كانت الشمس قد بدأت بالزحف إلى أعالي السماء حين دخل دان قاعة الدرس لأول مرة منذ عودته. كان الفصل واسعا، يتّسع لعشرات المقاعد المرتّبة في صفوف شبه دائرية تُواجه منصة صغيرة يقف عليها المدرسون.
اختار دان مقعدًا في الصف الثالث، قريبًا من الحافة، وجلس بصمت. لم يكن أحد إلى جواره. أخرج دفترا صغيرًا من حقيبته ووضعه على الطاولة، ثم أسند ظهره إلى الكرسي، ينتظر بداية الدرس.
بدأ الطلاب يدخلون تباعًا، بعضهم تبادل التحية، آخرون اختلسوا النظر إليه، وبدأت الهمسات تتسلل عبر المقاعد كما تتسلل الرياح من نافذة مواربة.
“انظر… إنه دان نوكتاين.”
“لا يبدو قويًا لهذه”
“ربما نجا بالحظ، من يدري؟”
“أهذا ممكن؟! المخلوق كان يقاتل المدير نفسه، كيف نجا؟”
أخفض دان بصره إلى الدفتر أمامه، ثم تمتم في نفسه:
“يا رفاق… يمكنني سماعكم، تعلمون ذلك، أليس كذلك؟”
لم يكن مضطرًا للنظر إليهم ليتأكد من أنهم يتحدثون عنه. الكلمات كانت واضحة، والفضول في أعينهم لا يمكن إنكاره.
لكن كل ذلك توقف فجأة عندما فُتح باب القاعة بصوت مميز.
دخل رجل طويل القامة، نحيف البنية، يرتدي بذلة رسمية داكنة بعناية مفرطة، ونظارات دقيقة الإطار تلمع تحت ضوء النوافذ. كانت خطواته هادئة، لكنه مشى بثقة كاملة، كما لو أن كل من في القاعة يدين له بالاحترام مسبقًا.
توقف عند طرف المنصة، ومرر نظرة فاحصة على الوجوه، ثم قال بصوت عميق ومتّزن:
“صباح الخير، أيها الطلاب.”
ساد الصمت على الفور.
“لمن لا يعرفني، أنا الأستاذ هوكينز. أُدرّس مادة المهارات، وسنواصل اليوم ما بدأناه سابقًا.”
رفع ورقة صغيرة من على المنصة، ثم أنزلها مجددًا، ونظر إلى الصفوف:
“لنبدأ بسؤال بسيط… من يمكنه أن يشرح لي، ما هي المهارات؟”
بدأت الأيدي ترتفع واحدة تلو الأخرى. من بينها دان لمح يد “إيلينا” ترتفع بثقة، إلى جانب عدد من الطلاب الآخرين الذين بدوا متحمسين للإجابة.
لكن الأستاذ لم يختَر أحدًا منهم.
بل وجّه نظره نحو دان مباشرة.
“دان نوكتاين… فلنسمع منك. ما هي المهارات؟
تجمّد دان لوهلة. لم يكن يتوقّع أن يُستهدف في أول دقيقة من الحصة، خاصة من أستاذ لم يسبق له لقاؤه.
رفع رأسه ببطء، وحدّق في عيني الأستاذ المتفحصتين، ثم قال بصوت متماسك، هادئ، لكن يحمل شيئًا من الحذر:
المهارات هي قدرات خاصة تُستخدم لتوجيه المانا، سواء كانت عنصرية أو جسدية. بعضها يُكتسب بالتدريب والمثابرة، وبعضها يظهر تلقائيًا عندما يصل المستخدم إلى مستوى معين من القوة أو النضج. يمكن أن تكون هجومية، دفاعية، أو داعمة، وتختلف فعاليتها باختلاف الشخص الذي يستخدمها، ومدى توافقها مع طبيعته.
ساد الصمت لبرهة قصيرة، لم يُسمع فيها سوى صوت أنفاس الطلاب المترقبة.
ثم قال الأستاذ هوكينز، وهو يومئ برأسه ببطء:
“إجابة دقيقة… "
لم يُفسّر ما الذي كان يتوقّعه، بل انتقل مباشرة إلى متابعة الدرس، كأنما أراد اختبار دان فقط.
في هذه اللحظة، بدأت الحصة تأخذ منحًى أكثر جدية، وبدأ الأستاذ يشرح أنواع المهارات، وكيفية تصنيفها بحسب درجات الإتقان، ومدى ندرتها.
أما دان… فقد استمر بالاستماع إلى الدرس، يحاول التركيز على تصنيفات المهارات ومستوياتها، لكن أذنه كانت تلتقط بين الحين والآخر همسات لا تزال تلاحقه.
كان الأستاذ هوكينز قد بدأ بتوضيح الفرق بين المهارات الفطرية والمكتسبة، حين ارتفع صوت من أحد الصفوف الخلفية، حادٌّ وواضح بما يكفي ليقطّع مجرى الشرح:
“كل هذا جيد، لكن… لا أظن أن التهويل بشأن المهارات دائمًا في محله.”
