قاعة الاجتماعات العليا – الأكاديمية

تحت ضوء الثريات الكريستالية، وعلى طاولة طويلة من الخشب الأسود المصقول، جلس عدد من الشخصيات ذات النفوذ. وجوهٌ مألوفة وأخرى نادرة الظهور، اجتمعوا جميعًا استجابةً لطلب شابٍ نجا من الموت بأعجوبة.

جلس دان نوكتاين في أحد طرفي الطاولة، بثياب بسيطة ووجه شاحب، لكنه نظر بثبات إلى الحضور.

إلى يساره، جلست إلينا، متصلبة الملامح، وإلى يمينه جلس نائب المدير، بينما جلس المدير إيلاريس أمامه، ذراعيه معقودتان، ونظرته لا تفارق دان.

وفي المقاعد الأخرى، حضر شيخا عائلة نوكتاين: ميرسا ، المرأة ذات الشعر الأسود والعينين الذهبيتين اللتين لا تشيخان، و غاريم ، الرجل الضخم الذي تشبه ملامحه صخرة حُفرت عبر الزمن.

المدير إيلاريس :

“الجميع هنا. تكلّم، يا دان. ما الذي أردت قوله أمام هذا الجمع؟

بدأ دان الكلام بصوت هادئ لكنه واضح:

“أعلم أن طلبي لعقد هذا الاجتماع فاجأكم، وقد يبدو لكم أنه لا يستحق هذا العناء. لكن… ما سأقوله الآن، سيغير كل شيء.”

انحنى المدير للأمام قليلاً، عاقدًا ذراعيه:

“تابع.”

تنفس دان بعمق، ثم قال:

“أنا أمتلك عنصرًا لم أعلنه سابقًا… عنصر الفضاء.”

سادت لحظة من الصمت، تبعها نظرة اندهاش سريعة في عيني ميرسا، وعبوس خفيف على وجه غاريم. أما المدير، فقد رفع حاجبه وقال:

“عنصر الفضاء؟ هذا نادر للغاية… لكنه لا يبرر عقد اجتماع من هذا النوع.”

نظر دان إليه مباشرة، ثم مد يده إلى البلورة أمامه.

“صحيح. لذلك… أريدكم أن تروا شيئًا.”

وضع راحة يده بهدوء على البلورة ،التي استعارها من المدير .

في البداية، لم يحدث شيء… ثم بدأ الضوء يتجمع داخل البلورة، يدوّي بتوهج فضي غريب، ارتفعت نبضات الطاقة داخل البلورة، حتى ظهرت كتابة سحرية لامعة على سطحها:

“عنصر الفضاء: 100%”

شهق غاريم، وارتجفت ملامح ميرسا للحظة نادرة. إلينا فتحت عينيها على اتساعهما، أما المدير، فقد وقف من مكانه ببطء، حدق في البلورة كأنها قطعة من المستحيل.

همس بصوت لا يكاد يُسمع:

“…100%؟”

ثم قال بصوت أعلى، مفعم بالذهول:

“لم أرَ شيئًا كهذا في حياتي… ولا حتى في السجلات القديمة.

اقترب بخطوات ثقيلة من دان، نظر إلى البلورة مرة أخرى، ثم إلى وجهه:

“دان نوكتاين… هل تدرك ما تعنيه هذه النسبة؟”

أجاب دان بهدوء:

“بدأت أفهم مؤخرًا.”

قال غاريم بنبرة ثقيلة:

“هذه النسبة… لم تُسجل أبدًا، هل أنت متأكد من أنها ليست نتيجة تلاعب؟”

رد المدير بحزم

“هذا مستحيل. البلورة موثّقة، أنا من أعطيتها له ولا يمكن التلاعب بها.”

قالت ميرسا وهي تحدق في البلورة:

“هذا المستوى من التوافق مع عنصر الفضاء… يعني أن التحكم في قوانين الحركة، النقل الأني … كلها ستكون ممكنة له، نظريًا.

