بعد انتهاء حديثه مع المدير، لم يذهب دان إلى غرفته. بدلًا من ذلك، سلك طريقًا مختلفًا، قادته قدماه إليه دون وعي… إلى الغابة.
كان الليل قد حلّ، والضوء الخافت يتسلل من بين الأشجار المتشابكة، بينما ظل الطريق شبه مهجور. دان تابع سيره حتى وصل إلى الساحة التي شهدت أعنف معركة في حياته.
وقف هناك بصمت، يتأمل الدمار الذي خلّفه القتال. الأرض كانت محروقة في بعض المواضع، الأشجار مكسّرة، والصخور مدمّرة… كل شيء يحمل آثار الهجمات القوية.
“الدمار… هائل.” تمتم في نفسه.
أغلب هذا لم يكن بسبب مغتال الفراغ… بل بسبب المدير.
في الواقع، من المدهش أنني نجوت. كنت وسط كل هذا الانفجار والفوضى…
لا عجب أن الجميع مصدوم من نجاتي.
وفجأة… لاحظ ظلًا يمتد أمامه، يكبر شيئًا فشيئًا. تجمد في مكانه، ثم التفت ببطء.
أمام إحدى الصخور، كان يقف رجل ضخم الجثة، عريض المنكبين، يُشع قوة وهيبة. سيف كبير الحجم يستند إلى الصخرة بجانبه – لم يكن ضخمًا بشكل مبالغ فيه، لكن وزنه وحجمه لم يكونا عاديين.
الرجل كان يرتدي قناعًا على شكل رأس ذئب، يُخفي ملامحه كليًا، لكن صوته حين تكلّم حمل نبرة هادئة… وعميقة.
“يا صغير، ماذا تفعل في هذا المكان؟ هل أنت تائه؟”
أجاب دان وهو يستعيد هدوءه بسرعة:
“كلا، أنا فقط… أتأمل المكان.”
هز الرجل رأسه بخفة.
“مثير للاهتمام. لقد بدوت… متأثرًا.”
حاول دان أن يبتسم، لكنها كانت ابتسامة باهتة.
“كيف لا أكون كذلك؟ لقد كدت أموت بسبب مغتال الفراغ.”
رفع الرجل حاجبه – أو على الأقل، هذا ما خُيّل لدان – وقال بنبرة متسائلة:
“كدت تموت؟… هل أنت هو الطفل الذي كان وسط القتال؟”
أومأ دان بصمت.
قال الرجل، بنبرة فيها شيء من الإعجاب:
“لقد نجوت من مغتال الفراغ… لديك الحق بأن تكون فخورًا.”
لكن دان لم يبتسم هذه المرة، بل أجابه بعبوس واضح
“أي فخر؟ لقد كنت مجرد حشرة صغيرة… ونجوت فقط لأن المدير أنقذني. بصراحة، الجميع ينظر إلي وكأنني بطل، لكنني لم أفعل شيئًا يستحق ذلك.”
نظر الرجل إليه ببرهة من الصمت، قبل أن يقول:
“مثير للاهتمام… الكثير كانوا سيصيبهم الغرور بمجرّد النجاة، أما أنت… فتراك تنظر إلى ضعفك.”
ثم أكمل، وقد تغيّرت نبرته قليلًا
“اسمك دان نوكتاين، أليس كذلك؟”
أومأ دان بحذر، ثم قال متسائلًا
“هل لي أن أعرف… لماذا جئت إلى هنا يا سيدي؟”
وقف الرجل منتصبًا، ونظر إلى المكان من حوله
“فقط… أتفقد المكان.”
نظر الرجل المقنّع إلى المكان من حوله، ثم قال بهدوء
“أنا هنا منذ حوالي أسبوع… أتي إلى هذا المكان كل يوم.”
ابتسم دان بخفة وقال
“يبدو أنك صديق جيد للمدير إيلاريس.”
هزّ الرجل رأسه نافيًا
“كلا… ليست لدي معرفة به، رغم أنني سمعت عنه الكثير.”
