تجمّد زيغلر في مكانه، أنفاسه تتسارع، وعيناه تتقلبان بين سيف دان المرفوع فوقه ووجوه الطلاب من حوله.
ثم دفع السيف جانبًا ونهض غاضبًا، صائحًا:
“لقد أخفضتُ دفاعي لأنني اعتقدتُ أن دان قد خسر! كان واضحًا أنه لا يستطيع الوقوف! هذا ليس نصرًا حقيقيًا!”
رفع دان رأسه ببطء، تكلم مع زيغلر للمرة الأولى، وتحدث بصوت هادئ، مشوب بالألم، لكنه واضح وحاد كالشفرة:
“كم أنت ساذج…”
سكت لحظة، ثم أضاف وهو يثبت نظره في عيني خصمه:
“هل تعتقد أن خصمك في معركة حقيقية سيتوقف لأنك خفضت دفاعك؟ بعد كل ذلك الكلام… اتضح أنك مجرد فمٍ كبير.”
عمّ الصمت، لكن التوتر ارتفع فجأة كشرارة على وشك إشعال حريق.
احمرّ وجه زيغلر من الغضب، وصرخ:
“أتجرؤ؟!”
رفع سيفه الخشبي مجددًا، وهذه المرة اندفع نحو دان… لكن سيفه كان يشتعل، تتراقص عليه ألسنة نار خافتة، تنذر بخطر حقيقي.
في تلك اللحظة، وقبل أن يقترب أكثر، مد الأستاذ جاك يده وأمسك بذراعه بقوة.
قال بصوت منخفض، لكنه حازم كالحديد:
“زيغلر. لقد خسرت بالفعل.”
حاول زيغلر التملص، صائحًا:
“لكنه استغلّ أنني توقفت للحظة! هذا غش!”
لكن جاك لم يمنحه فرصة للإكمال. قاطعه بصوت حاد:
“زيغلر… لقد خسرت بالفعل. في أرض المعركة، لا أحد يمنحك لحظة شفقة. إن كنت ستخسر لأنك توقفت، فالخطأ منك. تعلّم كيف تتقبل الخسارة… من دون أعذار واهية.”
ثم أضاف بنظرة باردة:
“وإشعالك للعنصر هنا… تصرّف أحمق آخر.”
سحب زيغلر ذراعه بقوة، وأدار وجهه بعنف، مغادرًا الساحة بينما النار تتلاشى عن سيفه.
بعض الطلاب نظروا إليه باستياء، والبعض الآخر نحو دان بعيون مختلفة… هذه المرة، لا يحملها الفضول فقط، بل شيء من الاحترام… أو الحذر.
أما دان، فظل جاثيًا على ركبته، يتنفّس ببطء، قبل أن يتمتم بسخرية مريرة:
“رائع… لم أخرج من المشفى منذ مدة، ويبدو أنني سأعود مجددًا."
أما دان، فظل جاثيًا على ركبته، يتنفّس ببطء، قبل أن يتمتم بسخرية مريرة:
“رائع… لم أخرج من المشفى منذ مدة، ويبدو أنني سأعود مجددًا.”
اقترب منه الأستاذ جاك، ووقف أمامه قائلاً بنبرة هادئة، لكن تحمل تقديرًا واضحًا:
“أحسنت عملاً، دان. يمكنك الذهاب لتلقي العلاج.”
أومأ دان برأسه ببطء، ونهض متثاقلاً وهو يضغط على ضلعه المصاب، ثم غادر الساحة بخطوات مترددة نحو المشفى.
وفي الطريق، تمتم في نفسه، دون أن يحاول إخفاء ضيقه:
“لقد فزت بالحظ البحت… لو كان نزالاً حقيقيًا، لن يكون لديّ أي فرصة ضده. لو أنني لم أستغل تلك اللحظة التي خفّض فيها دفاعه… لكنت أنا الخاسر بلا شك."
دخل دان مبنى المشفى بخطوات ثقيلة، جدران الممرات البيضاء الباهتة ورائحة المنظفات أعادت له شعورًا مألوفًا… لكنه لم يكن بالضرورة مريحًا.
في نهاية الممر، كان هناك رجل في منتصف العمر، ذو قامة متوسطة وكتفين منحنيين قليلًا من الإجهاد، يجلس خلف مكتب بسيط. لحيته الخفيفة غير المهذبة دلّت على أنه لم يحلق منذ أيام، إن لم تكن أسابيع. وحين وقعت عيناه على الداخل، تجهّمت ملامحه على الفور.
“يا ولد… ما الذي جلبك إلى هنا هذه المرة؟”
ابتسم دان رغم الألم، واقترب ببطء وهو يقول بنبرة ساخرة:
“في الواقع… أعجبتني فترة الإقامة هنا، فقلت لنفسي: لمَ لا أعود مجددًا؟ نوع من الحنين، كما تعلم.”
قطّب الطبيب حاجبيه ونظر إليه بحدة:
“هل يمكنك أن تعامل جسدك بشكلٍ أفضل؟ لم يمضِ على خروجك يومان، وتعود بهذه السرعة؟”
رد دان، وهو يجلس على السرير بهدوء:
“كنت سأحاول… لكن يبدو أن أحدهم لم يرغب بذلك.”
اقترب الطبيب منه وبدأ يفحصه دون أن يرد، وضع يده برفق فوق موضع الألم عند الجانب الأيمن من صدره، وضغط قليلًا بأصابعه الخبيرة.
