلى دان بنظرة طويلة:

“لكن تأكد يا دان… أنك مستعد لما يعنيه هذا القرار. لأن ما سيقال… لا يُمكن سحبه.

أكمل دان:

“هناك أشياء… يجب أن أشرحها. أشياء لم أكن أفهمها بالكامل سابقًا، لكن الآن… لم يعد من الصواب أن أحتفظ بها لنفسي.”

ساد الصمت لثوانٍ، ثم أومأ المدير بإيماءة صغيرة، وقال:

“جيّد. سنحدّد موعد الاجتماع حالما يسمح وضعك الصحي. كن مستعدًا يا دان نوكتاين… فالكلمات التي تُقال في تلك الغرفة لا تُمحى.”

وغادر، هذه المرة دون أن يلتفت

2025/05/05 · 40 مشاهدة · 1210 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026