تغيّرت تعابير دان قليلاً. نظر إلى الرجل بغرابة، بل بشيء من الحذر الذي لم يخفَ خلف عينيه. عدّل وقفته، وضع يده على مقبض سيفه، وقال بنبرة أكثر جديّة:
“سيدي… يبدو أنك لست شخصًا عاديًا. هل لي أن أعرف من أنت حقًا؟”
لاحظ الرجل ارتباك دان، فابتسم خلف قناعه وسأله بهدوء
“يبدو أنك تفكر في شيء ما… هل لي أن أعرف ما هو؟”
أجاب دان، دون أن يحرّك عينيه عن الرجل:
“هذا غير مهم. ما أريد أن أعرفه… هل أنت صديق؟ أم عدو؟”
توقّف الرجل للحظة، ثم قال بنبرة لم تحمل أي تهديد… لكنها أيضًا لم تحمل أمانًا:
“إن افترضنا أنني عدو… ماذا ستفعل؟”
رد دان، ونبضه يتسارع
“هذا يعتمد. إن تركتني، فلن أفعل شيئًا… لكن إن حاولت قتلي… فلن أقف مكتوف الأيدي.”
ظل الرجل ينظر إليه بنفس الهدوء، قبل أن يقول:
“ما رأيك بهذا إذن؟ أنا لست مهتمًا بحياتك… لكن المشكلة أنني لا أريد أن يعرف أحدٌ عني.”
ثم أضاف بصوتٍ منخفض:
“لذا… أنا آسف يا صغير.”
شعر دان بانقباض في صدره، وارتفعت أنفاسه. حدّق في قناع الذئب، ثم قال في نفسه:
«
…
.
…
.»
تنهد بصمت، ثم وضع قدمه اليمنى إلى الخلف، ورفع سيفه.
“يا فتى…” قال الرجل المقنّع، وقد لمعت عينه من خلف القناع، “أرِني كيف ستنجو بحياتك.”
وبلا تردد، اندفع دان إلى الأمام، صائحًا في داخله:
«
!
!»
سيفه تحرك بسرعة، بخط مستقيم نحو الرجل – لكن…
لم يتحرك الرجل من مكانه. لم يتزحزح حتى.
رفع ذراعه بهدوء، و صدّ ضربة دان بالكامل بدرع معدني مدمج في ساعده .
اصطدم نصل دان بالدرع بقوة، وارتدت ذراعه إلى الوراء، تراجع خطوة وهو يئن من الألم.
وقف الرجل في مكانه، كأن شيئًا لم يحدث.
شد دان على قبضته، ثم اندفع مجددًا نحو الرجل المقنع. سيفه يشق الهواء بخفة وسرعة أكبر هذه المرة.
لكن الخصم تصدى للهجوم مرة أخرى بسهولة، وكأن دان لم يتحسن إطلاقًا.
في اللحظة التالية، بحركة مفاجئة، أخرج دان قارورة صغيرة من حزامه، وقذفها نحو رأس الرجل!
التفّ الرجل بسرعة وتجنّبها بخفة، لكنه فوجئ بهجوم جديد من دان، الذي استغل الحركة ليعيد الهجوم من زاوية مختلفة.
رفع الرجل ذراعه مجددًا ليصد الضربة – لكن في لحظة خاطفة، لمح ما لم يتوقعه:
من القارورة التي أفلتت من الاصطدام، بدأ يتسرب سائل أحمر قاتم، يتحول إلى قطرات صغيرة تتطاير في الهواء… بسرعة مذهلة…
رفع الرجل حاجبه داخل قناعه، وبتحرك فوري، انحرف بجسده إلى الجانب، متجنبًا مسار القطرات.
لكن عينيه الضيقتين تابعتا سقوط القطرات… حتى لاحظ أنها كانت باتجاة دان
توسعت عينا الرجل للحظة.
“هذا سيء …” تمتم في داخله، ثم — للمرة الأولى — سحب سيفه الكبير.
