29 - التدريب مع الذئب الوحيد

حلّ الليل بهدوئه المعتاد، تغلّف الأكاديمية سكينة متوترة، لا تُشبه إلا سكون ما قبل العاصفة. بعد أن افترق عن روين عند بوابة المكتبة، لم يتوجه دان إلى مسكنه… بل انعطف خارج الأسوار، وسار في صمت نحو غابة الأكاديمية.

لم يكن يحمل هدفًا واضحًا في ذهنه، سوى شيء واحد…

“الذئب الوحيد.”

امتدّت الأشجار الطويلة أمامه، كأنها ممر مظلم إلى عالم آخر. الأرض تحت قدميه رطبة، والهواء باردٌ يُلهب الحواس. وحين وصل إلى تلك البقعة — المكان الذي التقى فيه بالذئب لأول مرة — توقف دان.

كان هناك.

الرجل طويل القامة، يقف كما في المرة السابقة، قناع الذئب يغطي وجهه، وهالة لا يمكن وصفها تُحيط بجسده.

وما إن تبادل النظرات الصامتة، حتى قال بصوته العميق:

“ارفع سيفك… وأرِني ما لديك.”

لم يتحدث دان. لم يسأل.

كل ما فعله… أنه سحب سيفه بهدوء، وانخفض قليلًا في وضعية الاستعداد.

ثم تحرك.

خطوات سريعة، وسيف يلمع كأنه جزء من الظلال نفسها.

بدأ بتنفيذ أسلوب الظلال السوداء

اندفعت ظلال خافتة خلف ضرباته، كأنها أطياف لأشباح صامتة، تعكس مساراته وتضاعف حضوره.

وخلال كل ذلك… ظل الذئب الوحيد واقفًا، لا يتحرك، ولا يتكلم.

حتى توقف دان، يتنفس ببطء، وعيناه تراقبان الرجل بصمت.

مرّت لحظة، ثم قال الذئب بنبرة هادئة:

“لماذا تستعمل أسلوب الظلال السوداء؟ أليست عائلتك أكثر اختصاصًا في عنصر الظلام؟”

ارتجفت ملامح دان للحظة.

رفع عينيه نحو القناع، وسأل بدهشة لم يستطع إخفاءها:

”…كيف تعرف اسم هذا الفن؟”

أسلوب الظلال السوداء لم يكن معروفًا خارج عائلة نوكتاين.

فقط الشيوخ… و متقني الأسلوب .

لكن الذئب الوحيد لم يُجِب عن السؤال. فقط ردّ بهدوء، وكأن الأمر لا يستحق التوقف عنده:

“هذا ليس مهمًا. فقط أجبني—أليس من الأفضل أن تستعمل فن قاطع الظلام؟”

تنهد دان ببطء، وقال:

“موهبتي في الظلام… ضعيفة. لا تسمح لي بإتقانه.”

هزّ الذئب الوحيد رأسه قليلاً، وكأن الجواب لم يفاجئه:

“ما هي نسب مواهبك؟”

تردد دان، لكنه أجاب:

“الظلام: 60%.

الظلال: 75%.

الدم: 74%.

النار: 62%.”

ساد الصمت.

ثم قال الذئب الوحيد بنبرة خافتة:

“الكثير من العناصر… وموهبة غير مكتملة، مؤسف.”

أسند يديه إلى جانبيه، وأكمل:

“لكن… هذا لا يعني أنك بلا أمل. فقط يعني أن عليك أن تكون أذكى من غيرك، وأكثر دقة.

ابتسم الذئب الوحيد ابتسامة خافتة لم يرها دان، لكنها انعكست في نبرة صوته:

“الفن الذي تستعمله… هو نسخة أضعف.”

اتسعت عينا دان ببطء، لم يجب .

تابع الذئب.

“أسلوب الظلال السوداء الحقيقي… لا يُستعمل بالسيوف. أساسه الخناجر. هو فن اغتيال، لا مبارزة.”

فكر دان وهو يعيد كلمات الرجل في ذهنه.

“من علّمني إياه هو فارسي الشخصي… هو موثوق لا يمكن أن يُعطيني نسخة ناقصة.”

ردّ الذئب بهدوء، دون سخرية، ودون أن يرفع صوته:

“على الأرجح… لم يكن يقصد إعطاءك نسخة أضعف، بل النسخة الأفضل لك. النسخة الأصلية تتطلب موهبة في الظلال تتجاوز الـ80%. وأنت… أقل من ذلك."

استمر الذئب الوحيد في مراقبة تحركات دان بصمت، بينما كان الأخير يتنقل بين الضربات والخطوات، وسيفه يلمع تحت ضوء القمر.

“لا تهاجم بقوة غاشمة،” قال الذئب بنبرة حادة.

“اعتمد على سلاسة الحركة. قد تستخدم السيف، لكن أسلوبك… يميل للاغتيال.”