التفتت بعض الرؤوس. لم يكن الصوت غريبًا على الجميع.
قال الأستاذ بهدوء:
“هل لديك اعتراض يا… زيغلر؟”
ابتسم الشاب الذي تحدث، شابٌ أشقر الشعر، عيناه بلون العقيق، ويمتلك هالة من الغرور الطبيعي في طريقته بالكلام والجلوس. كان يرتدي زي الأكاديمية مع شارة حاملي الرتبة الذهبية.
“ليس اعتراضًا، أستاذي. مجرد ملاحظة. هناك مَن يمتلكون مهارات نادرة، لكن هذا لا يعني أنهم أهل لها.”
نظر إلى الأمام، مباشرة باتجاه دان، ولم يكن في نظرته أي ود.
“أحيانًا… يتم تضخيم الأمور فقط لأن شخصًا ما نجا من الموت، أو لأن اسمه ارتبط بحادث مثير.”
ساد الصمت في القاعة، وبدأ التوتر ينتشر في الأجواء.
ظل دان جالسًا في مكانه، لكنه رفع عينيه ببطء، والتقت نظراته بنظرة زيفار.
“هل لديك شيء تود قوله لي مباشرة؟” قالها دان بنبرة منخفضة، لكنها واضحة.
أجاب زيغلر بابتسامة باردة:
“ليس حقًا. أنا فقط لا أحب رؤية الأكاديمية تتحول إلى مسرح للشائعات… أو الأساطير المصنوعة.”
تدخّل الأستاذ هوكينز، وقد أصبح صوته أكثر حزمًا:
“هذا يكفي. هذا درس نظري، وليس حلبة نقاشات شخصية. إن كنتم تريدون إثبات أنفسكم، فافعلوا ذلك في حصة التطبيق القادمة.”
أدار زيفار وجهه ببطء نحو الأستاذ، وقال بنبرة مطيعة ظاهرًا:
“كما تشاء، أستاذي.”
لكن قبل أن تعود الأمور إلى هدوئها، تمتم بخفوت كافٍ ليسمعه دان فقط:
“سأجعل الجميع يرون الفرق بين من صنع نفسه… ومن صُنع لأجل العرض.”
لم يُجبه دان. فقط أستمر بالاستماع للحصه حتى انتهت
في الحصة التالية ، اجتمع الطلاب في ساحة التدريب التابعة للأكاديمية. كانت الساحة واسعة ومحاطة بحواجز طاقية شفافة تفصل كل مجموعة تدريبية عن الأخرى، تمنع تأثير المهارات من الامتداد خارج النطاق المخصص.
وقف دان في طرف الساحة المخصصة لفصله، عاقدًا ذراعيه بصمت، ينظر إلى الرجل الذي دخل لتوّه بخطى ثابتة.
“هذا الوجه…”
أدرك دان فورًا من هو.
الأستاذ الذي رآه يُقتل على يد مغتال الفراغ…مع الأستاذة سيرينا. مشهد موتهما محفور بوضوح في ذاكرته.
وقف الأستاذ أمام الصف، كان طويل القامة، ذا بنية صلبة، وشعر أسود مربوط إلى الخلف. عيناه الحادتان كانتا تلمعان بتركيز يشبه المحاربين، وصوته عميق يحمل شيئًا من الثقة الصارمة.
“صباح الخير، طلابي.”
ساد الهدوء، وكأن حضوره وحده فرض الصمت.
“أنا الأستاذ جاك، وسأتولى تدريبكم العملي. لن أشرح كثيرًا، فأنتم لستم هنا لتسمعوا كلامي… بل لتجربوا بأنفسكم.”
مرّ بنظره على وجوههم، ثم تابع:
“ساحة التدريب هذه مخصصة لتقييم مستواكم، ولتعلم كيف تقاتلون في ظروف مشابهة للواقع.”
خطى خطوة إلى الوراء وقال:
“سنبدأ اليوم باختبارات فردية. سأراقب أداء كل طالب، لكن… إن كان بينكم من يعتقد أن الكلام لا يكفي لإثبات النفس، فيمكنه أن يطلب نزالًا مباشرًا.”
حين قال كلمته الأخيرة، ابتسم زيفار، ولم ينتظر أكثر.
رفع يده، ثم قال بصوت مرتفع:
“في هذه الحالة، أود أن أطلب نزالًا مع دان نوكتاين.”
بدأ الهمس ينتشر بين الطلاب، تمامًا كما حدث في قاعة الدرس بالأمس.
نظر الأستاذ جاك إلى زيفار بجدية، ثم إلى دان.
“دان نوكتاين، هل تقبل التحدي؟”
توجهت كل الأنظار إلى دان، الذي لم يتحرك بعد. لكنه لم يكن متفاجئًا. لم يكن عليه أن يسمع اسم التحدي، فقد شعر به قادمًا منذ لحظة دخوله الساحة.