لوّح به بضربة واحدة عبر الهواء.
انفجرت موجة هواء حادة من نصل السيف، اجتاحت المكان كعاصفة مفاجئة، و دفعت دان بقوة إلى الخلف، كأنه ورقة جافة تطير وسط ريح عاتية.
اصطدم بالأرض وتدحرج لمترين، لكنه نهض بعدها، يلهث، وثوبه مبلل بالعرق والغبار. إلا أن نظراته لم تكن خائفة هذه المرة.
بل… كانت هادئة.
تقدّم بخطوات ثابتة، نحو النقطة التي سقطت فيها القارورة. لم ينظر إلى الرجل المقنع، لم يرفع سيفه… فقط تقدّم، وانحنى ليلتقط القارورة.
رفع الرجل سيفه من جديد، وهذه المرة أمامه مباشرة.
صوته اخترق الصمت:
“أليس من الغباء… أن تدير ظهرك لعدوّك؟”
ابتسم دان، دون أن يلتفت، وقال
“وأليس من الغباء… أن تُنقذ عدوّك؟”
ساد الصمت للحظة. ثم قال الرجل، بصوت منخفض:
“لماذا تفترض… أنني أنقذتك؟”
استدار دان ببطء، القارورة في يده، وعيناه تحدقان في الرجل المقنّع بثبات.
“لأنك كنت تستطيع تركي… اموت."
تنهد الرجل المقنّع ببطء، ثم أعاد سيفه إلى غمده بصوت معدني خافت.
قال بنبرة هادئة
“حسنًا… أعترف بذلك. لكن دعني أسألك، يا فتى…”
تقدّم خطوة، وعيناه تحدقان في دان بثبات:
“لماذا تغيّر تعبيرك فجأة… عندما أخبرتك أنني لست صديقًا للمدير إيلاريس؟”
لم يتردد دان في الإجابة، عيناه تلمعان بتركيز:
“لأنك تعرف عن مغتال الفراغ.”
رفع الرجل حاجبه بخفة خلف القناع:
“وحتى لو كنت أعرف… ما الغريب في ذلك بعد الحادث اصبح جميع يعرف عن مغتال الفراغ؟”
أجاب دان بنبرة جدية، وصوته منخفض لكنه حاد:
"غير صحيح لا احد يعرف انه مغتال الفراغ فقط مخلوق من الفراغ"
واصل دان كلامك
“المدير بنفسه قال إنه لم يرَ مغتال فراغ بعينيه قط. بل سمع عنه فقط من شخص آخر. فكيف لرجل يقول إنه لا يعرف المدير، أن يعرف ما لم يعرفه المدير؟”
ساد الصمت لحظة قصيرة، ثم أومأ الرجل بتقدير:
“تحليل منطقي. نعم… أنت محق. أنا لست شخصًا عاديًا.”
ثم أكمل، نبرته أكثر جدية:
“ولأكون صريحًا، لم أرد قتلك منذ البداية. لكنني كنت جادًا بشأن رغبتي في البقاء مجهولًا. لا أريد أن يعرف أحدٌ عني.”
توقّف، ثم نظر إلى دان نظرة مباشرة وقال:
“إن وعدتني ألا تخبر أحدًا بوجودي هنا… فسأدعك وشأنك، يا فتى. ما رأيك؟”
لكن دان هز رأسه ببطء، وابتسم بسخرية خفيفة، وقال ببساطة:
“أنا آسف… لكن من المحال ألا أخبر المدير."
لم يتغيّر تعبير الرجل رغم كلمات دان الصارمة. فقط أغمض عينيه للحظة، ثم قال بنبرة هادئة:
“هذه… مشكلة.”
فتح عينيه مجددًا، وأخذ يتأمل دان كمن يعيد تقييمه، قبل أن يواصل:
“لكن، بدلًا من حلّها بالعنف…”
رفع نظره إلى السماء قليلاً، كمن يفكر بصوت مسموع:
“ماذا لو عقدنا صفقة، يا دان نوكتاين؟”
رمش دان ببطء، وتوجّس من النبرة الهادئة التي لا توحي بالتهديد ولا بالثقة.
