بعد خروجه من العيادة، توجّه دان حيث يقع مكتب المدير.

وحين وصل، دخل دان بعد ان سمح له الحراس.

دخل دان بخطوات مترددة إلى الغرفة الواسعة ذات الجدران المليئة بالكتب القديمة، والأدوات الغريبة التي تومض بهدوء. كان إيلاريس جالس على مكتبة،

قال بصوته الهادئ العميق.

“مرحبًا، دان. كنت بانتظارك.”

توقف دان للحظة، ثم انحنى قليلًا وقال:

“شكرًا لمنحي هذه الفرصة… مدير إيلاريس.”

استدار إيلاريس أخيرًا، وابتسامة خفيفة تعلو وجهه ,أشار له بالجلوس، ثم جلس هو على كرسي مقابل، وأخذ نفسًا عميقًا.

“العناصر العادية—كالنار، الماء، الرياح، وغيرها—تعتمد على تحويل الطاقة السحرية إلى ظواهر مادية أو طبيعية. أما العناصر الخاصة… فهي تتلاعب بقوانين العالم نفسه.”

ساد الصمت لحظة، قبل أن يميل إيلاريس للأمام قليلاً ويقول:

“عندما كنت أقاتل مغتال الفراغ… هل تتذكّر كيف كان يتحرك؟”

أومضت عينا دان قليلاً وهو يتذكر، ثم قال:

“كان يختفي… ويظهر فجأة في مكان آخر. لم أستطع حتى تتبّع حركته.”

أومأ إيلاريس:

“بالضبط. هذه إحدى قدرات عنصر الفضاء. الانتقال الأني.”

صمت ثانية، ثم أردف:

“لكن لا تظن أن الأمر بسيط. استخدام هذه القدرة يتطلب فهمًا عميقًا جداً لطبيعة المكان، وتقديرًا دقيقًا للمسافة، والطاقة، والنقاط المرجعية.”

نظر دان إلى يديه للحظة، كأنه يتخيل ما سيكون قادرًا عليه في المستقبل، ثم رفع عينيه مجددًا وقال:

“هل يمكنني تعلم ذلك أيضًا؟”

ابتسم إيلاريس ابتسامة غامضة، وقال:

“هذا ما سنحاول اكتشافه… من اليوم فصاعدًا.

تردّد دان للحظة، ثم سأل بفضول لم يستطع كبته:

“بما أنك تمتلك عنصر الفضاء… هل يمكنك الانتقال الاني بنفسك؟”

هزّ إيلاريس يديه في الهواء بخفة، وقال بنبرة هادئة:

“كلا. موهبتي في عنصر الفضاء ضعيفة جدًا. شيء معقّد كالانتقال اللحظي… غير ممكن بالنسبة لي.”

توقف لحظة، ثم ابتسم بفخر خفيف وأضاف:

“لكن، هناك شيء آخر يمكنني فعله.”

أخرج قلمًا صغيرًا من جيبه، ورفعه أمام دان. وفي لحظة، اختفى القلم من يده… كأنه لم يكن موجودًا أبدًا.

اتسعت عينا دان بدهشة.

لاحظ إيلاريس ردة فعله، فضحك قليلاً وقال:

“إحدى قدرات عنصر الفضاء هي القدرة على إنشاء بُعد جيبي. مساحة منفصلة عن العالم المادي… يمكن فيها تخزين ما تريد.”

أشار بيده إلى الفراغ:

“البُعد الجيبي الذي أملكه ليس بذلك ، لكنه مفيد جداً في المهام السريعة أو في أثناء القتال.”

ثم نظر إلى دان نظرة فيها مزيج من الجدّية والتوقع، وقال:

“لكن في حالتك… بما أن موهبتك في عنصر الفضاء قوية جدًا، فستكون قادرًا على إنشاء بُعد جيبي أكبر بكثير من الذي أملكه أنا.”

ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يرفع دان عينيه نحو المدير، مترددًا، ثم قال:

“إذا كان بالإمكان إنشاء بُعد جيبي… فهل من الممكن، نظريًا، فعل شيء مثل… اختراق الجدران؟ أو الأرض؟”

تغيّرت ملامح إيلاريس فورًا، وتلاشت ابتسامته ليحل محلها نظرة أكثر جدية.

“في الواقع، هذا ممكن.”

