ساد صمت خفيف في الغرفة، قطعه صوت إيلاريس بنبرة أقل وُدًّا من السابق، تحمل شيئًا من الصرامة:
“إذاً يا دان… هل تذكر ما قلته لك قبل فترة؟”
رفع دان حاجبيه قليلًا، ونظر نحوه ببعض الحيرة، لكنه لم يردّ.
تابع إيلاريس وهو يضع يده على الطاولة بتأنٍ:
“قلتُ لك إنك لن تذهب إلى الفصول العملية لأسبوعين. ومع ذلك… لم تكتفِ بمخالفة كلامي، بل كسرت ضِلعًا أيضًا. ما حجّتك؟”
أطلق دان زفرة طويلة، وحكّ مؤخرة رأسه، قبل أن يرد بصوت خافت:
“أنا لم أرد القتال… لكنه تحدّاني. ولو رفضت، ستبدأ الشائعات—أنه جبان، أنه فقد موهبته، أو أن حادثته غيّرته.”
ظلّ إيلاريس صامتًا لوهلة، ثم تنهد وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
“اسمع يا فتى… أنا لا أرى أن ما فعلته كان خطأ. في بعض الأحيان، من الضروري الرد على التحدي.”
ثم اقترب منه قليلًا وأضاف بنبرة جدية:
“لكن… من الآن فصاعدًا، لن تذهب إلى الحصص العملية. تركيزك الآن يجب أن يكون على دراسة المنهج الذي فاتك"
أومأ دان بصمت، متقبلًا الأمر.
“مفهوم.”
وقف من مكانه، وانحنى قليلًا احترامًا، ثم أدار ظهره وغادر الغرفة.
…
كانت الشمس تميل نحو كبد السماء حين خرج دان من مكتب المدير. الهواء في الممرات كان هادئًا، وطلّاب قلة يتجولون بين المباني، إما في طريقهم لمحاضرة أو عائدين من تدريب.
توقّف دان لحظة عند مفترق الممر، ثم قال لنفسه:
“المكتبة.”
وانعطف باتجاه المبنى الضخم ذو الأعمدة الطويلة، حيث كانت مكتبة الأكاديمية تقف شامخة، تضم بين رفوفها آلاف الكتب والمخطوطات التي تعود لعصور قديمة، وأخرى كتبها أشخاص لا تزال أسماؤهم تُذكر في الحصص.
دخل دان بهدوء إلى المكتبة، وخفّف من خطواته غريزيًا تحت وطأة الصمت العميق الذي يملأ المكان. كان الجو داخل القاعة مختلفًا كليًا عن أي ركن في الأكاديمية… رائحة الورق القديم، وصفحات تُقلب بصوت خافت، وهمسات تكاد لا تُسمع.
تنقّل بين الرفوف بتأنٍ، عينه تتفحص العناوين بحثًا عن كتب المنهج النظري التي فاتته خلال فترة غيابه الطويل.
أخيرًا، سحب كتابًا من أحد الرفوف.
ضغط عليه بين يده قليلًا، ثم توجه نحو إحدى الطاولات القريبة من النوافذ للجلوس. وما إن اقترب، حتى لمح وجهًا مألوفًا يجلس هناك بالفعل، يقرأ بتركيز واضح.
روين فلدريك.
كان منهمكًا في كتابه، يدون ملاحظات سريعة في دفتر صغير إلى جانبه، وجبهته معقودة بانتباه تام.
تردد دان للحظة، ثم تابع سيره، واختار كرسيًا قريبًا منه، ووضع كتابه على الطاولة قبل أن يقول بصوت خافت:
“مرحبًا… روين، أليس كذلك؟”
رفع روين رأسه ببطء، وقد بدا عليه شيء من المفاجأة، قبل أن تتبدل ملامحه إلى ابتسامة صغيرة:
“أوه، دان، صحيح؟”
أومأ دان بابتسامة خفيفة:
“أجل.”
أغلق روين كتابه جزئيًا، وقال بنبرة فضول بسيطة:
“لم أتوقع رؤيتك هنا. ظننت أنك ما زلت في الاستراحة بعد ما حدث في ساحة التدريب.”
ضحك دان بخفة، وهز كتفيه:
“بصراحة، كنت أتمنى ذلك. لكني متأخر عن باقي الدفعة، والمدير أصرّ أن أبدأ بمراجعة المنهج النظري فورًا.”
أشار إلى الكتاب الذي أمامه وأضاف:
“جئت لأعوض ما فاتني، قبل أن تتراكم عليّ الأمور أكثر.”
ابتسم روين وهو يعيد ترتيب صفحاته:
“فهمت. على الأقل لديك الحافز الآن. أغلب الطلاب لا يلمسون هذه الكتب إلا ليلة الامتحان.”
جلس دان بشكل أكثر راحة، ثم قال:
“وأنت؟ تراجع المادة نفسها؟”
هزّ روين رأسه:
“لا، أنا أراجع جزءًا من دروس الفرق بين العنصر الأساسي والعناصر الفرعية. مجرد فضول شخصي.”