تابع الرجل
“لديّ بعض التقنيات، بعض الأساليب… التي لن تجدها في الأكاديمية.”
ثم التفت إليه، وقال بنبرة أثقل:
“ما رأيك أن أعلّمك شيئًا منها؟ ليس من باب اللطف، بل مقابل بسيط: لا تخبر أحدًا عن وجودي هنا.”
ظلّ دان صامتًا لوهلة، يتأمل هذا العرض غير المتوقّع. ورغم الحذر الذي تملّكه، لم يستطع أن يُخفي بريق الفضول في عينيه.
تبادل الاثنان النظرات، قبل أن يقطب دان حاجبيه ويسأل بنبرة حذرة:
“هل لي أن أعرف… لماذا ستبقى في هذا المكان لفترة؟”
أجاب الرجل وهو يشيح بنظره نحو الأطلال المحترقة:
“جئت فقط لرؤية موقع القتال… الآن.”
ثم أضاف، وكأنه يبرر وجوده:
“لكن السبب الحقيقي لبقائي… هو أن حاجز الأكاديمية قد تفعّل.”
اتسعت عينا دان قليلًا، فسأله بفضول:
“وهلّا أخبرتني كيف دخلت في المقام الأول؟”
اكتفى الرجل بهز كتفيه، وقال ببرود:
“هذا غير مهم.”
تنهد دان مطولًا، ثم تمتم وهو ينظر إلى الأفق:
“على ما يبدو، حاجز الأكاديمية يحتاج إلى تحديث.”
ضحك الرجل بخفة وقال:
“لا داعي لهكذا تفكير. الحاجز صُمم لمنع المخلوقات غير البشرية، أو أولئك الذين أقاموا عقدًا مع الشياطين. ورغم ذلك… يمكن اختراقه. ليس بالأمر السهل، لكن يمكن… إن كنت بشريًا.”
سكت قليلًا، ثم نظر إلى دان نظرة جانبية:
“سؤال يراودني منذ لحظة… لو لم أصد تلك القطرات الدموية، كيف كنت ستتصرّف؟”
أجاب دان بابتسامة هادئة:
“كنت سأموت فحسب.”
تغيرت نبرة الرجل وهو يسأل بدهشة:
“هل… أنت جاد؟”
أومأ دان بثبات:
“فكر في الأمر، لو كنت تنوي قتلي، كنت سأموت على كل حال. فلا فرق إن متّ بسيفك… أو بتلك القطرات.”
ضحك الرجل بخفة، هز رأسه وهو يقول:
“أنت حقًا… فتى غريب.”
ثم تابع بعد لحظة:
“لكن لا بأس… ما رأيك إذًا؟ هل تقبل اقتراحي؟”
ابتسم دان، وقال بنبرة فيها شيء من التحدي:
“سأرى إن كان لديك شيء يستحق التعلّم… لكن، فلْتعلم شيئًا…”
تقدّم منه خطوة، وصوته يتغيّر:
“إن كانت نيتك إلحاق أي ضرر بالأكاديمية… فلن أسمح بذلك.”
ابتسم الرجل، تلك الابتسامة الهادئة التي يصعب قراءتها، ثم قال:
“يبدو ان الارتعاش في يديك قد توقف اخيراً"
سكت دان للحظة، ثم قال:
“إذا فقد لاحظت ذلك"
ثم قال متنهداً
بالمناسبة… لم تعطني اسمك حتى الآن.”
توقف الرجل، ثم رفع رأسه قليلًا نحو القمر، وقال بنبرة غامضة:
“يمكنك مناداتي… بالذئب الوحيد."
ملاحظة المؤلف:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ارجوا ان تعجبكم الرواية حتى الآن يرجى ترك تعليق وإبداء رأيكم في الرواية وشكراً.