كان المكتب هادئًا إلا من صوت عقارب الساعة التي تضرب الصمت بإيقاع منتظم.

جلست الأستاذة سيرينا خلف مكتبها الخشبي، وأمامها وقف دان وكاين وروين، لا تزال على وجوههم آثار القتال قبل قليل.

وضعت سيرينا القلم جانبًا، وأسندت ظهرها إلى الكرسي، ثم أطلقت زفرة طويلة وكأنها تحمل على كتفيها أكثر مما تستطيع احتماله.

قالت بنبرة بطيئة، واضحة:

“إذن… هذا ما حدث بالضبط؟”

أومأ الثلاثة بالإيجاب.

تبادلوا نظرات قصيرة قبل أن يرد دان:

“نعم، هذا كل شيء. لم يكن في وعيه.”

بقيت سيرينا صامتة لثوانٍ، تحدّق في أوراق أمامها، قبل أن تغلقها وتقول بصوت مائل للجدية:

“هذه… ليست أول مرة.”

رفع كاين حاجبيه، وسأل:

“ماذا تعنين؟”

التفتت سيرينا إليهم بعينيها الحادتين، وأجابت:

“هذه هي رابع حالة لانهيار أحد الطلاب خلال هذا الشهر.”

ساد الصمت للحظة، قبل أن يهمس روين:

“انهيار…؟ تقصدين أنه فقد السيطرة مثل زيغلر؟”

أومأت سيرينا ببطء، وأردفت:

“نعم… نفس الأعراض. غضب غير مبرر، قوة بدنية تزداد فجأة، ثم فقدان كامل للعقل والمنطق.”

قالت سيرينا وهي تقلب بعض الأوراق:

“ما لوحِظ لدى باقي الحالات… ازدياد مفاجئ في القوة، وارتفاع حاد في انفعالاتهم. لكن…” توقفت لثوانٍ، وكأنها تزن كلماتها، “حالة زيغلر كانت أشد من أي حالة سابقة.”

تبادل الثلاثة نظرات قلقة، قبل أن يقطع دان الصمت:

“حتى الآن… ماذا يقول التحقيق؟”

رفعت سيرينا عينيها إليه، وأجابت بلهجة حازمة:

“هذا ليس أمرًا يجب على طلاب مثلكم القلق بشأنه. عليكم الآن المغادرة وأخذ قسط من الراحة.”

لم يكن جوابها مرضيًا، لكن نظرتها لم تترك مجالًا للمجادلة.

نهض الثلاثة، وغادروا المكتب بصمت، حتى أغلق الباب خلفهم.

______

بعد أن غادر دان ورفاقه المكتب، بقيت سيرينا واقفة لثوانٍ، قبل أن تدير ظهرها وتتجه بخطوات سريعة نحو مبنى الإدارة.

كانت تعرف أن الاجتماع قد بدأ.

فتحت الباب ، ودخلت الى غرفة الاجتماع .

على الطاولة المستديرة في منتصف القاعة جلس أربعة أشخاص: جاك، أستاذ فنون القتال، ملامحه مشدودة وعيناه متجهمتان؛ الطبيب جيمس، وهو يقلب أوراقًا طبية بعناية؛ نائب المدير، الذي بدا كمن لم ينم منذ أيام؛ والمدير إيلاريس، الجالس على رأس الطاولة، بهيئته المهيبة ونظرته الحادة.

رفع إيلاريس رأسه فور دخولها، وقال بصوت منخفض لكنه محمّل بالجدية:

“أخبروني… ما آخر ما وصلتم إليه؟”

تنحنح نائب المدير، ثم بدأ الكلام:

“حتى الآن… هذه رابع حالة من نوعها. جميع الضحايا—باستثناء الأخير—من الرتبة البرونزية أو الفضية، و كذلك كانوا في المراتب المتدنية حتى في رتبهم.”

توقف لحظة، كأنه يزن كلماته قبل أن يتابع:

“وجدنا نوعًا من العقار في غرفة أحد الطلاب… وبعد فحصه، اكتشفنا شيئًا مثيرًا للقلق.”

نظر إليه المدير بحدة:

“أكمل.”

ابتلع نائب المدير ريقه وقال:

“العقار يحتوي… على دم شياطين.”

ساد الصمت فجأة، حتى بدا وكأن الغرفة نفسها حجبت أنفاسها.

ارتفع صوت جاك بانفعال، وهو يضرب بقبضته الطاولة:

“كيف هذا؟! ومن يجرؤ على إدخال شيء كهذا إلى الأكاديمية؟!

لاحظ جاك انفعاله المفرط، فأخذ نفسًا عميقًا، ثم جلس مجددًا وهو يحاول ضبط أعصابه.

أشار إيلاريس إلى نائب المدير ليكمل.

قال الأخير بصوت متزن:

“من خلال التحقيق مع الطلاب بعد استيقاظهم، تبيّن أنهم حصلوا على هذا العقار من خارج الأكاديمية. يبدو أنه منتج جديد بدأ بيعه مؤخرًا، لكنه غير مكتمل… مليء بالعيوب، ويسبب الإدمان بسرعة.”