شهق دان وكتم أنفاسه، ثم تمتم من بين أسنانه:
“أوه… هذا مؤلم أكثر من المرة الماضية.”
قطّب الطبيب حاجبيه، وأخرج تنهيدة طويلة:
“رائع… هذه المرة كُسر ضلعك.”
نظر إليه دان ببطء، وكأن الألم صار أوضح بمجرد سماع الكلمات.
تابع الطبيب بلهجة صارمة:
“لقد امضيت شهراً في المشفى بسبب إصابة مميتة، والان ما لديك الآن… كسر واضح في أحد الأضلاع. هل كنت تتقاتل بسيوف حقيقية؟”
رد دان، وهو يتنفس بصعوبة ووجهه يشحب:
“سيوف خشبية… لكن أعتقد أن الطالب الآخر ينام وسط الأشواك.”
هز الطبيب رأسه وأطلق زفيرًا غاضبًا:
“هذا ليس وقت المزاح، دان. كسر في الضلع قد يسبب ضررًا للرئة إن تحركتَ كثيرًا. ستُمنع من أي تدريب لمدّة لا تقل عن أسبوعين… هذا إن أردت الشفاء بدون مضاعفات.”
تأوه دان وهو يمدد ظهره ببطء على السرير، ثم قال ساخرًا:
“أسبوعين؟… هذا رسميًا أكثر وقت سأقضيه بلا حوادث.
لم يستطع الطبيب كتم ابتسامة خفيفة، لكنها تلاشت بسرعة، وقال:
“سأعطيك جرعة لتخفيف الألم، لكن لا تحلم بالعودة إلى التدريب قريبًا. أنت بحاجة إلى الراحة التامة… مفهوم؟”
تنهّد دان وأدار وجهه إلى السقف:
“أسبوع… نتيجة قتالًا مدته دقيقتان.”
كتب الطبيب شيئًا في سجلّه، ثم قال:
“دقيقتان كانت كافية لترضيك عن العودة إلى المشفى؟”
أجاب دان، بنصف ابتسامة باهتة:
“في الواقع… لا. لكن على الأقل، أنا حي.”
توقّف الطبيب عن الكتابة، ونظر إليه للحظة طويلة، ثم قال بنبرة منخفضة، أكثر جدية:
“احرص على أن تظل كذلك… لأنك لا تملك ترف المجازفة، دان.”
تلاقت نظراتهما لوهلة، قبل أن يدير دان عينيه بعيدًا ويتمتم، وكأن الحديث كان أثقل مما توقّع:
“أعلم…
تمدد دان على السرير بهدوء، يتأمل السقف بشحوبٍ خفيف، ثم قال بنبرة مازحة:
“بالمناسبة، يا دكتور… كيف يمكن أن كسرًا في الضلع يستغرق أسبوع للشفاء، بينما ثقبًا في جسدي استغرق شهرًا فقط وعدت كما أنا؟ لا ندوب، لا علامات… كأن شيئًا لم يحدث.”
رفع الطبيب رأسه عن ملاحظاته ونظر إليه بحدة، وقال بانزعاج:
“الإنسان الطبيعي يستغرق ستة أسابيع للشفاء من كسر في الضلع. لكنك محظوظ. الدواء الذي سأعطيك إياه سيسرّع العملية كثيرًا، ويقلّصها إلى أسبوعين تقريبًا… إن التزمت بالراحة.”
أومأ دان ببطء، ثم تنهد قائلاً:
“هذا مقنع… لكن ما زلتُ غير قادر على فهم إصابتي الأولى. النجاة بحد ذاتها كانت مستحيلة…”
توقف قليلًا، ثم أردف بنبرة أكثر جدية:
“لماذا لم أمت وقتها؟”
صمت الطبيب لحظة، ثم قال وهو يعيد قنينة صغيرة إلى الرف:
“ذلك… بسبب القطعة الأثرية التي استخدمها إيلاريس.”
أوما دان كان يعرف عن القطعة الأثرية التي استخدمها المدير لانقاذه
“ماهي طبيعة هذه القطعة الأثرية ”
أومأ الطبيب وهو يجلس على الكرسي القريب منه، يتحدث بنبرة أكثر هدوءًا:
“قطعة نادرة قادرة على إيقاف الزمن… وقد استخدمها على جسدك تحديدًا. جمدت نشاط جسدك بالكامل لمدة ساعة… ساعة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لإنقاذك. من دونها، لم يكن لشيء أن ينفع.”
نظر دان إلى الطبيب، قبل أن يتمتم:
“…توقف الزمن؟”
أجاب الطبيب وهو يضع يده على جبينه، وقد بدأ صوته يميل إلى التوتر:
“هل لديك فكرة عن كمّ المال والموارد التي أُنفقتها كل من الأكاديمية وعائلة نوكتاين لإنقاذ حياتك؟ ناهيك عن استخدام قطعة أثرية نادرة لا تُقدّر بثمن. كل هذا… من أجل فتى لا يعرف كيف يحافظ على ضلوعه من الكسر.”
ارتفعت زاوية فم دان بابتسامة خفيفة، وقال بصوت ساخر:
“يبدو أنني صرت استثمارًا باهظًا… من الأفضل ألا أموت قريبًا.”
رد الطبيب بتهكم، وهو يعيد أوراقه إلى الملف الطبي:
“فكرة ممتازة… لمَ لا تلتزم بها هذه المرة؟”