شدّ دان انتباهه أكثر، لكن إيلاريس تابع بصوت منخفض حذر:

“لكن… حتى وإن كان ممكنًا، فهذا خطر جدًا ولا يستحق المخاطرة.”

انحنى قليلاً للأمام وأردف:

“لكي تمرّ عبر الجدار باستخدام عنصر الفضاء، عليك أن تُحوّل جزءًا من جسدك إلى البُعد الجيبي، وتُعيده في الجهة الأخرى. ولكن… إن أخطأت في الحسابات، أو في تحديد الموقع بدقة… فقد تعود وتجد أن يدك أو صدرك أو رأسك داخل الجدار.”

رفع إيلاريس إصبعه مؤكدًا:

“وعندها… سيُسحق جسدك ببساطة داخل الجدار الصلب الامر قاتل وفوري.”

ارتجف جسد دان قليلاً وهو يبتلع لعابه، لم يستطع منع نفسه من تذكّر ذلك الشعور المرعب… عندما استعمل عنصر الفضاء لأول مرة.

لاحظ إيلاريس ذلك، فقال بصوت هادئ:

“حتى مغتال الفراغ لم يستخدم هذه التقنية أثناء القتال… لأن نسبة الخطأ فيها عالية جدًا، خصوصًا في وسط المعارك. ببساطة، الأمر لا يستحق.”

ثم نهض من مكانه، واقترب من دان، ووضع يده على كتفه:

“حاليًا، ما تحتاج إليه هو أن تتعلم كيف تُنشئ بُعدًا جيبيًا. هذا سيكون خطوتك الأولى نحو فهم عنصر الفضاء، دون مخاطرات غبية.”

أومأ دان برأسه ببطء، قائلاً بصوت منخفض:

“فهمت… لا اختراق للجدران.”

ضحك إيلاريس أخيرًا، وقال:

“جيد. لنبدأ بالخطوة الأولى.

قال إيلاريس وهو يسير بخطى بطيئة في الغرفة:

“أولاً… عليك أن تبدأ باستعمال عنصر الفضاء بشكل واعٍ. استشعر المانا داخلك، ثم حرّك كمية صغيرة منها… ببطء.”

توقف، وأكمل وهو يشير بيده:

“تخيّل مكعّبًا أمامك، وابدأ بضخّ المانا إلى داخله. ما تفعله في الواقع هو محاولة خلق فجوة داخلية—شق صغير يخترق نسيج الفضاء.”

أشار بأصابعه في الهواء، كأنه يرسم ما يقوله:

“هذا الشق… حين يفتح، سيصنع مساحة خارجية، منفصلة عن هذا العالم. تلك هي البداية لبُعد جيبي.”

ابتسم بخفة وأضاف:

“أعلم أن كل هذا يبدو معقدًا. وهذا طبيعي… أعني، رغم أنني عبقري، فقد استغرقتُ ستة أشهر كاملة حتى أنشأت بُعدًا جيبيًا صغيرًا… أصغر من أن يستوعب حتى قلمًا.”

ضحك وهو يهزّ رأسه:

“لذلك، لا داعي لأن تشعر باليأس، لديك الكثير من الوقت لت—”

توقف فجأة.

بقي ينظر إلى دان، وعيناه تتسعان تدريجيًا.

كان دان واقفًا هناك، يده مرفوعة قليلًا أمامه، ودوامة صغيرة من الضوء الخافت تدور في الهواء أمامه… قبل أن تنفجر كنقطة وتنفتح في منتصفها مكعب صغير… بُعد جيبي.

فتح دان عينيه، ونظر إلى الدوامة بثبات، ثم إلى إيلاريس وقال بنبرة هادئة:

“حسنًا… أنشأته. ماذا بعد؟”

ظلّ إيلاريس يحدق فيه بفمٍ مفتوح، كأن الكلمات علقت في حلقه.

رفع إصبعه، أشار إلى دان، ثم تمتم:

“…مهلاً… مهلاً… ماذا؟ كيف… كيف فعلت ذلك؟”

رفع دان حاجبه باستغراب:

“اتّبعت تعليماتك فقط. تخيّلت المكعب وضخّيت المانا… هل أخطأت في شيء؟”

حدّق فيه إيلاريس لثوانٍ، ثم قال بانفعال:

“أنا… استغرقتُ ستة أشهر! ستة! وأنت… فعلتها خلال دقائق؟!”