رفعت سيرينا حاجبها وقالت:

“لكن… كيف يعمل هذا العقار؟ في العادة، لا يمكن الخلط بين دم البشر ودم الشياطين إلا بوجود عقد.”

أجاب الطبيب جيمس وهو يضم كفيه فوق الأوراق أمامه:

“صحيح. لكن ما وُجد في هذا العقار هو دم شياطين مُخفف، تم تعديله كيميائيًا بحيث يتحمله جسم الإنسان. من الواضح أنه بعيد عن الاكتمال، وهذا ما يفسر الانهيار العقلي عند مستخدميه.”

أردفت سيرينا بجدية:

“وماذا لو اكتمل؟

كان الصمت الذي تلا سؤالها ثقيلاً، قبل أن يتكلم إيلاريس بصوت منخفض لكنه حاد:

“إن اكتمل هذا العقار، فسيتم أخذه بكميات أكبر، ولن تكفي جرعة القوة التي يمنحها في كل مرة.”

نظر إليها بعينين تحملان ثقل المسؤولية، وأضاف:

“حينها، سيرغب الشخص في الحصول على المزيد… وأفضل طريقة لتحقيق ذلك ستكون عبر انشاء عقد مع أحد الشياطين.”

التفت إليها وكأنه يختبر فهمها:

“أنت تعرفين ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟”

همست سيرينا:

“هذا يعني ازديادًا في عدد المتعاقدين مع الشياطين."

أومأ الطبيب جيمس ببطء، مؤكداً كلماتها، بينما ظل الصمت الموحش يخيم على الغرفة.

رنّ الهاتف في غرفة الاجتماع، فاجاب الطبيب جيمس، وسمع الصوت من الطرف الآخر.

أنهى المكالمة وأغلق الهاتف بهدوء، ثم نظر إلى الجميع بوجه جاد مغطى بعبء ثقيل.

قال بصوت منخفض، لكنه واضح:

“زيغلر… قد مات.”

ساد الصمت العميق الغرفة، وكأن الزمن توقف للحظة.

_____

كان كل من روين و كاين في غرفة دان، الصمت يخيّم عليهم للحظة قبل أن يكسره كاين وهو يتنهد:

“إذن… ما رأيكما بما حدث؟ مهما حاولت أن أنظر للأمر، زيغلر لم يكن طبيعيًا أبداً.”

أجاب دان وهو يضع يده على ذقنه:

“الأستاذة سيرينا قالت إنها الحالة الرابعة… يبدو أن هناك خيطًا مشتركًا بينهم جميعًا. لكن… ما الذي جعلهم هكذا؟”

قاطعه روين فجأة بصوت منخفض:

“عقد مع شيطان.”

التفت كلاهما نحوه بدهشة، بينما ظل روين يحدق في الأرض وكأنه لم ينتبه لنظراتهما. عندها ناداه كاين بنبرة فضولية:

“روين لماذا قد تظن ذلك؟”

رفع روين رأسه ببطء وقال:

“في الواقع… لدي مهارة أشبه بالرادار. أستطيع بواسطتها استشعار المانا الخاصة بالمحيطين بي. ولقد التقيت من قبل بأشخاص عقدوا صفقات مع شياطين… مانا زيغلر كانت شبيهة بهم بعض الشيء.”

شد دان حاجبيه وقال متسائلًا:

“هل تعتقد أنه تعاقد مع شيطان؟”

هز روين رأسه نافيًا:

“لا… ليس بالضبط. لو كان قد تعاقد، لكانت المانا الخاصة به متماثلة مع مانا الشياطين. لكن ما شعرت به مختلف… كانت طبيعية، لكنها مصبوغة… وكأن جزءًا صغيرًا من مانا شيطانية اختلط بها. بصراحة… بدا الأمر غريبًا للغاية."

سأل كاين:

“وماذا الآن؟”

رفع روين يده التي كانت تعاني من الحروق، وقال وهو يبتسم بخفة:

“أنا ذاهب إلى المشفى. يبدو أن نيران زيغلر تركت أثرها علي.”

لم يستطع دان منع نفسه من تذكر لحظة الهجوم، كيف كان جسد زيغلر يشتعل.

“أفهم… اعتنِ بنفسك، روين.”

لوّح روين بيده قبل أن يغادر، معتذرًا عن عدم قدرته على الدراسة مع دان اليوم.

أجابه دان بابتسامة شاكرة:

“لا بأس، لقد أنقذتنا للتو.”

بقي دان وكاين وحدهما في الغرفة، حين قال كاين بابتسامة ماكرة:

“حسنًا يا دان… عليّ الاعتراف، قضاء الوقت معك مليء بالأحداث.”

ثم أضاف وهو يضع يديه في جيبيه:

“إن احتجت إلى شيء… فأنت تعرف أين تجدني."

2025/08/18 · 30 مشاهدة · 971 كلمة
Aliab3
نادي الروايات - 2026