رفع رأسه أخيرًا، وعيناه ثابتتان في وجه زيفار، ثم قال بهدوء:
“أقبل."
تحرك الطلاب مبتعدين عن مركز الساحة، تاركين مساحة كافية للقتال. الحاجز الطاقي بدأ يضيء بلون أزرق خافت، يدلّ على بدء التفعيل.
وقف زيفار في الجهة المقابلة لدان، يبتسم ابتسامة ساخرة.
“أردت دومًا أن أرى أن كان لديك شيئًا يستحق فعلاً كل هذا الكلام.”
لم يرد دان، فقط استعد للنزال.
الأستاذ جاك وقف على الحافة، يراقب دون أن يتدخل، ثم قال بصوت واضح:
“سيكون القتال بسيوف خشبية. كل منكما سيحمل سيفًا من هذا النوع. لا تستهينوا بها… فهي مصنوعة بطريقة خاصة خاصة تحاكي وزن السيوف الحقيقية وقوتها، وإن كانت أقل ضررًا.”
رفع أحد السيوف ليُريهم إياه، كان بنيًّا داكنًا، ذا لمعان خفيف، ونقوش محفورة بدقة على المقبض.
“القواعد بسيطة… من يتمكن من إسقاط خصمه أرضًا أو نزع سلاحه يُعد فائزًا. لا يُسمح باستخدام العناصر أو المهارات، فقط المهارة الجسدية والروح القتالية.”
نظر إلى دان ثم إلى الطالب الآخر زيغلر وأشار لهما بالتقدّم.
“هل أنتما مستعدان؟”
دان تقدّم بخطى ثابتة، بينما خصمه لم يخفِ ابتسامته المتعالية.
همس وهو يُعدّل قبضته على السيف:
سأجعلك تندم على كل تلك النظرات المتكبرة التي تحملها.”
لم يردّ دان، فقط حدّق فيه للحظة، ثم اتخذ وضعية استعداد هادئة.
الأصوات في الساحة تلاشت، التوتر تصاعد، وعيون الطلاب كانت كلها مركّزة على هذين الاثنين.
ثم…
“ابدأوا."
تحرّك الخصم أولاً، اندفع بسرعة خاطفة، وسيفه الخشبي يصفّر في الهواء بانسيابية توحي بتدريب طويل. صدّ دان الضربة الأولى بصعوبة، وارتدّ إلى الخلف نصف خطوة، يكاد يفقد توازنه.
ضحك خصمه بخفة، ثم قال بسخرية وهو يهاجمه مجددًا:
“حقًا؟ هذا كل ما في جعبتك؟”
لم يُجب دان، لكن جسده كان يتحرّك… بحذر، باتزان، وعيناه تراقبان تحرّكات الخصم أكثر مما تحاول الردّ.
مرة بعد مرة، كان يتفادى الضربات بزاوية غير متوقعة، يرفع السيف من موضع غير معتاد، يتحرك ببطء ثم ينقض فجأة… لكن رغم ذلك، لم يكن الأفضل.
كان واضحًا… دان لا يمتلك أساسيات القتال الجسدي كما يجب. خطواته ليست رشيقة كفاية، قبضته على السيف تحتاج صقلًا، وكل صدّ يقوم به يكشف فراغًا في دفاعه.
ضحك الخصم، ثم قال بصوت يسمعه الجميع:
“هذا هو من نجا من مخلوق الفراغ؟ لا يبدو أنه يستطيع النجاة من درسي الأول له"
لكن دان لم يجب، فقط تنفّس ببطء، وعيناه لا تزالان تراقبان كل حركة، كأنه ينتظر شيئًا ما…
حتى جاءت اللحظة الفاصلة.
ضربة مباشرة إلى جانبه، لم يحاول تفاديها.
سُمِع صوت ارتطام عنيف، تلاه صوت طقطقة مريعة.
شهق بعض الطلاب:
“كسر ضلعه؟!”
انحنى دان من الألم، وسقط على ركبته، يتنفّس بصعوبة. بدا وكأنه انتهى.
رفع الخصم سيفه، مستعدًا لتوجيه الضربة الأخيرة.
لكن دان… تحرّك.
في ومضة، اندفع للأمام رغم الألم، انزلق على الأرض نصف متر، ثم استدار ضاربًا ساق الخصم من الجانب، فأفقده توازنه وأسقطه أرضًا.
قبل أن ينهض الخصم، كان سيف دان الخشبي مرفوعًا فوق عنقه.
ساد الصمت.
ثم دوّى صوت الأستاذ جاك بوضوح:
“الفائز… دان نوكتاين.”
حدّق الجميع بدهشة، وبعضهم بصمت متوتر، وآخرون بذهول.
أما دان، فظل واقفًا للحظة، ثم أنزل سيفه ببطء، ضاغطًا على ضلعه المصاب، لكنه… ابتسم