استيقظ دان صباحًا في غرفته.

كان الضوء يتسلّل بخفة من بين ستائر النافذة، ينثر بعض الدفء على الأرضية الباردة. جلس في سريره، يحدّق بالأرض لدقيقة دون حراك، ثم نهض ببطء، وكأن النوم لم ينجح في طمس آثار الليلة السابقة.

بينما كان يُعدّ نفسه، يربط قميصه ويغسل وجهه بالماء البارد، مرّ شريط الأفكار في رأسه.

“لقد انهرت أخيرًا… ومن بين الجميع، انهرت أمام شخص التقيت به مرتين فقط.”

ابتسم بسخرية مريرة وهو يُعيد ترتيب ياقة سترته.

“حسنًا… كان هناك الكثير على كل حال. منذ أن أتيت إلى هذا العالم… كم مرة قُتلت؟”

أغلق عينيه للحظة.

“لا أريد العد.”

كان دان يشدّ أزرار قميصه عندما خطرت له فكرة لم يستطع تجاهلها.

“الذئب الوحيد…”

“لم أخبره عن موهبتي في عنصر الفضاء… لا أعرف إن كان يجدر بي ذلك.”

رجل غريب، يعيش في الغابة، يظهر فجأة ثم يعرض عليه التدريب؟ فقط لأني اثرت اهتمامه ؟

تنهد دان، وأكمل ربط سترته، ثم فكر بسخرية:

“يا رجل… غريب يظهر فجأة ويطلب تدريبي، ومدير أكاديمية يكتشف موهبتي ويعرض تدريبًا أيضًا؟”

توقّف، ثم تمتم بنبرة تجمع بين المزاح والمرارة:

“أظنني حقًا في رواية.”

رفع حاجبيه قليلًا، ابتسم بتهكّم وأضاف بصوت خافت:

“باستثناء أن أبطال الروايات لا يموتون طوال الوقت."

تنفّس بعمق، ثم دفع بنفسه نحو الباب.

____

دخل القاعة، وعيونه تجول بين المقاعد حتى توقفت عند وجه مألوف.

فتى ذو شعرٍ بني فاتح، وعينين رماديتين تذكران بضبابٍ يكسو سماءً حزينة… كما رآة دان من قبل… في زمنٍ لم يعد موجودًا.

تردّد لوهلة، ثم مشى نحوه وجلس إلى جواره بصمت.

التفت الفتى إليه، بدت الدهشة على ملامحه، وقال:

“عذرًا، هل أعرفك؟”

ابتسم دان بهدوء، وقال:

“لا، لكني أرغب في التعرف عليك… تبدو شخصًا مرحًا.

أنا دان نوكتاين، وأنت؟”

أمال الفتى رأسه قليلاً، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة ممزوجة بالسخرية.

“أوه، هل أنا هدف للتنمر أو شيء من هذا القبيل؟”

اهتزت ابتسامة دان للحظة.

قال في نفسه: “نسيت كم أنه مزعج.”

تنهد وقال بفتور:

“انسَ الأمر إن لم تكن مهتمًا.”

ضحك الفتى بخفة، ثم قال:

“مهلًا، مهلًا، كنت أمازحك فقط.

أنا كاين… تسعدني معرفتك، يا سيّد دان نوكتاين.”

ابتسم دان من جديد، وقال بنبرة أخف:

“لا حاجة للرسميات… فقط دان.

_____

بعد انتهاء المحاظرة خرج دان من القاعة مع كاين ،وما إن خطيا عدة خطوات حتى اعترض طريقهما ثلاثة طلاب.

كان من يقف في الوسط شابًا ذا شعرٍ أحمر داكن، وعيون حادة كأنها تطلق شررًا. تقدّم خطوة إلى الأمام، وحدّق في دان بنظرة مليئة بالعداء.

قال بصوت مرتفع، كأنما يخاطب جمعًا من الحاضرين:

“أليس هذا هو البطل المزعوم؟”

تنهد دان، دون أن يغير تعبيره، وردّ ببرود:

“يا صاح، أنا حتى لا أعرفك… لماذا كل هذه الجلبة؟”

زمجر زيغلر وانقبضت يداه.

“اخرس! لقد استغللت لحظة تشتتي كي تهزمني. هذا لا يُعد نصرًا!”

رفع كاين حاجبيه، ونظر إلى دان، ثم إلى زيغلر، وقال بنبرة ساخرة:

“يبدو أنك تحب جلب المشاكل إلى نفسك.”

رد دان وهو يشيح بنظره بعيدًا:

“صدقني… المشاكل هي التي تأتي إلي."

وفجأة، دون سابق إنذار، انقض زيغلر على دان.

لم يسبق الهجوم أي كلمة، أي تهديد، أو حتى تلميح بالغضب… فقط حركة سريعة، متهورة، كأن الشاب فقد صوابه.

تفاجأ تابعاه للحظة، لكن سرعان ما اتخذا وضعية القتال ولحقا به.

دان قفز إلى الوراء، متجنبًا الضربة، وسحب سيفه بسرعة.

“هل أنت مجنون؟!” صرخ، وهو يرفع سيفه لصد الضربة التالية. “تبدأ قتالًا في الأكاديمية؟ أمام الجميع؟!”