جلس ايلاريس مجددًا بصمت، ثم قال:

“سؤالي الآن… لماذا أخفيت هذا؟ ولماذا تكشفه الآن تحديدًا؟

تنهد دان، مقرّرًا قول الكذبة الممزوجة بالحقيقة التي فكّر بها مسبقًا، ثم قال:

“لأنني عرفت بشأن مغتال الفراغ… بسبب موهبتي في عنصر الفضاء. لا أستطيع وصف الأمر بدقة، لكنني… تمكنت من استشعار حضوره.”

فكّر غاريم للحظة، ثم قال:

“هل هذا ممكن؟”

أجابه المدير وهو ينظر إلى البلورة مرة أخرى:

“لا أعلم… لكن مع موهبته، لا شيء مستحيل.

ساد الصمت لحظة، ثم قالت إلينا بصوت منخفض لكنها لا تخفي اضطرابها:

“أنت… كنت تملك كل هذا ولم تخبرني؟”

نظرت إلى دان، عيناها تمتلئان بمزيج من الغضب والقلق والخذلان

نظر دان إلى إلينا، إلى عينيها الخائبتين، ثم قرر إكمال الكذبة التي نسجها بعناية.

قال بصوت خافت:

“الأمر ليس كذلك…”

توقف لحظة، وكأنه يجمع شتات نفسه، ثم تابع:

“لقد أخبرني أخي الكبير… أن أبقي الأمر سرًا. أن لا أخبر أحدًا… مهما حدث.”

خيم صمت ثقيل على المكان. لم ينبس أحد بكلمة، لكن تعابير وجوههم تحدثت بصوت أعلى من الكلمات.

كانت ملامح إلينا قد تغيرت؛ لم تعد غاضبة، بل متوترة، مشوشة، وكأنها تحاول فهم شيء لم تكن مستعدة لسماعه.

أما ميرسا، فقد عبست شفتيها بضيق، كأنها تحبس تعليقًا لا ترغب في قوله أمام الجميع.

بينما ظهرت نظرة حزنٍ واضحة على وجه غاريم، نظرة رجل فقد شيئًا أو شخصًا عزيزًا في الماضي… وتذكّره فجأة

تنهد المدير ببطء، وكأن الكلمات تثقل على صدره، ثم قال بصوته العميق:

“ليخت… كان فتى ذكيًا. لن أقول إن ما قاله لك كان خاطئًا، فربما رأى ما لم نره نحن.”

ثم أكمل، نبرته تصبح أكثر حزمًا:

“لكن رغم ذلك… كان عليك أن تخبر أحدًا، على الأقل بعد موته. أو أن تضع ثقتك في شخصٍ ما.”

بينما يقول ذلك، حوّل نظره نحو إلينا، التي كانت لا تزال مذهولة، تحدق في دان وكأنها تحاول إعادة ترتيب صورتها عنه بالكامل

أخفض دان بصره قليلاً، وصمت للحظة، قبل أن ترتسم على وجهه لمحة من التوتر وهو يفكر في نفسه:

خيانة

هذا الأخ الأكبر ليست

معروفة

خارج

العائلة

،

الجميع

يظنه

ميتًا

فقط

أخذ غاريم نفسًا عميقًا، كأنما يحاول طرد الغصة التي علقت في صدره، ثم قال بصوت خافت لكن نبرته كانت حادة:

“ليخت… كان فتى طيبًا. لم يكن من السهل علينا فقدانه.”

نظر إلى دان نظرة طويلة، فيها حزن وشيء من الشك، ثم أضاف:

“وإن كان قد أوصاك بكتمان موهبتك،فلا أراه مخطئا"

أكمل غاريم حديثه، هذه المرة بصوت أكثر صلابة، وقد عادت نبرته الحازمة التي اعتاد الجميع سماعها منه:

“ما فعلته في مواجهة مغتال الفراغ… والآن بعد أن علمنا بموهبتك في عنصر الفضاء بهذا المستوى، فهذا ليس بالأمر البسيط.”

توقف لحظة، ثم التفت بنظره إلى ميرسا وإلينا، قبل أن يعيد عينيه إلى دان، وقال بوضوح:

“يا فتى… من الآن فصاعدًا، سأدعمك لكونك رئيس العائلة القادم.”