ابتسم دان بتوتر، وحكّ مؤخرة رأسه:

“ربما… الحظ؟”

حدّق فيه إيلاريس بذهول، ثم قال بصوت منخفض وكأنما يكلم نفسه:

“يا للعنة… هذا ليس طبيعيًا."

فكر دان في نفسه.

لأنني

اختبرت

شعور

أن

يُسحق

جسدك

بالكامل

داخل

الأرض

.

يبدو

أنني،

دون

قصد،

كنت

أحاول

إنشاء

بعد

جيبي

حول

جسديبالكامل

في

تلك

اللحظة

تنهد بصوت خافت، وتغيم عيناه بتلك الذكرى التي لم تفارقه:

ذلك

الألم

صوت عظامة وهي

تسحق،

ولحم

تمزق

من

الداخل

أغمض عينيه لبرهة، ثم فتحهما ليجد إيلاريس لا يزال يحدّق فيه كأن ما يراه أمامه خيال، حتى تمتم أخيرًا:

“حسنًا، يا فتى… أنت حرفيًا تعلّمت نصف ما أستطيع تعليمك إياه.”

رفع دان حاجبه وقال:

“أوه… حسنًا؟ لكن لماذا لا أستطيع أن أجعل الجيب البعدي أكبر؟ بالكاد يمكنني وضع شيء فيه.”

أجابه إيلاريس، وقد استعاد بعضًا من هدوئه:

“هذا لأنك ما تزال في المرتبة E. مقدار المانا التي تستطيع التحكم بها، ومدى استقرارها، محدودان في هذه المرحلة.”

أشار بيده نحو البعد الجيبي.

“عندما يرتفع مستواك وتنتقل إلى مرتبة أعلى، سيمكنك جعل البُعد الجيبي أكبر حجمًا"

مدّ دان يده نحو أحد الأقلام الموضوعة على طاولة قريبة، ثم نظر إلى البعد الجيبي الذي أنشأه وهمس:

“حسنًا… لنرَ ما إن كنتَ تتسع لقلم واحد.”

حاول إدخال القلم، لكنّه ارتدّ للخارج كما لو أنّ الفضاء نفسه لفظه.

تنهد دان ببطء، وقال بلهجة ساخرة:

“الجيب البعدي صغير جدًا… لا يستوعب حتى قلمًا.”

ضحك إيلاريس بخفة، ثم التقط ممحاة صغيرة من على الطاولة، وناولها لدان قائلاً:

“جرب هذه، إنها أصغر حجماً…”

أخذ دان الممحاة، نظر إليها، ثم صوبها نحو الجيب البعدي. تلاشى طرفها في الشق الفضائي واختفت بالكامل في الداخل.

أطلق زفرة خفيفة وقال بسخرية:

“رائع… موهبتي العظيمة تتيح لي الآن إخفاء ممحاة صغيرة وقتما أشاء. حلم تحقق.”

ضحك إيلاريس وقال وهو يهز رأسه:

“مع الوقت، هذه القدرة ستكون مفيدة جداً. وعندما يرتفع مستواك، ستتمكن من حمل أشياء أكبر.”

رفع دان حاجبه وقال:

“رائع، عندها سأتمكن من حمل قلم في جيبي البعدي بدلًا من جيبي العادي.”

ابتسم إيلاريس ونظر إليه نظرة طويلة قبل أن يقول بنبرة شبه معاتبة:

“فتى… توقف عن التشاؤم. بالمناسبة، كم تبقّى لك للارتقاء؟”

أجاب دان بلهجة عفوية:

“في الواقع… أنا على حافة الارتقاء.”

اتسعت عينا إيلاريس، وظهر الانبهار في وجهه:

“مدهش. رغم أنك متأخر قليلًا عن البعض، إلا أنك لست متأخرًا عن معظم زملائك.”

تردد دان لوهلة، ثم سأل وهو يعقد ذراعيه:

“بالمناسبة… من كان أول من انتقل إلى الرتبة D؟”

ابتسم إيلاريس بخفة، وقال بنبرة لا تخلو من الفخر:

“روين فلدريك… تلميذي الأول.”

2025/07/16 · 107 مشاهدة · 1230 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026