أومأ دان بتفهم، ثم فتح كتابه، وبدأ يقلب صفحاته ببطء.
فتح دان الكتاب، وعينه تتابع السطور الأولى بشيء من الحماس… أخيرًا، فرصة لتعويض ما فاته.
بدأ يقرأ بشغف، محاولًا التركيز على المفاهيم الأساسية: “التحكم الأولي في تدفق المانا، التردد السحري، البُنى الذهنية الأولية…”
لكن بعد خمس دقائق فقط، تغيّر تعبير وجهه.
عقد حاجبيه، وأمال رأسه قليلاً إلى الجانب، ثم تمتم وهو يقلب الصفحة ببطء:
“ما هذا الكلام؟ أنا لا أفهم شيئًا…”
حدّق في إحدى الجمل التي تقول:
“يُعتبر
.
رمش بعينيه، ثم أعاد قراءة الجملة مرة أخرى… بلا فائدة.
“عن أي دوران يتحدثون؟ ونقاط ثانوية؟”
لم ينتبه دان أن صوته خرج مسموعًا أكثر مما قصد، لكن روين، الذي كان يجلس غير بعيد عنه، توقف عن الكتابة ونظر نحوه، مائلًا برأسه قليلاً:
“أول مرة تقرأ هذا الجزء؟”
رفع دان بصره نحوه، وشعر بالحرج للحظة، لكنه أومأ ببطء:
“أجل… واضح؟”
ابتسم روين، وأغلق كتابه مؤقتًا:
“لا تقلق، هذه المفاهيم معقدة في البداية. كل ما في الأمر أنهم لا يجيدون شرحها ببساطة.”
اقترب قليلًا من طاولة دان، ثم أشار إلى الفقرة التي كان يقرأها:
“انظر… عندما يقولون ‘دوران المانا داخل النقاط الثانوية’، فهم يقصدون دوائر الطاقة الصغيرة المنتشرة في الجسد. ليست المراكز الرئيسية التي نستخدمها في القتال أو الصبّ، بل تلك التي تنظم التدفق بين المراكز.”
ثم تابع، مستخدمًا بعض الرسومات التوضيحية من دفتره:
“الفكرة أنهم يريدونك أن تعوّد عقلك على تصور المانا وكأنها تتحرك بين هذه النقاط، وهذا يساعدك لاحقًا في استخدام المانا بشكل أكثر دقة.”
استمع دان بصمت، وعيناه تتحركان بين الرسم وشرح روين، ثم تمتم بدهشة:
“مدهش… لم أفهم شيئًا في البداية، لكن مع شرحك صار واضحًا.”
ثم ابتسم بخفة وقال:
“لديك موهبة في التعليم… هل فكرت أن تصبح أستاذًا بعد التخرج؟”
ضحك روين بخفّة، وهزّ رأسه:
“أستاذ؟ لا، لم يخطر لي هذا أبدًا. لكن… ربما علي التفكير بالأمر الآن.”
ثم عاد إلى شرحه بنبرة هادئة، فيما بدأ دان يدون ملاحظات صغيرة، مستفيدًا من اللحظة.
مرّ الوقت دون أن يشعر دان، وبين شرح روين وتدوين الملاحظات، غاص في كمٍّ من المعلومات كان يبدو كجبل في البداية… لكنه الآن بدأ يرى قمّته.
مرت ساعات، وتسرب ضوء الغروب عبر النوافذ العالية، مصطبغًا بلونٍ ذهبي خافت، حين لاحظ دان أن المكتبة أصبحت شبه فارغة.
أغلق كتابه بهدوء، ثم التفت إلى روين، وقال بابتسامة معتذرة:
“أوه… لقد تأخر الوقت. آسف يا روين، أشعر أنني سرقت وقت دراستك بالكامل.”
لكن روين هزّ رأسه ببساطة، وقال بابتسامة هادئة:
“لا داعي لهذا الكلام. أنا كنت أراجع أيضًا، والشرح جعل الأمور أوضح بالنسبة لي كذلك.”
ثم أضاف وهو يجمع كتبه:
“في الواقع… لا أمانع إن درسنا معًا كل يوم. أعتقد أن وجود شخص آخر يحفّز على التركيز.”
اتسعت ابتسامة دان، وقال بامتنان صادق:
“شكرًا، حقًا… سيكون هذا مفيدًا لي كثيرًا.”
نهضا من مكانهما معًا، وجمع كل منهما أغراضه، ثم سارا نحو باب المكتبة.
وحين وصلا، توقفا للحظة، وتبادلا نظرة قصيرة.
قال دان:
“أراك غدًا… في نفس الوقت؟”
أومأ روين:
“اتفقنا.”
ثم انفصلا بهدوء، كل منهما يسير في اتجاه.
السلام عليكم يرجى ترك تعليق لمعرفة رأيكم في الرواية 😊.