توقف دان لحظة، ثم استأنف الهجوم، لكن هذه المرة بحذر أكثر.

“افهم هذا جيدًا،” تابع الذئب، “الهدف ليس أن تُسقط خصمك… بل أن تفعلها بأقل جهد، وأكبر ضرر.”

ومع كل جولة، وكل حركة، ظل الذئب يوجهه:

“خفض مركز ثقلك أكثر.”

“أنت لا تُخفي نيتك. تعلم أن تتحرك كأنك لا تنوي القتال.”

استمر التدريب على هذا النحو قرابة ساعة، حتى قال الذئب أخيرًا:

“حسنًا، لنتوقف هنا اليوم.”

تقدم دان خطوة وقال، يتنفس بصعوبة:

“لا يزال هناك وقت.”

أجابه الذئب بهدوء:

“كنت أخطط لتدريبك لفترة أطول…

لكن يجب عليك الراحة بسبب الإصابة في صدرك.”

اتسعت عينا دان، وقال بنبرة خافتة:

“إذن… فقد لاحظت ذلك أيضًا."

يجيبة الذئب الوحيد

“لماذا لا ترتاح؟ يمكن تأجيل التدريب إلى أن تُشفى، لن يستغرق الشفاء طويلًا.”

فيجيبه دان:

“لا داعي لذلك، يمكنني تحمّله… ليس بالأمر الكبير.

نظر إليه الذئب للحظة، ثم التقط حصاة صغيرة ورماها نحو ضلع دان المكسور. لم تكن الرمية قوية، لكنها ما إن أصابته حتى جلس دان على الأرض، عاضًا على أسنانه من الألم.

وحين نظر إليه، قال الذئب الوحيد بنبرة هادئة:

“لماذا كل هذا العناد؟ لن يحصل شيء إن ارتحت لبضعة أيام.”

رفع دان رأسه ببطء، ما زال الألم يعصف بضلعه، وقال بنبرة متماسكة رغم التوتر:

“لأني ضعيف…”

حدّق في القناع أمامه، وتابع، كأن اعترافه ينتزع من أعماقه:

“ماذا سأفعل عندما أجد نفسي في موقف لا يوجد فيه أحد لأعتمد عليه؟”

نظر إليه الذئب الوحيد بصمت، ثم قال بنبرة ثابتة:

“دان نوكتاين… لماذا تقلل من شأن نفسك؟”

تنفس دان بعمق، وقال:

“هل تعرف؟ لقد دخلت في قتال مع أحد الطلاب مؤخرًا.

ولو لم يُشتّت تركيزه بعد كسر ضلعي… لما وجدت فرصة للفوز.”

خفض عينيه للحظة، ثم تابع:

“لقد فزت بالحظ.”

صمت للحظة، ثم أضاف:

“حتى عندما قابلتك… كان يجب أن أتصرف بذكاء.

كان من المفترض أن أتظاهر بالجهل… ثم أذهب لإبلاغ المدير إيلاريس.”

“لكنني ارتجلت… بسبب التوتر. تصرّفت دون تفكير.”

ارتجف صوته، قبل أن يتابع بانفعال متزايد:

“في بيت نوكتاين… تعرّضت لمحاولة اغتيال.

ولو لم أعتمد كليًا على تيا وكايل، لما كنت هنا الآن.”

“كنت عاجزًا… مجرد عبء. دان نوكتاين؟ لا شيء بدون من حوله.”

ورغم كل ما قاله، لم يقاطعه الذئب، لم يعترض، لم يُظهر سخرية ولا شفقة. فقط… استمرّ في الاستماع.

وفجأة، انفجر دان بصراخ مدوٍّ، يائس، مختلط بالمرارة:

“اللعنة! لماذا أنا؟ لماذا أنا من بين الجميع؟!

لم أرغب أبدًا أن أكون دان نوكتاين…

كل ما أريده… هو أن أعود إلى حياتي الطبيعية.”

ساد الصمت.

ثم قال الذئب أخيرًا، بصوته الهادئ العميق:

“دان… هل تعرف لماذا قررت تدريبك؟”

رفع دان رأسه ببطء، ينظر إليه بعينين دامعتين، مترددًا.

فأكمل الذئب، نبرته ثابتة لا تهتز:

“لأنك كنت خائفًا… ومع ذلك، واجهتني.”

“الكثير من الأشخاص لا يخشون الموت… لكنك تخشاه، ومع ذلك لم تهرب.

وفي لحظات معدودة، رتّبت خطة للتصرف… حتى تحت الضغط.”

توقف قليلًا، ثم قال:

“ربما لا تملك موهبة عظيمة… لكنك تملك شيئًا أثمن: مهارة التأقلم مع محيطك.”

“أنت لست ضعيفًا، دان نوكتاين."

2025/08/05 · 33 مشاهدة · 936 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026