لكن زيغلر لم يرد.

كان يتنفس بحدة، وجهه أحمر، وعيونه المتوهجة بلون الدم تكاد تخرج من محجريها. حركاته شرسة، طائشة، بلا أي منطق أو حساب.

تبادل دان وكاين نظرة سريعة.

صدّ كاين هجوم أحد التابعين، ثم تمتم وهو ينظر إلى زيغلر:

“…لا يبدو طبيعيًا. هل… هل جُن فعلًا؟"

مع كل ضربة، بدأ دان يلاحظ شيئًا غريبًا.

“إنه… أقوى من قبل؟”

كانت ضربات زيغلر أكثر عنفًا، أسرع، لكنه كان يقاتل كوحش هائج، بلا خطة، بلا أسلوب. فقط غضبٌ أعمى يندفع به كقطارٍ فقد السيطرة.

ومع كل ثانية، بدا وكأن الحرارة تتصاعد من جسده.

وفجأة—اشتعل.

لهيبٌ أحمر غطى أطرافه، وعيناه تتوهجان كجمرتين.

“تبًا…” تمتم دان، وهو يتهيأ للهجوم القادم.

لكن قبل أن يتحرك زيغلر خطوةً أخرى، اختفت كل الضوضاء في لحظة، تلتها صفير خفيف، كأن الهواء انقسم.

ثم—

ضربة.

سريعة. حادة. برق.

ظهر شاب بين دان وزيغلر، تحيط بجسده شرارات كهربائية متراقصة، كأن العاصفة تلبسته.

ضرب زيغلر بقبضته على عنقه جانبًا.

سقط زيغلر أرضًا، فاقدًا للوعي.

الصدمة ارتسمت على وجهي تابعيه، لكنهما لم يتحركا.

رفع كاين سيفه بهدوء، وقال بصوت بارد:

“حسنًا… هل تعتقدان أنكما ستفوزان بعد كل هذا؟”

نظر أحد التابعين إلى الآخر، ثم أسقطا سلاحَيهما بصمت.

تنفس دان بارتياح، وأدار وجهه نحو القادم الجديد.

“يبدو أنك أنقذتنا، يا روين.”

ردّ الشاب الذي بدأت الشرارات تخفت حوله:

“ماذا يجري هنا، دان؟”

ابتسم دان، وهو ينظر إلى زيغلر الملقى على الأرض.

“صدقني، هذا ما أريد معرفته أنا أيضًا.

بعد لحظات ، صوت خطوات سريعة على الأرض سبق مجيئها ، وقبل أن يتحدث أحد، كانت الأستاذة سيرينا قد ظهرت، وعيناها تتسعان بدهشة وهي تنظر إلى الفوضى أمامها.”

طالب مغمى عليه على الأرض، واثنان آخران محتجزان، وثلاثة طلاب يقفون في مواجهة هذا المشهد وكأنهم خرجوا للتو من معركة.

“ما الذي يحدث هنا؟” سألت بصوت هادئ، لكن حازم، وهي تتقدم بخطوات واثقة نحو المركز.

تبادل كل من روين و كاين نظرات سريعة، ثم وقعت أعينهم على دان ، الذي تنهد ببطء وتقدم خطوة للأمام، ثم قال:

“الأستاذة سيرينا… هذا الطالب هو زيغلر. سبق أن تقاتلت معه خلال تدريب، وتمكنت من هزيمته. لكن اليوم، اعترض طريقي أنا وكاين، وهاجمنا فجأة دون أي تحذير. لحسن الحظ، تدخل روين في الوقت المناسب.”

أومأت سيرينا برأسها قليلاً، ثم رفعت حاجبها وسألت:

“ولماذا يهاجمك هكذا؟ هل هناك خلاف بينكما؟”

هز دان رأسه قائلاً: “لا أعلم. لكنه لم يكن طبيعيًا. نظراته، حركاته… كل شيء فيه كان غريباً. وكأنه ليس بكامل وعيه.”

ثم التفت دان إلى الطالبين اللذين كانا يرافقان زيغلر، وقال بنبرة صارمة:

“لماذا هاجمتم؟”

تردد أحدهما، قبل أن يجيب بصوت خافت مرتبك:

“نحن… لم نكن نعلم أنه سيهاجم. قال فقط أنه يريد استفزازك بالكلام… لم يخبرنا بنيّته القتال.”

قال كاين بسخرية:

“وبمجرد أن رأيتموه يهاجم، قررتم الانضمام. أنتما حقًا تابعان بامتياز.”

خفض الطالب رأسه، عاجزًا عن الرد.

سادت لحظة صمت، قبل أن تقطعها الأستاذة سيرينا بنبرة حاسمة:

“سيتم أخذ جميع الطلاب المعنيين إلى التحقيق، بمن فيهم زيغلر حين يستعيد وعيه.”

ثم نظرت إلى الثلاثة الآخرين دان، كاين، وروين وأردفت:

“وسنحتاج إلى أقوالكم كذلك."

ملاحظة:

السلام عليكم امل ان الفصل اعجبكم يرجى اعطاء رأيكم به وشكراً .

2025/08/08 · 77 مشاهدة · 1011 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026