ارتفع حاجبا دان قليلاً، لكن قبل أن يتكلم، لفت انتباهه التغير الواضح في تعابير إلينا. كانت تحدّق في غاريم بذهول، ثم ما لبثت أن ظهرت على وجهها ملامح السعادة والارتياح، وكأن ثقلًا هائلًا أُزيح عن صدرها. ابتسمت دون وعي، ابتسامة صغيرة لكنها صادقة.

أما ميرسا، فقد بقيت صامتة للحظة. عيناها حدقتا في غاريم، ثم إلى دان، وأخيرًا استقرت على وجه إلينا هناك رأت في ملامحها الراحة ، ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، بالكاد تُرى، لكنها حقيقية

نظر دان إلى غاريم بتعابير مذهولة، وكأنه لم يصدق ما سمع، ثم قال بصوت خافت لكنه حازم:

“بذكر ذلك… السبب الحقيقي لرغبتي بمجيئكم، هو أنني لا أريد أن أكون رئيس العائلة القادم.”

ساد الصمت لثانية، كأن أحدًا قطع الهواء في الغرفة.

“ماذا؟!”

وقفت إلينا فجأة، صوتها ارتفع بانفعال لا إرادي.

“لماذا؟! بعد أن قرر الشيخ غاريم دعمك… فإن كونك رئيس العائلة أصبح أمرًا مؤكدًا!”

نظرت إلى دان بذهول، وكأنها تنتظر أن يقول إنه يمزح، لكنه لم يفعل.

رفع دان رأسه، ونظر إليها بنظرة هادئة، مزيج من الحنان والصدق:

“لأن، يا أختي العزيزة… الشيء الذي يراه الجميع، والذي أنتِ وحدك لا ترينه… هو أنكِ أفضل مني بكثير لهذا المنصب."

عندما سمعت إلينا ذلك، اتسعت عيناها وتراجعت خطوة إلى الوراء. بدا وكأن الكلمات قد حجبت عنها القدرة على الرد، شفتاها تحركتا مرات دون صوت، ولم تعرف ما تقول.

لكن دان لم يمنحها الوقت لتفيق من ذهولها، بل أكمل بنبرة أكثر صدقًا وهدوءًا:

“أيضًا… أنا حقًا لست مناسبًا لأكون رئيسًا لأي شيء. لذلك، أرجو منكِ أن تأخذي هذا العبء عني.”

سادت لحظة صمت ثقيلة، وكأن الغرفة نفسها توقفت عن التنفس.

إلينا نظرت إلى دان، وشيء ما في داخلها تحرك. لم يكن مجرد مفاجأة… بل مزيجًا من الألم، الفخر، والارتباك. تقدّمت نحوه ببطء، ثم قالت بصوت خافت لكنه مملوء بالمشاعر:

“أنت… حقًا أحمق.”

رمش دان بدهشة، قبل أن تتابع.

“لطالما أردت أن أعتمد عليك، أن أراك تقف إلى جانبي… لكنك الآن، تُلقي كل شيء عليّ؟”

اقتربت أكثر، ثم همست:

“لكنني… لا أستطيع أن أكرهك، ليس بعد أن قلت إنك تراني أهلاً لهذا المنصب.”

وضعت يدها على كتفه، وقالت:

“إذا كنت مصرًّا… فسأحمل هذا العبء، لا من أجلك فقط، بل من أجل العائلة أيضًا.”

أما غاريم، فقد أومأ برأسه ببطء، وقال بصوت هادئ يشوبه الاحترام:

“رؤية الضعف والاعتراف به… يتطلب شجاعة لا تقل عن تلك التي نحتاجها في القتال. يبدو أنني حكمت عليك خطأ، يا فتى. الآن… أرغب في أن تكون رئيس العائلة أكثر من أي وقت مضى.”

نظر دان إلى الشيخ غاريم وقال بابتسامة باهتة:

“أعفني من هذا، أيها الشيخ… إلينا أفضل مني بكثير.”

كانت ميرسا تراقب إلينا بصمت، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها، قبل أن تقول أخيرًا:

“ربما لم يُولد الرئيس… لكنه ساعد في ولادة الرئيسة القادمة.”

ابتسم دان بخفة، وأغمض عينيه للحظة، كما لو كان يُسقط عن صدره حملًا أخيرًا.

2025/05/06 · 62 مشاهدة · 1273 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026